Friday, August 22, 2014

أنا واليابان // أم علي

 
 
كنت وأختي نتباحث ونتناقش في فكرة لمشروع صغير أردت القيام به..
 
 وبينما كنا نقلب في الأفكار ونتدارسها خطر في بالي الاستنجاد بإخواننا اليابانيين علني أجد لديهم فكرة خلاقة غير مسبوقة كما أريد، ثقة بأفكارهم وعقولهم المعجزة.
 
واستعنت بالعم قوقل ليثريني عن كل جديد لديهم..
 
كتبت "أفكار لمشاريع في اليابان".. وحين وجدته يستعرض لي عدد من الروابط تهللت مستبشرة بأني وجدت غايتي، لبرهة وقفت متأملة بشيء من الإكبار والعجب أمام ابتكارات لم ترى النور بعد ولكنها في طور الدراسة والعمل بها.
 
تقنيات جديدة مبهرة متناهية في الصغر تلك هي مشاريعهم.. شعرت بشيء من الخجل لنفسي، ولكني سرعان ما نفضت ذلك الإحساس إيمانًا مني وثقة بنفسي ولعلني في الغد آتيكم بخبر ما هل في ذلك مستحيل؟!
 
تأملوا معي إلى أين وصل تفكيرهم لخدمتنا ونحن ما زلنا نفكر في بيع الذرة والنفيش
 
1- إطلاق مشروع الشرائح الإلكترونية الرقيقة لتحل محل الورق كالصحف أو الإعلانات المكتوبة في عام 2020 م، وهذا الأمر يُنبئنا بأن الصحافة الورقية في طريقها إلى الانقراض في عصر التكنولوجيا والإنترنيت.
 
2- الدم الاصطناعي الذي يلبي كافة احتياجات المريض، وهذه الخطوة ستحمي الكثير من انتقال الأمراض الخطرة بين الناس، مما يعني أن تبرعات الدم ستصبح من الماضي في حال تمّ الانتهاء من هذا المشروع في عام 2022 م.
 
3- إطلاق السيارات الإلكترونية باستخدام تقنية بطاريات الليثيوم التي تتفاعل مع الأكسجين وتقوم بإنشاء الطاقة الكهربائية التي تغذي هذا النوع من السيارات، ومن المفترض أن ينتهي المشروع في عام 2025 م.
 
وماخفي أجمل وأعظم بكل تأكيد..
 
مخرج :
 
حباً تملكني تجاههم *** على غير عهد ولا صلة
 
22 أغسطس 2014

المجتمع، وفكرة: (تيلفون أبو ليت) // محمد علي العلوي

 
 
