Saturday, May 31, 2014

الصراعات الإقليمية وأثرها في الشعوب // سيد شرف النواح



كثيرٌ من الشعوب تدخل في مطالبات تغييرية أو إصلاحية وتسير على نحو قاب قوسين أو أدنى. 

لكنها سرعان ما تغير الظروف للمألوف وتصبح أمنيات الشعب مرهونة بتحولات إقليمية تفرض واقعها سواء اتفقت ام اختلفت مع رغبة الشعوب.

طبعا أغلب الصراعات الإقليمية تفرض واقعها من خلال بوابة الدول الكبرى إذ تكون تلك الدول هي الريموت المحرك للدول الأخرى التي لا تحرك ساكناً أمامها. 

المتابع للتاريخ سيرى منذ العصور الماضية والغابرة إن هذه السياسة من الصراعات الإقليمية موجودة في عصر القبائل وبعدها الحضارات وهكذا امتدت حتى عصرنا الحاضر.. واتخذت فرض التسويات إما بالإكراه أو بالرغبة من خلال بعض المقدمات التي قد تكون مقبوله للغالبية العظمى.

في خضم الصراعات المتلاحقة وفي ظل وجود أغلب الدول  على صفيح ساخن تبقى الشعوب كمن ينتظر المجهول فلا تدري ما الذي يمكن أن تنالها من تلك الصراعات، وكيف يكون مستوى وسقف المطالب التي ربما ضحت من أجله الكثير وانتظرت ربما سنوات لتحقيق ذلك. ولكن كما يقول الشاعر:

تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. 

والسلام


17 مايو 2014
 
 

ثقافة اسمها ( كما وصلني ) // إيمان الحبيشي




تحدثتُ في مقالات سابقة عن أهمية الكلمة، والمسؤولية الملقاة على عاتق كاتبها أو ناطقها[١] وكيف أن الكثيرين يمارسون بقصدٍ أو بغير قصد، عملية تزييف للوعي[٢] عبر كلماتٍ أو تحليلاتٍ بُنيت على أسسٍ خياليةٍ أو مكذوبة.


إن ما يدعوني للفت النظر مُجدداً لأهمية الكلمة، كونها تُعد السلاح الذي بواسطته هُدمت ثقافات حقة أو باطلة، وبواسطته كذلك بُنيت حضارات حقة أو باطلة، وأجد أنا مجتمع صار يهتم بالكلمات، ينتخِب بعضها ويتلقى البعض الآخر مُسلّماً، رافعاً أمامها رايته البيضاء.. قد يكون ذلك أمراً إعتيادياً، فقد نقرأ ما يُلامس روحنا وعقلنا وواقعنا فنقبله سريعاً، وقد ننفر أحياناً من بعض التوصيفات والتحليلات وإن كانت حقاً، لكن المشكلة اليوم أننا (نتلقى - ننشر - نؤمن) بكل ما يصلنا بطريقةٍ آليةٍ أعتقد أنها ليست صحيحة، أو على أقل تقدير تحتاج منا لوقفة مُراجعةٍ لتقييمها وتصحيحها إن كانت تحتاج للتصحيح.


منذ أيام ونتيجة تكرار مجموعةٍ من الحوادث والحرائق التي راح ضحية أحدها زهرتان عزيزتان من زهرات جزيرة سترة (زهراء وغدير)[٣]، انتشرت بشكلٍ كبير جداً تحليلات عن سبب اندلاع الحرائق، عزاهُ الأعم الأغلب لتعطل جثة الشهيد عبد العزيز العبار رحمه الله، كما وصفه آخرون بأنه من صُنع السلطة. أما السبب الأول فقد دخلتُ في نقاشات عدة مع من نقل هذا الرأي عن الأساس الذي بُني عليه رأيهم فكانت الإجابة (كما وصلني)![٤]


كمٌ هائل من المعلومات والأخبار يُتداول بسرعة كبيرة، دون التحقق من صحته بشماعة (كما وصلني) -كإشاعات الحرائق التي انتشرت بالتزامن مع حوادث الحرائق المؤسفة التي أشرت لها منذ قليل- وهي مساهمةً تُقدم مجاناً لمن أراد أن ينشر كذبةً أو يُوقع فتنةً، أو يُزيف وعياً، ونحنُ قطعاً بممارسة عملية النشر بتلك الآلية نكون مسؤولين أيضاً، مسؤولين عن نشر إشاعة تمس عرض إنسان ما، أو تُهوّل أمراً ما مُربكة المجتمع، عبر قذف نوعٍ من أنواع القلق أو الخوف في نفوس الناس، مسؤولين عن نشر حادثة ( لا نعلم صحتها ) تُسئ لإنسان ما، مسؤولين عن نشر ثقافة ما أنزل الله بها من سلطان، تُشوّه العقول والنفوس والنوايا، فضلاً عن نشر أحاديث تُنسب لأهل البيت (ع) لم تصدر عن أحدهم، وإن توافقت مع مبدأ دعوا إليه، إلا أن مسؤولية الكذب عليهم لن تسقط عنا إن كان القول حسناً.


أما الرأي الآخر والذي يتبنى أن أسباب الحرائق هو أيد خفية تتبع السلطة، فلا أستسخفه ونحن نعيش هذا الوضع الأمني المقلق، إلا أني أيضاً لم أجد ما يدعمه على الأقل حتى الآن.. لا أرفض مبدأ الشك في كل حادثة أو واقعة نعيشها ذلك أن الحال يفرض علينا الشك، إذ نعيش إستهدافاً على كافة الأصعده، إلا أني أجد أننا نحتاج لدلائل حقيقية تُثبت تورط تلك الأيدي خلفها، لا لتبرئة السلطة لكن لأننا بحاجة لبحث جاد عن أسباب الحوادث التي تقع، كأن نُعالج الإهمال إن كان موجوداً، كأن نُوفر أدوات السلامة إن لم نكن نعتني بتوفيرها، كأن نتعلم أساليب التصرف الصحيح في حال حدوثها، كأن نتخذ تدابير وقائية تحمي منازلنا وأرواحنا شرها. أما تبني أسلوب أن كل ما يحصل على هذه الارض سببه السلطة فحسب، فذلك مدعاة لجمودنا وربما لاستمرار وقوع البلاء علينا، وليست الحرائق هنا سوى مثلاً نستطيع أن نُطبقه على الكثير من الحوادث التي تحتاج منا للوقوف على الأسباب الحقيقية لحصولها وبالتالي تصحيح مسار الأمور وإيجاد سبل الوقاية.


لكُل منا دوره الدقيق في هذا المجتمع، قد لا يُدركه الفرد إلا أن آثاره ستكون موجودة حتماً على الجميع.. إياك أن تقول (مجرد رسالة سأمررها) ليكن شعارنا (تلقى/ دقق / قيم / إنشر) لتكُن وسائل تواصلنا وسائل رحمة لا وبال علينا.