الإنسانُ كائِنٌ حيٌّ مدرِكٌ (اجتماعيٌّ)، وإذا ما اعتزلَ إنسانٌ مُجْتَمَعَ (الآدميين) فإنَّه حينها موضوعٌ (حيويٌّ) لعلم النفس الذي يتكفل البحث في عموم الحالات التي تعرض على النفس، وفي الغالب فإنَّ العُزلةَ طريقٌ لاكتشاف أمراض وعقد نفسية.. وربما، حِكْمَة..
فالإنسانُ كائِنٌ حيٌّ مدرِكٌ (اجتماعيٌّ)..
في تصوري إن الحيوانات لا تختلف عن الإنسان في حيثية (الاجتماع)، فهي أيضًا تعيش في (قطعان) يَتَمَيَّزُ كُلُّ واحدٍ منها عن الآخر بنوعه الحيواني، فهذا قطيع من الأسود، وذاك قطيع من الفِيلة وثالثٌ من الغزلان ورابِعٌ من الجواميس، وهكذا..
وبالرغم من هذا التمايز إلا أننا نجِدُها قادرةً وفي حدود معيَّنة على التعايش ما دام الشَبَعُ!
تعمل الحيوانات في مجتمعاتها بطبيعة واحدة أُعَنْوِنُهَا بـ(البحث دائمًا عن أسباب العيش)، فهي تتزاوج وتتوالد وتنام وتطعم وتُرَوِّحُ عن نفسها باللعب والمزاح..
ثم إنها تعيش نزعةَ التملك والاستبداد بكل ما تحمل الكلمة من معنى، فالطير في عِشِّه والنملة في جحرها والسبع في عرينه.. والضبع مع جيفته..
نَمَطٌ معيشيٌّ واحِدٌ لا يَخرِمُهُ شيء، بل هو صامِدٌ تمامًا أمام كُلِّ الظروف، فالسبع لا يزال مُمَزِّقًا لأوداج الغزال وبنفس الطريقة المعتادة، وهذا الأخيرُ يُصِرُّ منذ آلاف السنين على أن يكون مُمَزَّقًا تحت مخالب وأنياب السبع..
وقِسْ على ذلك مشاهد تتكرر..
مشكلة (الإنسان) إنَّه يتألم من سباعِ وضباعِ و(خنازير) وكلابِ.. البشر، ولكِنَّه (كائِنٌ مُدرِكٌ) وإدراكُه يطلبُ مِنه البحث عن الأمان والسلامة من مجتمعات غابوية تَتَقمَّصُ الآدمية..
يَفْشَلُ.. إذ لا حَلَّ إلا بالصبر وتحمُّلِ الوجع، وإلا فالاعتزال، وإن اعتزل فإنَّه واللهِ (بكسر الهاء) معذور!!
كُلُّ ما يجري في عالم الحيوانات مقبول، فإنها في نهاية الأمر مفطورة على ما هي عليه، ولا تُدْرِكُ فضاعةَ أن يَضُرَّ مخلوقٌ حيٌّ بآخر..
حيوانات، وماذا تقول.. لحيوانات؟
ولكن أنْ يَنْشُبَ إنسانٌ (أمراضَه) في قلبِ إنسانٍ آخر، فهذا ما لا يُفَسَّر إلا أن يكون أحدُهما أو كلاهما (حيوانًا)..
لا، لا.. فالقرآن يستدرك على التشبيه، فيقول: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، بعد أن قال: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ)!
أذكر لكم قصة بإيجاز (شديد)..
منع أحَدُ (المؤمنين) مسجدًا عن مجموعة (مؤمنة) أخرى تريد عقدَ حلقات في تفسير القرآن، والسبب أنَّ في هذه المجموعة (المؤمنة) من يُقَلِّدُ مرجعًا دينيًا على غير (خَطِّ) القائمين على المسجد!
اتصل بي أحد الأخوة من المجموعة (الممنوعة) يستشِيرُني في الردِّ على (المانع)، فكان رأيي أنْ احذر ثم احذر وحاذر، فليس ببعيد أن تُشَوَّه سمعتك وتُغرَز الخناجِر في رئتك.. (قربة إلى الله تعالى) و(حماية) للمجتمع (منك)!
تعال..
لا تُعرِض بوجهك عني، فهذا واقع نعيشه، وما ذكرتُه إنما هو الأقل والأبسط، وإلا فالسالِمُ من مخالب وأنياب (المتأنسنين) قليل.
هناك رجُلٌ أو شابٌّ، وهناك امرأةٌ أو فتاةٌ، وكُلٌّ منهما يُصِرُّ على تشويه سمعة الآخر بعد محاولات (حُبٍّ) فاشلة، ولم يفكر واحدٌ منهما في أهل الآخر وذويه ومستقبله، فالمهم والأهم أن يشتعل الاثنان مع أمراضهما، ولا أهمية لأي نتيجة!
تَحَوَّلَ جانِبٌ كبيرٌ من مجتمعنا (البشري) إلى سُوحٍ للانتقام والتنازعات بما لا يرتكبه الحيوان في حقِّ (أخيه) الحيوان!!
لِمَ كُلُّ هذا الألم؟ لِمَ كُلُّ هذه الأوجاع؟
مِنْ أجلِ ماذا؟ مِنْ أجلِ مَنْ؟
فلنُسَّلم بأنَّ هؤلاء (المرضى) لا يريدون العلاج ولن يتغيروا، إذًا فانعزلوا بأمراضكم عن الأصحاء..
تَوَقَّفُوا عن امتهان صناعة (الجراح)، فمِنَ القلوبِ قلوبٌ لا تفهم لُغَتَكم الصماء الفوضوية المزعجة المظلمة، ولا يريد لها مجتمعُ (الإنسانية) أن تفهمها..
ثم إنْ أرَدتم وأحببتم، ففكروا جِدِّيًا في أمر معالجة أنفسكم، فتريحون وتستريحون.
.........................................................
فَكَّرَ في إلغاء كل وسائل التواصل الاجتماعي (الإلكترونية)، فهو لا يريد سيول الأخبار الكاذبة، وقد تَعِبَ من صرصر التنازعات العاتية، وأنهكته حملات التشهير بهذا والنيل من ذاك..
لم يعد ليحتمل هذا الفيضان في التسافل الأخلاقي والانحدار القيمي والاعوجاج السلوكي، فهل يكون (متخلِّفًا) لو رجع إلى (تيلفون أبو ليت)؟
 
22 أغسطس 2014

تجارب الحياة تصقلنا // محمود سهلان

 

تمرُ علينا في هذه الحياة تجارب عديدة، وتمر علينا فتراتٌ من الفراغ والضياع، والكثير من العثرات والسقطات، بشكل أو بآخر، كما تمر علينا الكثير من الأوقات السعيدة، وأوقات الفرح.
 
هذه التجارب سعيدةً كانت أم تعيسةً، لا يجب الوقوف عندها كذكرى للفرحِ أو الحزن، وفقط، بلْ لا بد أنْ نقفَ عندها في لحظات تأملٍ وتدبرٍ وتفكر، فإنَّ الحياةَ مدرسةٌ لمنْ كان حكيمًا، لكنها لا تعبأ بالغافلين.
 
لو أضفنا لتجاربنا الشخصية، تجاربَ الآخرين، سواء شهدناها أم لا، حتى لو كانت الإضافة عبر القراءةِ والمطالعة، فإنَّ هذا مخزونٌ آخرٌ أكبرُ من الأول، يضاف إليه.
 
في الحقيقة يمكننا أنْ ننتجَ قوانينًا وقواعدًا كليةً لو استثمرنا هذهِ التجارب على أحسن وجه، تعيننا في هذه الحياة، فإنَّ ما وصلت له البشريةُ اليومَ ليسِ إلا بسببِ تراكم التجارب والعلوم، ولكنْ منْ الذي تمكنَ من الاستفادةِ من كلِ ذلك؟ وكيفَ استفادَ من ذلك؟ وماذا أنتج؟
 
أتركُ لكَ المجالَ للإجابةِ على هذهِ الأسئلة..
 
الآنَ فلنكنْ صادقينَ معَ أنفسنا.. هلْ نملكُ - فعلًا - فلسفةً واضحةً لهذهِ الحياة؟ وهل رسمنا لنا أهدافًا نسعى لتحقيقها؟ وهل سعينا هذا جديٌ أم لا؟ وهل تزودنا بما نحتاجُ من العلومِ ومنَ تجاربنا الشخصية؟
 
هذهِ الأسئلةُ وغيرها، هي مفاتيحٌ قدْ توضحْ لنا الإجابةَ عنها الكثيرَ منَ الأمور، ومنْ ثمَّ نتحركُ لسدِّ الخلل، وتقويةِ الجوانبِ القويةِ لدينا، حتى نسيرَ في الطريقِ الصحيح.
 
الوسيلةُ التي أدعو الجميعَ لعدمِ التخلي عنها، هيَ القراءةُ والمطالعةُ الواعية، بالإضافةِ إلى الكتابةِ وتقييدِ العلم، فمنْ شأنِ هذا أنْ يعطي الإنسانَ قوةً هائلة، خصوصًا وأنَّ العلومَ تدعمُ بعضها.
 
أدعوكمْ لمطالعةِ سيرةِ الأنبياء والأولياء والعلماء، حتى تلمسوا بأنفسكمْ مدى استفادتهم منَ التجارب، وكيفَ تعاملوا مع هذه الحياة، وهذه التجارب، وكيفَ وصلوا لما وصلوا إليه، فلمْ توضعْ عثراتٌ في طريقِ أحدٍ كما وضعتْ في طريقهم، ولمْ يواجه أحدٌ بما جوبهوا به، لكنهم وصلوا لأعلى المراتب.
 
وصية: لا تجعلْ أيَّ عثرةٍ أو عقبةٍ أو أيَّ حدثٍ يقفُ في وجهك، لتقفَ يائسًا أمامهُ، وحاولْ القضاءَ على أي عقبة تواجهكَ في طريقِ تحقيقِ أهدافك، فإنَّ هذهِ العقبات ستكونُ ذخيرةً لكَ عندما تتجاوزها، ولو منْ جهةِ العاملِ النفسي على أقلِ تقدير.
 