31 مايو 2014
____________________________________________________________

[١]http://ertiqabh.blogspot.com/2014/04/blog-post_19.html?m=1 
[٢]http://ertiqabh.blogspot.com/2014/05/blog-post_8398.html?m
[٣] http://www.alwasatnews.com/ipad/news-888758.html
[٤] رأي سماحة السيد محمد العلوي حول الربط بين الحوادث المؤسفة وعدم دفن جسد الشهيد العبار ::
( لا شَكَّ ولا شبهة في أن للأعمال أثر في البلاء، وهذا هو القرآن الكريم والروايات المعصومة عن العترة الطاهرة تصرح عن علاقة تكوينية بين العمل وبين تقديرات الله تعالى وقضائه..
قال تعالى:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وقال عز وجل:
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ)
وهذا قليل جدًا من كثير قد ورد في خصوص الابتلاء بسبب الأعمال..
أما أن نحصر حدثًا أو أكثر في سبب أو أسباب فهذا يحتاج إلى دليل صريح..
لماذا لا نقول بأن هذه الحرائق -مثلًا- بسبب انتشار السفور والمغازلات بل والسفالات في مواكب العزاء من المتفرجين والمتفرجات؟
لماذا لا نقول بأن السبب هو تحول العلاقات غير الشرعية بين الرجال والنساء كبارًا وصغارًا إلى حالة طبيعية؟
لماذا لا نقول بأن السبب هو عبادة الناس للأفلام والمسلسلات التي تضج بالمشاهد المحرمة صريحًا؟
هذا مع تجاوز أن الحرائق تتكرر كل سنة في موسم الحر، وكل ما في الأمر أن الأضواء قد سُلِّطت عليها هذه المرة!!
أما بالنسبة للشهيد العبار (رحمه الله تعالى) فأمره موكل لوليه ولي الدم، وليس من العدل محاكمته وتحميله مسؤولية ما يجري دون وجه علمي صحيح، وهذا مع علمنا بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فيما لو قلنا تنزلًا بأنه وزر!!)


مقدمات صناعة الدين ! // أبو مقداد





لم تكن المؤشراتُ حينها تنبئُ بإمكانيةِ ولادة رجلٍ سيغير التأريخ، وسيتمكن من صناعة عصرٍ جديد، يسمى ما قبلهُ بعصرِ الجاهلية، ويتمكن من جعلِ هذا المجتمع الجاهلي هو المُصَدِّرُ لوعي العالم بأسره، فينتزعَ معتقدات المجتمع الجاهل
من عقولهم ليغرسَ مكانها العقيدة القويمة والسديدة، ويقود المشروع الضخم لتكون "رسالة محمد" صلى الله عليه وآله.

لو خططَ النبيّ في بدء نهضته بالدين الإسلامي لنشرِ الإسلامِ في أرجاء الكرة الأرضية خلال عامٍ.. عامين.. عشرة.. طيلة حياته.. لما تمكن من نشر الدين الإسلامي لخارجَ مكة لأنه حينها سيكون منشغلًا بنشرهِ دونَ أن يؤسس أركان وقواعد هذا الدين، كما أنه سيهتم كثيرًا بالنتائج، مما سيؤدي به لإهمال المعطيات!

قد تحتاجُ دقائق لهدمِ أي بناء، ولكن لإعادة بنائه لن تكفيك الساعات، لأن الهدمَ وإن احتاج لخطة محكمة إلا أنه يعتمد على الخلط والعشوائية، بينما البناء بالإضافة للتخطيط، يحتاج للدراسة، والبحث، والجهد والعمل الحثيث والتنظيم، والوقت وووو... لذلك فبناء مجتمع مثلَ قريش الذي انغمس في الهدم، والجهل، لن يكون بالأمرِ اليسير، ومن غير المنطقي أن يُبنى في ظرفٍ زمانيٍ سريع، إذ لا بد له من خطة طويلةِ الأمد، بالإضافة لنشر هذا الدين الواجب، فهي تقف على مواطن ضعف هذه الأمة وهذا المجتمع لتصلحهُ مما يعانيه.. وتذلل المعوقات التي تعطل عملية إصلاحه!

لذلك كان لا بد لمحمدٍ من أن يسقط نظام المجتمع الداخلي، وفقَ خطتهِ المدروسة، ثم يبدأُ مرحلة البناءِ في ذات الخطة، فكانت من مقومات مشروع محمد -ومن قبل الدعوة- أنهُ كان مثالاً يُحتذى بهِ في التربية والأدب والأخلاق، حيث أنه تم وصفه بالصادق الأمين، قبل أن يعلم أحد بنبوته ورسالته، وهذا عامل مهم في رسالة محمد، حيث يتضح منه أن تهذيب النفس وإصلاحها يجب أن يكون الخطوة الأولى قبلَ البدء في إطلاق المشروع الرسالي الكبير هذا، وبصورة أعم، فإنَّ أي تغيير في أي مجال، لن يكون إلا إذا كانت نقطة انطلاقته من الذات أولاً..
 
المرحلة الثانية، التي كانت من إرشادات الله بواسطة جبرائيل عليه السلام، كانت نقطة الانطلاقة الحقيقية لذلك المشروع، تمثلت في قوله "اقرأ" ولا يمكن أن يكون لفظ اقرأ كبداية للدعوة الإسلامية هو لفظ عبثي تم اختيارهُ عشوائيًا، بل هو رسالة تبين وتشرح أهمية العلم والقراءة والبحث في نجاح أي مشروع، لا سيما إن كان المشروع هو الرسالة الأولى..

لم يكن بمقدورِ محمدٍ أن يصرِّح أمامَ قُريشٍ بأنه رسولُ الله، وأنه يدعوهم لعبادة الله الواحد، والبراءة من أصنامهم، لأنهُ بهذا الفعل سيصطدمُ مع كبار شخصيات المجتمع وأصحاب مواريثه المجتمعية، وعقائدهِ، وسيُواجهُ بحملةٍ شرسةٍ قد تنبذ وجوده أصلًا، لذلك بدأ محمد النبي بأفراد المجتمع من حوله والمقربين له، فكان اختياره للإمام علي والسيدة خديجة ليعرض عليهما أمر دعوته، ومشروعه الكبير، ثم يبدأُ بالتوسّع، حتى تنتشر فكرة الدين، وعبادة الله.. لكن لم يكن انتشارُ الدين هو الهدف، بل كان مشروع محمدٍ يعتمد على إصلاح الأمة من كل خلل كان أو سيكون، وانتشار المبادئ والقيم السليمة التي يدعو لها الدين، لذلك كان لابد له من تأسيس حالة ثقافية في المجتمع تتحمل مسؤولية وهم التوعية لصالح مبادئ وقيم الدين، الأمر الذي التبس على الكثيرين، وجعلهم يتعاملون مع الدين بسلوكٍ يفرغهُ تمامًا من مضامينه الراقية، ويتمسكون بالدين كتمسكهم بطقوس عبادة الأصنام، انحناءات لربٍ ما، بدون أي روحٍ وعقلٍ يفقه معنى العبادة، وجوهر المعبود!! 
 
هذه كانت لمحات سريعة، من انطلاقة المشروع الإسلامي للنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، نحتاج التمعن فيها ومراعاتها قبل انطلاقتنا في أي مشروعٍ سنطرحهُ للمجتمعِ لإحداث تغيير، ما دمنا نعي أننا نعاني من خلل ما في المجتمع، فلابد لنا من عدم التفكير في الإستسلام لهذا الخلل، والاجتهادُ في إصلاحه، وإن استعصى علينا نُسارعُ في إسقاطه ..
كي نتمكنَ من إدارةِ مشروعنا، وحمل وتفعيل مشروع محمدٍ النبي، لابد لنا من البدءِ من ذواتنا، نلتزمُ نحن بمبادئ هذا المشروع وهذه الرسالة، ونبدأ في أن نكونَ صُنَّاع جيلٍ ملتزمٍ واعٍ، بالإضافة لعدم التوقف عن القراءة وطلب العلم، والتثقيف في شتى المجالات، كما يجب أن لا نتوقع نتائج سريعة، وأن لا نضع خطة تنتهي في ظرف أشهر أو سنين معدودة قصيرة الأمد، بل تكون خطتنا ممتدة لسنواتٍ عديدة، نعمل عليها، ويستلمها من بعدنا الأجيال القادمة، ليكملوا المشوار!!
 