 
٢٦ شوال ١٤٣٥

Friday, August 15, 2014

سلسلة مقالات (2): العمل التطوعي والتطوير المستمر - التوثيق // ز.كاظم



طرحت في المقال السابق لمحة بسيطة عن التطور المستمر في مجال الصناعة ومقالي هذا عن أهمية تطوير العمل التطوعي. فلنأخذ جولة سريعة حول مفهوم العمل التطوعي.
 
تعريف التَّطَوُّعُ: ما تَبَرَّعَ به الإنسان من ذات نفسه مـما لا يلزمه وغير مفروض عليه.

 وبمعنى آخر مبسّط فالتطوّع أن يقوم الإنسان بتقديم خدمة ما لفرد أو جماعة أو جهة بدون مقابل، سواء كان المقابل ماديًا أو معنويًا. ولا يخفى على أحد أهمية العمل التطوعي في المجتمع، إذ أصبح في وقتنا المعاصر من سمات المجتمع المتحضر..

في إحدى المدن الصغيرة الأمريكية التي يكثر فيها الطلبة وبعض المقيمين المسلمين يوجد مكانٌ يُسمى (الجمعية) يجتمع فيه الشيعة لقراء دعاء كميل ليالي الجمعة وإقامة الجلسات الأسبوعية (ليالي السبت) إضافة إلى المناسبات الدينية من احتفالات بمواليد المعصومين والعزاء بوفياتهم عليهم السلام. وكان القيّم على الجمعية شابًا يدرس الماجيستير، وهو شابٌ مؤمنٌ خلوق.. وقد كان يُشرف على أنشطة الجمعية ويسكن فيها ويدفع قسطًا من إيجارها، وبقية القسط يدفعه المرتادون على الجمعية دعمًا للنشاط وللشاب.. وقبيل انتهاء فترة دراسته ولعلمه بطبيعة المرتادين على الجمعية إذ كان الإيرانيون يشكّلون غالبيتهم وكذلك (كانوا منقسمين إلى فئتين: فئة لم تعد ترى في العمل الإسلامي فائدة تُرجى، وفئة أخرى على العكس تمامًا) وقليلٌ من الطلبة الخليجيين الذين إن كان المزاج إيمانيَّ الهوى حضروا، وإن كان على خلافه غابوا، وكان غيابهم أكثر من حضورهم..

كان الشاب القيّم الذي يجمع في شرايينه الدم الإيراني والخليجي على وجل من مصير الجمعية والنشاطات التي تقام فيها.. وفي أشهره الأخيرة وفد على المدينة شابٌ خليجيٌ بدا عليه الاهتمام بالأنشطة الإسلامية عمومًا وبالجمعية والجلسات الأسبوعية التي تقام فيها على وجه الخصوص.. فقام القيّم بمخاطبته وطرح عليه فكرة أن يُشرف على الأنشطة ويسكن في الجمعية لئلا يُهجر المكان ويُغلق.. وافق الشاب الجديد واستلم المسؤولية ورحل القيّم من المدينة.. بعد عدة أيام جاء إلى الشاب الجديد أحد رواد الجمعية المخضرمين وهو إيراني بدا عليه التعب واليأس من الحالة الإسلامية وأخبره أن الإيرانيين لن يواصلوا الدعم المادي للجمعية ونصحه بأن يبحث عن زميل يسكن معه في الجمعية وأن يتوقف عن الأنشطة؛ فكلٌ مشغولٌ بحياته ولقمة عيشه، ولم يعد هناك من حاجة إلى مثل هذه الأنشطة.. ابتسم الشاب في وجه المخضرم وقال له إن الجمعية ستظل مفتوحة والأنشطة ستُقام وسواء وُجد الدعم أم لو يوجد فالجمعية ستظل أبوابها مفتوحة للمرتادين عليها..

مرت ليالٍ لا يأتي إلى دعاء كميل أحدٌ، ويجلس الشاب ينتظر علّ بعض الإخوة يحضرون للجلسات الأسبوعية، ولكن لم يحضر أحد.. ولكنه استمر على فتح الجمعية في أوقاتها المعهودة.. مرت أشهر.. وقَدِم على المدينة طلبة خليجيون جدد.. وتغيّرت التركيبة إلى غالبية خليجية وأقلية إيرانية.. ولم تنتهِ السنة إلا والمكان يزدحم بالمرتادين حتى اضطروا إلى شراء مكان أوسع وأكبر.. واستمر العمل نشِطًا وفاعلًا حتى رحل الشاب وجاء بعده شابٌ آخر واصل الدرب لفترة حتى أجمع المرتادون على الجمعية أن يغيروا مكان الجمعية الى مدينة قريبة أخرى أكبر، وتم استئجار مكان جديد وشُكّلت إدارة من عدة أفراد..