نبدأ من أنفسنا، لنصل لـ كل من حولنا بالعودة لمنهاج محمدٍ صلى الله عليه وعلى آله، فنحمل على عاتقنا مسؤولية تفعيل وتطبيق ما أسسه محمدٍ النبي آنذاك..
 
لي عودة في الأسبوع القادم، في تسليط الضوء على جانبٍ آخر من دعوة محمد، لتساعدنا في فهم هذا المشروع وخصائصه.
 
 
31 مايو 2014

السعادة بين الدين والتمدن // أم حسين

 
 
كريستينان اوناسيس امرأة توفرت لها كل سبل الراحة والرفاهية كونها الوريثة الوحيدة لأبيها الملياردير اليوناني أرسطو صاحب الجزر والأساطير والطائرات والثروة الطائلة.. إلا أنها اختارت أن تنهي حياتها بيدها بعد أن يأست في أن تجد طريقاً للسعادة، فبعد عدة زيجات فاشلة ذهبت لتعيش مع زوجها الأخير في أحد الأحياء الفقيرة ظناً أنها قد تجد السعادة في الفقر، وحينما خاب ظنها هجرته وأصابها حزن مزمن وبعدها بفترة وجيزة وجدت ميتة على أحد شواطئ الأرجنتين أثر تناولها كمية كبيرة من الحبوب المنومة وكانت حينها تبلغ من العمر سبعة وثلاثين عاماً.
 
كريستينان نموذج واحد من نماذج كثيرة تضج بها الدول الغربية حيث كشفت إحصائية أمريكية حديثة نشرتها صحيفة 'يو إس إيه توداي' الأمريكية  في عددها الصادر في التاسع من مارس  2005 – كشفت  عن ازدياد حالات الانتحار في الولايات المتحدة مقارنة بجرائم القتل.
  
وقد أكدت الإحصائية تسجيل 29 ألف حالة انتحار سنوياً بواقع 80 حالة يومياً، ويعني ذلك 3 حالات انتحار مقابل جريمتي قتل، وعزي ذلك إلى زيادة حالات الاكتئاب ومشاعر القلق بالإضافة إلى الأمراض العقلية والنفسية.
 
كما وكتبت إحدى الجرائد الأمريكية في أحد الأعوام أن بلغ المصرف المالي للحبوب المنومة والمهدئة للقلق النفسي والعصبي حوالي مائتي مليون دولار.
 
كل تلك الإحصائيات نتاج لما زرعته المدنية الحديثة في الإنسان الغربي من قناعات خاطئة حول أساسيات السعادة الإنسانية والتي حصرتها في الجوانب المادية.
 
يحصر العالم النفسي فرويد مظاهر الحياة والسعادة بين اللذة والشهوة الجنسية بل ويزيد بأن كل الظواهر الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية ما هي إلا وليدة الحب والجنس. ولأن الدول الغربية تعي تماماً بأن تطورها مربوط بالطاقات البشرية المحترقة لضمان تقدمها فقد ربطت المكانة الاقتصادية بالسعادة الإنسانية من جهة أخرى، فالغربي يعتقد بأنه كلما كانت مكانته الاقتصادية في المجتمع رفيعة كلما كان أسعد ليبقى  يجري طيلة حياته لتحصيل المال ظناً منه بأنه الضامن للسعادة.
 
ومنهم من اعتزل العالم والمال واللذات وجلس في صومعته وترهبن ظناً منه أن الحصول على السعادة يكمن في كبت الغرائز الحيوانية، ليفقد حالة الاتزان الجسدي والنفسي كما حدث للراهب الأمريكي الأخ ستيفن بيكر، 62 عاماً، والذي وجد منتحراً بعد أن قام بالاعتداء جنسياً على طلبته.
 
من كل تلك القناعات والأفكار الخالية تماماً من إحياء الجانب المعنوي والأخلاقي للإنسان وجدت تلك المجتمعات المليئة بحياة الرذيلة والفاحشة المفتقرة إلى الراحة النفسية والسعادة ولو بنسب بسيطة.
 
يتضح لنا بأن الإنسان الغربي عندما يبحث عن السعادة  فهو يبحث عنها من خلال إحياء الجوانب المادية وإهمال الجوانب المعنوية والأخلاقية وإما العكس تماماً.. وبحثه يكون في طريقين منفصلين: إما الروح، وإما الجسد.. ففشل في إيجاد السعادة.
 
يقول رسولنا الكريم (ص):
  • شرار أمتي عزابها
  • إن من سعادة المرء المسلم أن يشبه ولده، والمرأة الجملاء ذات دين، والمركب الهني والسكن الواسع.
  • طلب الحلال فريضة على كل مسلم ومسلمة.
 
يقول الإمام علي (ع): "عنوان صحيفة المؤمن حسن خلقه."
 
إن ديننا الإسلامي الحنيف يبني السعادة الإنسانية باكتمال الجانب المادي والمعنوي للإنسان بإحياء كل الجوانب المعنوية والمادية والجسدية والروحية ويربط أجزائها المعتدلة لتكون معنى السعادة.
 
إلا أننا لسنا سعداء!!!
 
بل قد يكون حالنا أسوء حالاً من الإنسان الغربي، فالمجتمعات الإسلامية تعيش حالة انفصام في الشخصية المجتمعية فهي تدّعي الإسلام ظاهراً وتعيش ثقافة غربية باطناً لتهتز قواعدها المتزنة فتفقد معنى السعادة.
  
 
29 مايو 2014

لقاء مع شريط الذكريات // ز.كاظم


 
 
 
 
 
 
 
 
زارنا في الأمس زميل سابق لنا في العمل.. كانت وظيفته السابقة مسؤول السلامة.. وهو شاب في عمري وقد عملنا مع بعض لسبع سنوات تقريباً.. اتفقنا أن نلتقي على وجبة الغداء مع بعض الزملاء (كنا أربعة أشخاص، ومن المفترض أن يكون العدد أكثر من ذلك لولا انشغال البعض ببعض الأمور الطارئة).. كان اللقاء جميلاً جداً، حيث تمكنّا من قضاء وقت ممتع في تناول أطراف الحديث عن عمله الجديد، والتغييرات التي حدثت في  شركتنا بعد انتقاله لوظيفته الجديدة.. هناك عدة ملاحظات سجلتها من خلال اللقاء:

الملاحظة الأولى:
مرت تقريباً سنة كاملة على انتقاله، ولكننا جميعاً -هو ونحن- لم نتوقع مضي تلك الفترة بهذه السرعة.. سنة كاملة مرت سريعاً وكأنها بعض أيامٍ.. هكذا تمر علينا السنوات ونحن قابعون في دوامة الحياة ولا نلتفت إلا بحدث جديد يذكرنا بأن سنوات مضت علينا وربما لا نزال محلك سر.. بينما صاحبنا قرر أن ينتقل إلى وظيفة جديدة، البعض منا مع أنه غير مرتاح من وظيفته إلا أنه قابع فيها، وربما الخوف من المستقبل يجعله لا يجرؤ أن يبحث عن وظيفة أخرى يستطيع من خلالها أن يتقدم وظيفياً.. وهكذا تمضي الأيام والسنين، ولا يتم الإقدام على تجربة جديدة أو مرحلة جديدة خوفاً من المستقبل.. بينما البعض -القليل- ممن يجرؤ على التغيير بعد أن يقوم بحساباته طبعاً ويتوكل على الله.. ولا يختص ذلك بالوظيفة، بل أي أمر جديد يأمله الإنسان سواء شراء بيت، أو الإقدام على الزواج، أو إكمال دراسته الجامعية.. إلخ..

الملاحظة الثانية:
كان من الواضح أن زميلنا مرتاحٌ جداً في عمله الجديد.. فقد بدى مبتسماً هادئاً تعلو على وجهه الابتسامة وهو يتحدث إلينا ولا يكاد يخفي سروره من هذه الخطوة التي أقدم عليها خصوصاً أنها كانت خطوة ساعدته في أن يرتفع في منصبه الوظيفي.. كما أن مكان العمل بالقرب من محل سكنه، في حين كان يقطع سابقاً قرابة الساعة ليصل إلى عمله.. وقد كان لعدة سنوات -وخصوصاً الأخيرة- غالب التذمر والغضب وذلك راجع لعدم قدرته على أداء دوره الوظيفي بالشكل المطلوب بسبب الإدارة العليا إضافة إلى أمور أخرى لم تساعده على الإبداع في عمله، بل قد أوصدت الأبواب في وجهه وكان السبب الغالب العقلية القديمة التي كانت تدير شركتنا (ولله الحمد تم التخلص منها بعد رحيله بعدة أشهر).. أما في عمله الجديد، فقد استطاع أن يحقق الكثير مما كان يطمح أن يعمله في شركتنا وفي فترة قياسية بسيطة.. وملخص هذه الملاحظة أن إقدامه على هذه الخطوة التغييرية وقدرته على أداء مهمته الوظيفية بشكل مناسب قد انعكس إيجابياً على نفسيته وسلوكه..

الملاحظة الثالثة:
يتمتع بعض الأفراد -وزميلنا أحدهم- بخصلة جميلة وهي التواصل مع الآخرين، بينما الكثيرون يفتقدون هذه الخصلة فترى مشاغل الحياة وتغييراتها تقطع الوصال بينهم.. فلا نلتفت إلا والزمن أبعدنا عن زملاء وأصدقاء كنا نكنّ لهم معزة خاصة.. ارجع الى شريط ذكرياتك أيها القارئ وتأمل كم من الأصدقاء والأخلاء والزملاء مروا عليك في حياتك وقد أبعدتك الحياة عنهم.. ثم حاول أن ترجع التواصل معهم، فستشعر بحالة نفسية رائعة تمتلكك وأنت تقوم بعملية التواصل هذه.. والتواصل ليس مقتصراً فقط على الأصدقاء، بل حتى الأهل والأحباب.. ربما كل ما تحتاجه هو رفع سماعة الهاتف أو كتابة عدة أسطر على الإيميل لتعيد صلة الترابط والتواصل التي انقطعت..

وأخيراً، من الجميل جداً أن نتوقف لبرهة ونتأمل في دوامة الحياة المتسارعة الأحداث والمستهلكة للطاقات.. فهذه اللحظات هامة جداً في تعديل بوصلة حياتنا تفكيراً وتأملاً وإعطاء نفسياتنا شحنات من النشاط والحيوية..

1 يونيه 2014

Thursday, May 29, 2014

دائرة الحب واسعة // محمود سهلان




لا بد للمؤمن من مراعاة الجانب الأخلاقي في شخصيته، والعمل على تقويته بشكل متواصل، فإن الأخلاق الحسنة هي اللغة الأقوى التي من شأنها لم شمل الناس في ظل اختلاف معتقداتهم وتوجهاتهم وطوائفهم وقومياتهم ... إلخ.

دوائر الإنسانية واسعة ومتعددة، تبدأ بدائرة الإنسان كل الإنسان، ثم تخصصها بعض المميزات، فتتضيق الدائرة شيئا فشيئا، فتتكون لدينا دائرة الأديان السماوية مثلا، فيخرج الملحدين من الدائرة، ثم دائرة الإسلام، وهي أضيق طبعا، ثم دائرة التشيع، وهكذا تتضيق الدائرة مع توفر المائز، وكلما تضيقت فإن العلاقات تأخذ رونقا خاصا، إلا أن ذلك يجب أن لا يمنعنا من معاملة الأبعد بالحب والأخلاق الحسنة، إلا من شذ لسبب أو لآخر، وإلا فإن حب الإنسان هو المطلوب منا، وعندما نبغض يجب أن نبغض العمل لا أن نبغض الإنسان، فقد يتغير هذا الإنسان يوما ما، ويعود لجادة الصواب.

من الأقوال الرائعة الصادرة عن أهل البيت (ع)، يحضر في ذهني قول أمير المؤمنين (ع) في عهده لمالك الأشتر: "فإنهم - أي الناس - صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"، وما أجمله من قول، وما أجمل امتثال المؤمن قول إمامه، فلو طبقنا هذا القول فإننا على أقل تقدير سنحترم إنسانية الآخر، لننطلق بعدها للتعامل معه على أساس من الحب، لننفتح عليه وينفتح علينا، لنلتقي معه على كلمة سواء لا على الخلافات والتقاتل، ولنكون العادلين معه لا لنكون الظالمين.

وفي ذكرى المبعث النبوي الشريف أذكرك بقوله (ص): "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". ومن هذه الكلمة تتضح قيمة الأخلاق وأهميتها، وضرورة الإلتزام بها والسعي لكمالها وتمامها، ولا شك أنها هي من أهم عوامل صلاح الأمة بل العالم أجمع.

وأختم قائلا: إذا أردنا أن نعيش بسلام، وإذا أردنا أن نبني هذه الأرض، وأن نبتعد عن المشاحنات والحروب والتقاتل، فإننا لسنا بحاجة لأكثر من التعامل على أساس من الأخلاق والمحبة المتبادلة.
 
 
26 مايو 2014

احذر أن تكون للقطار فحمًا // محمد علي العلوي



 
أما الإيمان بهذه النظرية أو تلك، فهذا حق أصيل لك، وليس لأحد مصادرته.. ليس لأحد على الإطلاق، ومن يحاول مصادرة الحقوق الفكرية للآخرين فهو إلى زوال حتمي وبلا تردد ولا تراجع بل ولا رحمة، وهذه سُنَّةٌ تاريخية ونمطٌ تكويني فلسفي لا يمكن الفرار منه أبدًا.

من أين أبدأ؟

طيب.. فليكن من صدَّام والمالكي..

زال صدَّام ولن يعود، وعن قريب سوف يزول المالكي ولن يعود..

الحديث في الواقع ليس عن صدَّام كشخص، ولا عن المالكي كشخص، ولكنه حول مفهومين جسد أحدهما صدَّام ويجسد المالكي الثاني، فالأول كان مفهوم الدولة في رجل، وهو من المفاهيم التي كانت ناجحة جدًا حتى مفصل الحرب العالمية الثانية، وهو المفصل الذي أحدثه هتلر للإبقاء على السيرة الأولى فسُحِقَ شَرَّ سحق وإن بدا في بعض مراحل الذبح منتصرًا، والحال أن الصليب المعقوف أصبح في ألمانيا اليوم تهمةً تستوجب السجن، بعد أن كان رمزًا لعرقية وقومية قاتل هتلر من أجلها!!