اختلفت الإدارة الجديدة فيما بينها حتى ضاع العمل وضاعت الجمعية.. فأُغلقت ولا أعلم إن تم قراءة الفاتحة على روحها الطاهرة أم لا.

هذه قصة مختصرة عن الأنشطة التطوعية التي قد تبدأ صغيرة فتكبر وتزدهر ثم ما بعد الازدهار تصيبها الشيخوخة والهرم وقد تحمل على الأيدي مشيّعة إلى قبرها أو تُترك على قارعة الطريق لتموت مكدومة لوحدها.. ولا تزال نفس الأسباب التي تقتل نشاطًا هنا وعملًا تطوعيًا هناك هي نفس الأسباب وعلى رأس تلك الأسباب عدم التطوير..

تختلف الدوافع التي تدفع بالإنسان للتطوّع، فالبعض يتطوّع حبًا في العمل نفسه كمن يتطوع لنشاطٍ ثقافي يجذب المتطوّع إليه لحبه للأنشطة الثقافية، والبعض الآخر يتطوّع حبًا في العمل الخيري أيًّا كان: كأن يُشارك في كادر لخدمة الحجاج والزوار أو تنظيف مسجدٍ أو خدمة مأتمٍ، والبعض يتطوّع حبًّا في الظهور والرياء، والبعض يتطوّع لأن لديه فراغٌ في حياته يُريد أن يملأه،، .. إلخ.. وأكثر المتطوعين يجذبهم في العمل التطوعي غياب أو ضعف الإدارة، والإدارة التي أعنيها هي الأنظمة والقوانين التي تنظم العمل التطوّعي.. فالمتطوّع مثلًا يحضر في أي وقتٍ يشاء، ويشارك بما شاء، ويعمل في الغالب بما يحب ويرغب.. وأغلب أنشطتنا التطوعية تفتقد للمهنية والحرفية وفن الإدارة والتعامل مع المتطوعين وغيرهم..

ضعف التوثيق:

تتسم مجتمعاتنا بظاهرة ضعف التوثيق بصورة عامة والأنشطة التطوعية ليست استثناءًا عن هذه الظاهرة، فقد تجد أعمالًا تطوعية تبدأ وتزدهر لفترة طويلة ثم تضعف وتهرم ولا تكاد تجد قصاصةً من توثيقٍ لهذا العمل التطوعي سواء من داخل هذا العمل التطوعي أو حتى من خارجه.. ويشمل هذا الضعف في التوثيق كل الجوانب المتعلقة بالعمل التطوعي من أهداف ولوائح وأنظمة وهيكلة العمل التنظيمي والاجتماعات الدورية والمسؤوليات والكفاءات المتطلبة وغيرها من الأمور التوثيقية المتعلقة بالعمل التطوعي. وهذا التوثيق لا يقل أهمية عن العمل التطوعي نفسه وتكمن أهميته من كونه مادة حيّة تُترجِم الأفكار والأعمال إلى تراث مكتوب يستفيد منه القائمون على العمل التطوعي حاضرًا ومستقبلًا.

وللتغلب على ضعف التوثيق أطرح بعض الحلول:

1. أهمية التوثيق وسعة دائرته: من المهم جدًا أن يُدرك القائمون على العمل التطوعي أهمية التوثيق من أجل تقييم وتقويم العمل وكذلك فإن التوثيق ليس مقتصرًا فقط على وضع الأهداف للعمل التطوعي وبعض الأنظمة والقوانين، بل مع أهمية هذين التوثيقين إلا أن هناك أمورًا أخرى تحتاج إلى توثيق من قبيل: الهيكل التنظيمي للعمل، توزيع المسؤوليات، الكفاءات اللازمة لمختلف المسؤوليات في العمل التطوعي، آلية العمل التطوعي، توثيق الاجتماعات الدورية، آلية جذب وخلق الكفاءات، وغيرها من الأمور الهامة توثيقًا في العمل التطوعي.