وأما الثاني فمفهوم القضاء على الآخر من أجل المصلحة العامة، وهو في حقيقته وواقعه تنفيذ لما يريده الكبار، فواقع تنظيم القاعدة و(ربعها) كُتِبَ عليه أنه من الزمن الماضي ولا مفر من (فَرِّ) صفحته، وهكذا هو الأمر في العراق بيد المالكي وفي سوريا بيد بَشَّار، وكلاهما مسكين، فالأول إما أن يترك أغبياء التطرف يدمرون العراق أو أن يدمرهم، والثاني مثله تمامًا، والحال أن الحرب فُرِضتْ في الدولتين لحساب مستقبل قد رُسِم ولن يكون فيه للسلاح الدموي ما كان له أمس واليوم، فالغد أمره مختلف، ومن يعانده فالمالكي مفهومًا موجود وكذلك بَشَّار!

هل وصلتك الفكرة؟

فلنأخذ مثالًا آخر..

الأصل في الشيعة الإمامية أنهم يعولون كثيرًا على الحوزة العلمية وما تقدمه للمجتمع من علم وعلماء، ويمكنني القول أن الحوزة العلمية كان من المفترض أن تُقرأ بدقة أكثر قبل ومع وبعد المفصل المرحلي الذي برزت فيه ثلاث مدارس فكرية:

الأولى: السيد الشهيد الأول محمد باقر الصدر (قُدِّسَ سِرُّهُ).

الثانية: الإمام الخميني (قُدِّسَ سِرُّهُ).

الثالثة: الإمام الشيرازي (قُدِّسَ سِرُّهُ).

شَكَّلَ كُلُّ خَطٍّ من الخطوط الثلاثة تيارًا برز بمعالمه الخاصة، أما الصدر فقد كان وبتحريك من المرجع الحكيم (قُدِّسَ سِرُّهُ) هو المُنَظِّرُ والمهندس الأول لتيار حزب الدعوة، وبغض النظر عن موقفك منه كتنظيم حزبي فالواقع لا يُنْكر..

لقد تمكن حزب الدعوة الإسلامية من إحداث نقلة بل نقلات نوعية في العمق الثقافي والفكري لثلاث شرائح مجتمعية مهمة: الأولى شريحة من علماء الدين، وأخرى من المثقفين، والثالثة من التجار والكسبة.

إنه وبالرغم من الانقسامات – وأراها طبيعية – التي لحقت بحزب الدعوة، غير أنه كان ولا يزال، واليوم أكثر من الأمس، قوة وواقعًا بل ومن مواطن صناعة القرار أو لا أقل إعادة صياغته.

وأما الإمام الخميني فكان مِحْوَرُ بروزه الإطاحةَ بالحُكم الشاهنشاهي من جهة، وتَقَدُّمِهِ من جهة أخرى على التيار الفكري الذي قُدِّم فيه سياسيًا أبو الحسن بني صدر، وبغض النظر – أيضًا – عن موقفك من تيار الثورة الإسلامية في إيران، فالواقع لا يُنْكَر..

لم يُقم الإمام الخميني (قُدِّسَ سِرُّهُ) نظامَ حُكْمٍ فحسب، ولكنه أحدث تأسيسًا ثقافيًا وفكريًا جديدًا، تقوم عليه اليوم دولةٌ صعبةً اسمها (الجمهورية الإسلامية في إيران)، وما يُرى في السياسة الإيرانية مخالفًا لبعض مما جاءت به (الثورة) في بداياتها، فهو عند الإدارة الفكرية والاستراتيجية الإيرانية تطويرًا وإعمالًا حيويًا لها. 

وأما الإمام الشيرازي (قُدِّسَ سِرُّهُ) فقد عانى ولا زال فِكْرُهُ يعاني تجنبه الدخول في معترك اللعبة السياسية بمعاييرها القائمة، وتفضيله الاهتمام بالبناء الثقافي والفكري الجماهيريين، وهذا بعد أن كان في فترات عريضة شريانًا وقلبًا نابضًا في خصوص منطقة الخليج للحراك الإيراني قبل الانتصار.

لن يعاني التاريخ كثيرًا مع حزب الدعوة، وسيبقى هذا الحزب لمراحل تاريخية قادمة، وكل ما في الأمر أن الوجوه سوف تتغير، فالمالكي (نستودعك الله)، وغيره من نفس الحزب ولكن بلون يناسب المرحلة (أهلًا وسهلًا)، ويبدو أن الرسمة (حزبيًا) تُعَدُّ للعراق من خارج أرضها!  

وأما النموذج الإيراني فهو –في نظري- الأكثر ذكاءًا والأكثر نضجًا والأكثر استقلاليةً، ويظهر ذلك بعد تمكنه وبجدارة من التحول بالفكر الخميني من تلك المرحلة إلى مراحل حتى قرن قادم وبسلاسةٍ عبقريةٍ، وستبقى إيران (جمهورية إسلامية) قد تخطئ، ولكنها قادرة على المضي بسلام وسلامة.

وأما التيار الشيرازي فأمره رهين رجوعه لكافة كتب ومصنفات مؤسسه السيد محمد بن مهدي الحسيني الشيرازي (قدس سره)، فهو من الشخصيات النادرة؛ إذ تمكن وبتفوق من قراءة التاريخ والحاضر والمستقبل بشكل قل نظيره، ولو أن هذا التيار يركز اهتمامه في دراسة هذا الإرث الكبير لتمكن من العودة إلى الصدراة ومنافسة الآخرين في صناعة واقع جديد، هذا مع الأخذ في الاعتبار أن هذا التيار قد عُلِّم ومن كبار العالم بعلامة (إكس)، ولذلك لم تتوقف الجهود القاصدة تقويضه والقضاء عليه، وما أراه أن هذا التيار – بالفعل - رهين العودة العلمية الحقيقية لرشد الأطروحات الأولى من مؤسسه ومنظره الأول، وإلا فالقادم منفصل تمامًا عن السابق وإن تسمى باسمه.

لا زالت الحوزة العلمية في النجف الأشرف تقدم الكثير وبجهود فائقة الصدق والإخلاص، ولكن الذي أراه هو انها سوف تُحْبَسُ في واقع (التميمة) ما لم تُحدِث في عمقها الثقافي تحولًا ينقلها بأصالتها التاريخية إلى واقع جديد يُمَكِّنُها من فرض نفسها جهةً صانعة للقرار، وهذا متوقف تمامًا على التمكن من قراءة الواقع الثقافي قبل ومع وبعد نشوء المدارس الثلاث، قراءة ودراسة عملية واعية تقدم لتنظيرات جديدة تحتضن تطلعات الأمة..

نعم، فمما لا يُنكَر أن حوزة النجف الأشرف تُقَدِّمُ كفاءات علمية (حوزوية) متينة، ولكنها وبالرغم من متانتها لن تتمكن من البقاء ما لم تؤخذ في بنائها أسس علمية جديدة مثل الاجتماع وعلم النفس والسياسة وما نحو ذلك من العلوم الإنسانية التي تقوم عليها خرائط التخطيط العالمي، ولأنها ليست على ذلك فإن البون آخذ في الاتساع بين الناس والحوزة، وهذا خطير جدًّا، وقد التفت إليه رواد المدارس الثلاث، فأرجو التأمل جيدًا..

هل يلاحظ القارئ الكريم:

كيف أن العقل هو المحرك الأصل لمتاريس لعبة التاريخ؟

هلا يلاحظ القارئ الكريم:

أنه لا بقاء على الإطلاق لمن لا يُفَعِّل عقله ويعرف جيدًا متى يقول ومتى يسكت ومتى يواجه ومتى ينسحب ومتى يهادن ومتى يحارب؟

هل يلاحظ القارئ الكريم حجم (اللعبة)؟

من يعيش بعقلية الأمس فإنه إلى زوال وإن ادعى القدرة على قراءة اليوم واستشراف الغد، فإن التاريخ لن يقول له غير(باي باي).

أما الغد فهو لمن تحاربهم اليوم عقولُ الأمس.

والحذر كل الحذر من أن تكون فحمًا يحترق لقطار (لا يخصك)..
 
31 مايو 2014

Saturday, May 24, 2014

أيتام.. على موائد اللئام

اليتيم.. كتلة من الأحاسيس.. كل جزء منه يشكو الحسرة، نظراته بؤس، وقسمات وجهه تحكي حزنه وألمه، فنهاره وحدة، وليله وحشة، يحس بأن الناس تلحظه عند كل حركة وسكنة، منتهى آماله أن يحظى منك ببسمة، وجلّ سعادته أن تنظر له بعين الرحمة، يتفطر قلبك ألما ويتصدع فرقاً عندما تراه كسير الجناح ينزف القهر بغزارة.. تلك هي صورة اليتيم .

أما اللئيم.. فمزبلة كل خلق ذميم، ينظر إليك بشؤم ويعاملك بكل لؤم، يحسب كل صيحة عليه، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، لو أكرمته، سيجازيك بالوقاحة والتمرد، فأنت بإكرامك له كمن يصنع المعروف في غير أهله.. تلك هي صورة اللئيم.

صورتان.. تماماً على النقيض، والآن اسمح لي أيها القارئ العزيز، أن أجمع لك بين الصورتين عندما يحضر اليتيم مائدة اللئيم، تخيله يمشي على استحياء، رأسه مطأطأ وأرجله تتثاقل الخطوة مهيض الجناح مكسور الخاطر، يرقب كل حركة وينتظر أدنى لفتة من ذلك اللئيم لكي يجلسه بجنبه، أو يتفضل عليه ليشاركه أكله!!
لكن هيهات، لن يفعلها من كان طبعه طبع الضبعة وسيظل ذلك اليتيم، واقفاً عند الباب بجانب الأحذية، فاللئيم على المائدة وأما اليتيم فيعدُّ الأيدي كم مرة التقمت ما في تلك الصحفة بعد أن يملأ اللئيم جوفه، يتكرم على اليتيم بلحظة، من فوق كتفه، ويرمي لليتيم ما سقط على السفره، كم هو لئيم ذلك اللئيم!!

اليتيم.. لا حول له ولا وقوة، قدره هكذا، ومصيره ريثما، ولا عجب.. لكن العجب كل العجب ممن يرضى أن ييتم نفسه، ويبيع ضميره ومروءته ويحيط بالحبل حول عنقه ثم يعطيه للئيم لكي يجره.

في هذا الزمن الأغبر، بتخليص معاملة، أو السعي في تسهيل حاجة من حوائج الدنيا، وقد يصل الأمر أن يبيع المرء دينه وضميره، يستغل البعض حاجة الناس وضعفهم، من أجل ماذا، من أجل أن يصوت له يوم الملحمة الكبرى، وبعد أن ينجح ذلك اللئيم، يتهافت المساكين الأيتام، ويقفون بالطوابير على أبواب اللئام، لكي يباركوا للئيم فوزه.. طبعاً.. (أبو طبيع) لن يترك طبعه، وبنظرة كلها شؤم.. يختزل ردّه عليهم بكل ما أوتي من لؤم، قائلاً: فليأتي الذي بعده.

ولك أن تتخيل معي أيضًا، أيها القارئ العزيز عندما يأتي هذا المسكين اليتيم في طلب لهذا اللئيم، سيقف عند بابه مثلما وقف ذلك اليتيم الأصلي، ينتظر أدنى لفتة من ذلك اللئيم لكي يوقّع له طلبه، لكن هيهات، لن يفعلها من كان طبعه طبع الضبعة، وسيظل ذلك اليتيم، متردداً عليه المرة تلو المرة، ولكن النتيجة، وبكل حسرة
دون جدوى .

أم علي
24 مايو 2014

إيران بين الحصار والوعي

حظيت أمس بشرف صلاة الجمعة جماعة في الحرم الرضوي عند الإمام الرضا عليه أفضل الصلاة والسلام، وقبل الشروع في الصلاة ألقيت الخطبة وكانت باللغة الفارسية، بعدها ألقيت نبذة مختصرة لنفس الخطبة باللغة العربية للوافدين العرب.

تحدث خطيب الجمعة عن موضوع النووي والحصار الإقتصادي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وكرر ما يردده آية الله السيد الخامنائي بأن الحصار الإقتصادي لن يجعل إيران تتنازل عن صناعة النووي.

تتركز أهداف الحصار الإقتصادي على الدول (كما يحددها العقيد وليام ديفلاك)، في محاولة لإحداث تغيرات في تصرفات حكومة الدولة التي صدرت هذه الإجراءات ضدها وذلك مع اختلاف التفاصيل بالنسبة لكل حالة.

طبق الحصار كخطوة لضغط على الحكومة الإيرانية من خلال عدم توفر المتطلبات الصناعية التي تجعل المعيشة أكثر يسرًا ورخاء لشعبها وبالتالي يضغط الشعب على الحكومة فتستجيب لمطالب الدول العظمى.

مع ذلك لم يجلس الشعب الإيراني ليندب حظه بل فكر وأنتج كل ما يحتاج إليه من أصغر الأشياء كلعب الأطفال إلى أضخم الأشياء كالطائرات والصواريخ، وما عاينته خلال أربع زيارات لإيران في العشر سنوات  الماضية، أنها في تطور مستمر وأن الحصار جاء بنتيجة عكسية لما كان يرجى منه، وكان ذلك بفضل إيمان ووعي وإرادة الشعب الإيراني الذي انتشل نفسه من مصاف دول الدرجة الثانية ذات الشعوب المستهلكة واصطف في مصاف الدول المنتجة.

استقبل الشعب الإيراني الحصار كرسالة تحدي وعاد إلى ذاته وفكر ليخلق احتياجاته بما يتناسب مع بيئته وثقافته ليصنع شخصية مجتمعية مستقلة تحررت من الإستعمار الغربي وكونت لنفسها قواعد إنسانية، ثقافية وصناعية قوية باستطاعتها مجابهة الدول العظمى.

فهل نحتاج إلى حصار من هذا النوع لننفض الكسل والفراغ الذهني المفروض علينا بفعل الإستعمار الثقافي والإقتصادي الذي يطبق المعادلة القائلة بأن الإنسان الشرقي من عرق أدنى، وإنه مُستهْلِكٌ لما يصنعه الإنسان الغربي المفكر ذو العقل المنتج، فيبقى في حاجة دائمة إليه فيعيش مستعمَرًا طيلة حياته.

فمتى نعود إلى ذواتنا!!؟

لنكمل مسيرة حضارتنا التي عبث فيها الإستعمار بأساليبه الثقافية والإقتصادية القذرة.

أم حسين
24 مايو 2014

ما بين التراحم والتصارع؛ واقع الإنسان

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) ١
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ . )٢
قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحبّ أن يرحمني ربّي فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "ارحم  نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله"٣
لستُ بصددِ تفسيرِ الآياتِ الكريمةِ أو الحديثِ الشريف، ولا حتى الدعوةِ للإلتزامِ بها، إنما اخترتها لمحاولةِ مناقشتها معكم، لعلنا نُوفقُ لقراءةِ خارطةِ الانسانِ الصحيحةِ، ولا أفضلَ لتلكَ القراءةِ من الاستعانةِ بمَن رَسَمَها ( الله ).