2. مسؤولية التوثيق: لا بُدَّ من وضع مسؤولية التوثيق على بعض أعضاء الكادر القائم على العمل التطوعي وخصوصًا فيما يتعلق بالأنظمة والهيكل التنظيمي وتوثيق الاجتماعات الدورية. ويُفضل اختيار المتمكنين من التوثيق، فليس كل الأفراد قادرين على ترجمة الأفكار والمقترحات والحوارات بصياغة قيمة ومعتبرة.

3. فن التوثيق: للتوثيق فن خاص، فالشكل والأسلوب مهمّان جدًا في عملية التوثيق وهما يعتمدان على نوعية التوثيق، فمثلًا للاجتماعات الدورية أسلوب توثيقي يختلف عن أسلوب لوائح وأنظمة العمل التطوعي وهما مختلفان أيضًا عن الهيكل التنظيمي للعمل التطوعي. ويجب أن يُراعى في التوثيق الاختصار فيما يستحق الاختصار، والتوضيح والإسهاب فيما يستحق الإسهاب والتوضيح. فليست التوثيقات كلها على شاكلة واحدة.

4. تدريب الأعضاء على التوثيق وتوزيع المسؤولية بينهم على فترات معينة: وأهمية هذه الخطوة تكمن في أن ليس كل فرد قادرًا على التوثيق جيدًا فلا بُدَّ من التدريب، وكذلك فإن تدريب عدة أعضاء على هذه العملية كفيل بأن يخلق بديلًا إذا ما غاب الموثّق المسؤول في أحد الاجتماعات، أو بعد فترة معينة قد يملّ الموثّق من مهمته، فالتدريب وتدوير مسؤولية التوثيق كفيل بأن يخلق كفاءات وبدائل جديدة.


5. نموذج توثيق للاجتماعات الدورية: يُفضّل أن يكون هناك نموذج ثابت (قابل للتطوّر مستقبلًا) لتوثيق الاجتماعات الدورية. وهذا النموذج يحوي مثلًا على: التاريخ، المكان، أسماء الحضور، أسماء الغياب، المقترحات، القرارات ونتائجها وغيرها من الأمور التي تُتداول في الاجتماعات الدورية للقائمين على العمل التطوعي. وتأتي أهمية النموذج للاجتماعات الدورية لأنها مستمرة ومتكررة.

6. أرشفة التوثيقات إلكترونيًا: الأرشفة بحد ذاتها عمل جيد وحالة مهمة تكشف عن قوة التنظيم والإدارة واهتمام القائمين على العمل التطوعي بالتوثيق. وبتطوّر وسهولة استخدام التقنية والتكنولوجيا يحبّذ أرشفة التوثيق بشكل منظّم ومرتّب إلكترونيًا بحيث يسهل على المُنْظَم للعمل التطوعي أن يرجع للتوثيق بسهولة ويسر.

7. تحديد المسؤولية والمسؤول ووضع جدول زمني: من الأمور المهمة في التوثيقات المتعلقة بالاجتماعات الدورية تحديد المسؤوليات المتطلبة للقيام بالعمل التطوعي وتحديد المسؤول ووضع جدول زمني مناسب للقيام بالنشاط أو المسؤولية المحددة.

8. مراجعة التوثيقات بشكل دوري: مراجعة التوثيقات عملية مهمة جدًا للقائمين على العمل وهي بحاجة إلى فترة زمنية طويلة نسبيًا، فمثلًا إذا كان توثيقات النشاط التطوّعي أسبوعية فيحبذ مراجعة التوثيقات كل ثلاثة أو ستة أشهر من أجل عدة أمور أحدها ما تم ذكره في النقطة السابقة.

هناك أمور هامة في العمل التطوعي بحاجة للتطوير لكني ابتدأت بالتوثيق لأنه بحسب وجهة نظري من الأمور التي تحتاج إلى اهتمام ورعاية وتطوير في المجال التطوعي حتى قبل البدء بالمشروع التطوعي. في المقال القادم أتطرق إلى جانب آخر بحاجة للتطوير في العمل التطوعي إن شاء الله تعالى، فإلى اللقاء..

14 أغسطس 2014

حين تتناقش تتناقص // أبو فاطمة

 
 
ما هي المناقشة التي تحصل بين الناس في شبكات التواصل الاجتماعي! لنرجع لمعنى كلمة المناقشـة: ["قيـام جمـاعـة متعاونـة فيمـا بينهـا على اختيـار مشكلـة معينة، وتحديد أبعـادهـا، وتحليل جوانبهـا واقتـراح الحلـول لها، واختيـار الحل المنـاسب بعد ذلك عن طريق الإجمـاع أو عن طريق الأغلبيـة"].
أما ما يحدث في أكثر الأحيان عند حدوث نقاش في شبكات التواصل، فنهاية أي نقاش  [Block حجب - تسجيل خروج من المجموعة ]!!! وأكثر النقاشات تنتهي لجدال عقيم، أو التراشق بكلمات أو(الزعل ) بين المتناقشين.
 
لكل شيء فن وللنقاشات فنها، وقد فتحت شبكات التواصل للجميع لتعطي المجال لنا لتبادل الآراء، وقد ينقصها أنها لا تظهر انفعلات الوجه وحركات الأيدي للمشتركين فيها وهو أمر مهم جدًا في النقاش.

إن دخولك النقاش لا يعني أنك ستكون منتصرًا فيه والآخر سيكون مهزومًا! هي ليست مباراة كرة قدم، بل الهدف السامي من النقاشات هو طرح المشكلة والأخذ بالآراء  والبحث عن الحلول إن وجدت.
 
خسارة الكثير من الأصدقاء في الشبكات الاجتماعية تكون أغلبها بسبب النقاشات الحادة، والتي قد تصل للتراشق بالكلمات بين المختلفين في النقاش، وخلاصة الأمر في عدم استفادة الأشخاص عندما يقومون بالتراشق وإعطاء الحجب للآخر، وكذلك لن يستفيد المجتمع كي يرتقي بهذه المناقشات.
 
إن أردنا للنقاش أن ينتهي إلى نتيجة منطقية يسلّم بـها الطرفان، فلا بُدَّ أن يمتلك كلا الطرفين، تفهم وجهة نظر الآخر برحابة صدر. لا يكن لدينا حس التعالي والتصغير من فكر الآخرين، ولا ندخل النقاش مع الآخرين بهدف السعي لسحق شخصياتهم أو الاستهزاء بهم لمجرد اختلافنا معهم في وجهات النظر.
 
14 أغسطس 2014

فلسفة الألم // إيمان الحبيشي

 
 
 
أتذكر جيدًا كيف عشتُ أشهرًا من الوجع المجهول، ليالٍ جفاني فيها نومي، أيام قلق مزعجة أتساءل فيها، لماذا أشعر بهذا الكم من الوجع؟ وكيف السبيل لاحتوائه؟

حتى ساقني الله لطبيبة ذكية بمجرد أن وصفت لها وجعي، ابتسمت بوجهي: (يبدو أن مرارتك بحاجة لاستئصال)، فكان كذلك..

وانتهت أشهر الوجع المر، بعملية استغرقتني بضع ساعات تحت مشرط الطبيب، ثم بضعة أيام على الفراش الأبيض حتى صار ذلك الوجع اليوم نسيًا منسيًا!
 
منذ ذلك اليوم وأنا أنظر لواقع الألم، نظرة فلسفية غاية في الجدية والانبهار.

لم يخلق الله الألم كمجرد ابتلاء أو معاناة، إنما هو واقعاً جرس إنذار، يحاول أن يدلنا على مواضع الخلل، لنعمد سريعًا لإصلاحها، حتى نُنقذ أنفسنا من كوارث محتملة في حال إهمال ذلك النداء، أو حتى في حالة الخطأ في تشخيصه، فضلًا عن لو فقدنا نعمة الألم!
 
أجسادنا هُيأت بالعديد من أجراس الإنذار، ولا أظن أن مجتمعاتنا تختلف عن ذلك أبدًا. الكثير من أجراس الإنذار تقرع علّنا نسمعها، فنستفيق من سبات الغفلة، وندخل في مرحلة الصدمة والاستشعار بأهمية التنبه والبدء بالعمل لمنع كارثة ما.
ارتفاع معدلات الطلاق جرس إنذار، الخيانات الزوجية جرس إنذار، العنف الاجتماعي جرس إنذار، التسقيط السياسي والديني جرس إنذار، والكثير الكثير، منها المحسوس ومنها أجراس غاية في الانخفاض، حتى لا يكاد يُسمع صوتها، والنبيه جدًا هو من يتلقفها ويحاول أن ينبّه الآخرين لإيقاعها.
 