حينَ يُشيد الله برسولهِ ومن مع رسوله من زاويةِ ( التراحم بينهم )، ، حينَ يَتَحدث الله عن قومٍ (يُحبهم ويُحبونه) من زاويةِ التذلُّلِ لبعضهم ( التَذلل مِن اللّين لا مِن الذِلة كما وجدتُ في التفسيراتِ التي اطلعتُ عليها سريعا) ٫حينَ يُوجه رسولُ الله صلى الله عليه وآله أبناءَ الاسلامِ  ليَرحموا فيُرحمو، فجميعنا سنفهمُها كتوجيهات أو سجايا أرادَ الاسلامُ أن تكونَ من سجايا مُنتسبيه، وأن علينا الالتزام بها طمعاََ في الثوابِ ونجاةََ من العقابِ، لكني أريد أن اقرأها معكم من زاوية مُختلفةٍ قليلا؛ تُرى لمَ وجَّه الله الناسَ للتراحُمِ بالذات ولمَ أصّرَ رسولُ الله عليها؟!  أترى التراحم -الذي يُقابله التصارع- طبيعةٌ بشريةٌ فُطرَ الانسانُ عليها؟ وان كانَت كذلك فهل هي قابلةٌ للتلوثِ - كما أن الانسان يُولدُ بالفطرةِ وابواهُ يُهودانَهُ أو يُمجسانَهُ أو يُنصرانَهُ - فربما خُلِق الانسان بفطرةِ أن يكونَ رحيماََ فقسّتِ الدُنيا قلبهُ؟!
 لا أُريدُ الوقوفَ كثيراََ عندَ هذهِ الجدلية، فإن وُلدَ الانسان بفطرةِ الرحمةِ فتلوثت، أو بِفطرةِ التصارعِ فإحتاجَ أن يُهذبها الاسلام، فإنَ النتيجةَ واحدةََ كما يراها الكثيرُ من علماءِ الاجتماع؛ (أن التصارعَ طبيعةََ بشريةََ واجتماعيةََ )  بل يَجِدها البعض كالدكتور علي الوردي، بأنها طبيعةٌ تَدفعُ نحوَ التقدمِ والتطور! وما أفهمه شخصياََ من توجيهاتِ الله ورسولهِ، أن الانسانَ بحاجةٍ ماسةٍ للتراحمِ واللينِ داخلَ مُجتمعهِ - أكان التصارع فطرته او مما طرأ عليه - ليس لينالَ الجنةَ ورضا الله فقط، بل ليتمكنَ من بناءِ مُجتمعٍ سليمٍ قادرٍ على المضي للامام.

في الأشهرِ القليلةِ الماضية، كنتُ ممن يَرى أن حالةَ التصارعِ داخِل مُجتمعنا قد بلغت حداََ أصفهُ أحياناََ بأنهُ ( لا يُطاق ) وقد أنزوي عن بعضِ النقاشاتِ والتعليقاتِ، بل وبعضِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي لأُبعِدَ نفسي عن مظاهرِ ذلكَ التصارع ومنها:
- التسقيط
- سوءُ الظن
- التنابزِ بالألقاب
- تبادلِ الإتهامات
- التراشق
- التهجم على الشخوص
والكثيرُ الكثير من تلكَ المظاهرِ التي كانت مقتصرةََ على مواقع التواصل الاجتماعي، ثمَ زَحَفَت لتَدخلَ قُرانا، وأحيائنا بل وبيوتنا وربما بعضَ غُرف نومنا!

التصارع الذي نعيشهُ اليوم، قد يكون تصارع أفكار ورؤى سياسية من الدرجةِ الأولى، لكنهُ ألقى بظلالهِ على كلِ جوانب حياتنا سيما الاجتماعيةِ منها، وقد تَرتفعُ أحياناََ الأصواتُ للدعوةِ للتوحدِ ونبذِ التنازعِ نتيجةَ التوجعِ الحقيقيِ لما آلت اليه أحوالنا، أو ربما نتيجةَ اعتقادِ البعض أن المصلحةَ العامة تُوجبُ ذلكَ، وأجدُ بشكلٍ قاطعٍ أن حالةَ التنازعِ تُضعفنا كمجتمعٍ واحد، لكني لستُ مع الدعوةِ للتوحدِ كما يَفهمُها البعض بشكلها التقليدي، ألا وهي؛ أن يتنازلَ الفردُ للجمعِ على مستوى مادي أو فكري أو معنوي، وهي ما قد يَتَضاربُ مَعَ ما أسلفنا ذِكرهُ مِن طبيعةٍ بشريةٍ أثبت التاريخ انها تحصلُ وتتكررُ في كل المجتمعات، لذلكَ فإننالا بُدَ ومن أجلِ أن نصلَ لصيغةِ توافقٍ في تصارعناالفكري أو السياسي أو أياََ كان اسمه، لا بدَ أن نقبلَ مُنطلقاته، أن اختلافنا وان كنا ضمنَ مجتمعٍ واحد، هي طبيعةٌ علينا القُبولُ بها وأن التوحدَ لا يعني بالضرورةِ أن يُلغي أحدنا نفسهُ، ليذوبَ ضمنَ الآخرَ، وأن التصارع لا بُد أن يتحولَ لتنافسٍ لبُلوغ الهدفِ العامِ الذي يجمعنا داخلَ منظومتنا الاجتماعيةِ، دونَ أن يضعَ أحدنا رِجلهُ في مسيرةِ الآخرَ ليتسببَ بعرقلةِ مسيرتهِ وربما تكسيرِ رجليه ! 

إن كانَ التصارع محطةََ لا بُد أن نَمُر بها، فإني أُصر بأنها محطةٌ حتميةُ المرورِ لا المكوث، محطةٌ لا بُد أن نعرفَ كيفَ نُغادرها سريعاََ متخلصينَ من كلِ عوالقها النفسيةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ، متسلحينَ بما اكتسبناهُ من خبرةِ المرور بها، حتى نتمكنَ حقاََ من مُواصلةِ السيرِ نحوَ الأمام كما تمكنت من ذلك مجتمعات سبقتنا ( راجع تاريخ العلاقة بين حزب الله وحركة أمل في لبنان).
أتفهمُ أننا أبناءُ مجتمعٍ بسيطٍ يعيشُ مُتغيراتٍ وضغوطٍ كبرى، وقد يُؤدي بنا ذلكَ لأن نفقدَ توازننا قليلاََ، وأن ننشغل بخلافاتنا مدةََ، لكن هل يُعقل أن نبقى عالقينَ حيثُ التراشقُ والتنابزُ والتصارع الذي ان لم نُحولهُ لفكرةِ اختلافٍ راقيةٍ تدفعُ بنا نحو التطورِ، فقد يكونُ هو السببُ الرئيس في القضاءِ علينا!

يقول الدكتور علي الوردي أن ( الديمقراطية الغربية )، هي إختراعٌ إنسانيٌ راقٍ حوّلَ حالةَ التصارعِ البشريِ، الدمويِ، الوحشيِ على السلطةِ هناك، إلى حالةِ تصارعٍ ورقيٍ حقنتِ الدماء، واحترمت طبيعةَ الانسان ( التصارع ) فتحولت لمجتمعاتٍ مُبدعةٍ، منتجةٍ تحترم حقوق الانسان، وتختزل صراعها داخلَ صناديقِ الاقتراعِ وفي مقارِ المرشحينَ للانتخابات وضمنَ حملاتهمُ الانتخابيةِ ٤، وأقول ان كانت الديمقراطيةُ الغربية اختراعٌ بشري اخترعه الانسان، فإن الآياتَ بالأعلى وكثيرٌ مثلها داخل دفتي كتاب الله - يعرفها المختصون وقد أتوهُ عنها - قانونٌ إلهيٌ أثقُ أن بإمكاننا أن نستنبطَ منهُ قانونَ حياةٍ يحفظُ طبيعةَ الانسان، ويُهذبها دافعاََ المجتمعاتَ الإسلامية لتكونَ جديرةََ بإحترامِ حقوق الانسانِ التي أسس لها الله، ودعا لها رسوله وأهلُ بيته ،، فقط لنُدرِكَ حقاََ ان اختلافنا طبيعة وحق لابد ان نحترمه ونقدره ونُصيغهُ بطرق منتجة.




-----------------------
١/سورة الفتح الآية ٢٩
٢/سورة المائدة الآية ١٥
٣/كنز العمال،المتقي الهندي،ج ١٦ ص ١٢٩
٤/ لشرح اكثر اسهابا راجع كتاب مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي 




ايمان الحبيشي
٢٤/٥/٢٠١٤

Friday, May 23, 2014

تربية الأجيال، مسئولية من؟!

أشرت في المقال السابق ( نحن وقيم علي ) إلى أن اختلال المفاهيم القيمية ترجع بعض أسبابها إلى اختلال مفاهيم التربية من جانب، وعدم اهتمامنا بها من جانب آخر، وفي ظل تأكيد أهل بيت النبوة والعصمة على أهمية التربية والدعوة للإهتمام بها والتركيز عليها حتى إنك لتجد أحاديث وروايات كثيرة، مما يدل على أهميتها البالغة، وتراهم -عليهم السلام- قد رسموا لها منهجا عميقا يعززه معصوم بعد آخر،  في ظل كل هذا التأكيد والتركيز، على من تقع مسئولية تربية الأجيال؟

مما لا شك ولا ريب فيه إنها بالدرجة الأولى تقع على الوالدين الذين ينشأ الولد في كنفهما ويمكث في ظلهما، ولذا وجه الإسلام اآأباء والأمهات لهذه المسئولية العظيمة وحث عليها وجعلها حق من حقوق الأولاد على الآباء، يقول الإمام علي لولده الحسن عليهما السلام: "إنَّمَا قَلْبُ الحَدَث كالأرْضِ الخَالِيَة، ما أُلقِيَ فِيهَا مِنْ شَيءٍ قَبلتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بالأدَبِ قَبلَ أن يَقسُو قَلبُكَ، ويَشْتَغلُ لُبُّكَ".

إلا أن هنالك مسئولية تقع على عاتق المجتمع ككل من علماء دين ووجهاء ومثقفين وحملة شهادات ومن مؤسسات دينية واجتماعية وثقافية وكل قادر على ذلك، يقول الإمام الصادق عليه السلام: "أيّما ناشئ نشأ في قوم ثمّ لم يؤدّب على معصية، فإنّ الله عزّ وجلّ أوّل ما يعاقبهم فيه أن ينقص من أرزاقهم". وكما أن أثرها -التربية- على المجتمع ككل، فالمسئولية كذلك.. ولذا تجد أول من حمل هذه المسئولية هم الأنبياء والرسل الذين بعثهم الله لهداية الناس والدعوة إليه عز وجل، بل أن رسول الله محمد صلى الله عليه وآله يقول "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

وتجدر الأشارة هنا إلى أن الله عز وجل تكفل بذلك في كتابه المجيد، فنلاحظ إنه -مثلا- يأدب ويعلم الأبناء حسن التعامل مع آباءهم. يقول الله تعالى: ( إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ).

*تربية عليٌ لزينب النموذج الكامل:

زينب، نعم زينب ربيبة بيت النبوة والإمامة، والتي عاشت في كنف أمير المؤمنين عليه السلام يحفها ويغدق عليها بكل مضامين التربية معاني القيم الإنسانية. إن زينب التي عُرفت بخدرها وسترها هي بنت علي الذي كان يضع الحسن والحسين عن يمينها وشمالها وهو من أمامها وفي الليل كلما أراد أن يخرجها حتى لا يُرى ظلها.. زينب القلب الصبور والمحتسب لله عز وجل هي بنت علي الذي تكالب عليه الدهر فصبر وفوض أمره لله تعالى.. زينب الحضن الدافئ الذي لجأ له الأطفال يوم العاشر هي بنت علي الذي ملك قلوب اليتامى المستضعفين في الأرض ولا يجدون مأوى لهم غيره.. زينب التي رغم كل التعب والأرق والمصاب تصلي لله عز وجل من جلوس في ليلة الحادي عشر من المحرم هي بنت علي الذي يقفُ بين يدي الله متململا في كامل الإنقطاع إليه حتى يُغشى عليه.. زينب التي واجهت الطغاة بكل حزم ودون تردد هي بنت علي الذي قتل أبطال العرب وناوش ذؤبانهم ولم تأخذه في الله لومة لائم.. زينب التي صمدت وتحملت كل الأذى في سبيل المحافظة على رسالة الحسين وثورته حتى سبيت هي بنت علي الذي تحمل وصبر على كل الأذى في سبيل المحافظة على رسالة محمد صَلى الله عليه وآله حتى أقتيد بحبل وخير الأوصياء.. زينب العالمة الجليلة التي رفضت التصدق على ركب السبايا هي بنت علي سيد الموحدين والفاروق الأعظم. وهكذا كل فعل قيمي لزينب تجد له أصلا تربويا من أمير المؤمنين عليه السلام، فزينب لم تكن صِنْعَةُ كربلاء وإنما صنْعتُها وصِبغتُها كانت من تربية بيت الرسالة والإمامة، وكربلاء صنعتها قيم علي وتربيته، فكم وكم حوت من مبادئ علي عليه السلام وقيمه، وليس الأمر مقتصرا على مشاركة أبناءه فيها، فإليك حبيب ابن مظاهر صاحبه ومن شيعته، أدبه الأمير وعلمه وزرع فيه القيم وكرسها.

ختاما تأمل قول الأمير لأبنه الحسين عليهما السلام: يا بني أوصيك بتقوى الله في الغنى والفقر وكلمة الحق في الرضى والغضب. والقصد في الغنى والفقر. وبالعدل على الصديق والعدو. وبالعمل في النشاط والكسل. والرضى عن الله في الشدة والرخاء. أي بني ما شر بعده الجنة بشر، ولا خير بعده النار بخير. وكل نعيم دون الجنة محقور. وكل بلاء دون النار عافية. واعلم أي بني أنه من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره. ومن تعرى من لباس التقوى لم يستتر بشئ من اللباس. ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته. ومن سل سيف البغي قتل به. ومن حفر بئرا لاخيه وقع فيها. ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته. ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره. ومن كابد الأمور عطب. ومن اقتحم الغمرات غرق، ومن أعجب برأيه ضل. ومن استغنى بعقله زل. ومن تكبر على الناس ذل. ومن خالط العلماء وقر.

فلنتأمل ولنسأل أنفسنا: أين نحن اليوم من علي عليه السلام؟ أين نحن من قيمه وعبادته وتربيته وكل ما جاء به ونحن شيعته؟!!

إكسير المحبة
23 مايو 2014