إننا في الواقع نعيش أزمة (إنكار)، أو في أحسن الظروف أزمة (إهمال) للعديد من أجراس الانذار التي قرعت ولا زالت تقرع، دون أن نقف أمامها مباشرة لنقيس مدى فداحتها وما أسبابها وكيف السبيل لعلاجها.
 
ففي واقعة كواقعة الطلاق فإن كل ما يهم المجتمع هو لماذا فلان طلق فلانة!
لكن ماذا عن كيف نجمّد معدلات الطلاق؟ ماذا عن كيف ننشأ أسرة سعيدة يكون شبح الطلاق عنها بعيدًا؟ ماذا عن كيف من الممكن أن يحقق زوجان طلاقًا إيجابيًا يحفظ الأطفال مع وقوع الفراق؟ ماذا عن كيف نأهّل المطلق والمطلقة ليعيشا حياة سوية؟ ماذا عن كيف يستوعب المجتمع هذه الأسرة التي انفك رباطها؟ وكيف يحتضن المطلق والمطلقة وأبنائهم ليساعدهم في بناء حياة أسرية جديدة تحفظ آدميتهم وحاجتهم وتستثمر إمكاناتهم؟!!
 
وفي ذات السياق فإنه وفي حالات عديدة كانت الخيانة الزوجية سببًا قاسٍ من أسباب الطلاق! لكن كل همّ المجتمع هو أن يعرف كيف؟ ومتى؟ ومع مَن؟! ليمارس عملية الحساب والعقاب والنبذ، دون أن يفكر للحظة في أسئلة مهمة منها: لماذا الخيانات الزوجية؟! وكيف السبيل لتقوية العلاقات الزوجية ليبعد عنها شبح العار والرذيلة؟ أو كيف من الممكن أن ننشأ جيلًا سويًا يكون بعيدًا عن العلاقات المحرمة سواء أكانت تحوم حول الفرد المُحصن أو غير المُحصن؟
 
لننتقل لمأساة العنف الاجتماعي، كم حادثة شهدناها مؤخرًا لرجل عنف زوجته؟ ولأب أو أم تجمّدت الرحمة في قلوبهم ليمارسوا العنف على أجساد أبنائهم الغضة؟! وكم من لحظات غضب انتهت بمأساة أن يدهس صديقٌ صديقه؟ وكم من عاهة تسبب بها جارٌ لجاره؟!
أهل توقفنا عندها لنفرز كونها حالات فردية تحتاج لعلاج منفرد؟ أم تراها إفراز لواقع نعيشه لا يفهم إلا القوة سبيل للتحاور والتنفيس والرفض؟!
هل توقفنا عندها لنبدأ في عملية وقائية عبر ضرب سور الحلم والتبسط والتحاور حول علاقاتنا، ليبعد عنا مآسي ثقافة (فن استخدام اليد؟)!
 
إن الألم الذي تنتجه تجربة طلاق مرّة، كما الألم الذي تفرزه واقعة خيانة زوجية صادمة لعموم المجتمع، كما الألم الذي يستشعره الصغير والكبير عند الوقوف على خسارة روح في لحظة غضب.
كلها آلام لا بُدَّ أن نشعر بها لنصحح مسيرة مجتمعنا، لنختصر على الأجيال القادمة أوجاعًا جربناها وذقنا مرارة طعمها، متسببة في تعثر مسيرة مجتمعنا نحو الاستقرار والسعادة، لنضمن أن يكون لأبنائنا مجتمعًا كما كنا نتمناه لأنفسنا، محققين المسؤولية التي حمّلنا إياها الله بأن نكون خير الخلفاء على هذه الأرض. 
 
فهلا فهمنا فلسفة الألم؟!
 
14 أغسطس 2014

طريق الحل،، طريق المشكلة // أبو مقداد







خطٌّ فاصلٌ كبيرٌ نعيشهُ في حياتنا، ربما في جميع فصول ومواقف الحياة، نكونُ فيها في لحظاتٍ حادة نحتاجُ فيها لحسمِ قرارٍ لحظيٍّ وآني، وقرارٌ في هذهِ الظروف، لا بُدَّ له أن يكونَ قرارٌ دقيقٌ وحكيم، لا يحتملُ الخطأ، كما أنَّ فرصةُ تصحيحه والتراجع عنه ستتضاءلُ كلما زادت حساسية الموقف وحجم القرار، لذلكَ فلا بُدَّ من اختيارهِ بعنايةٍ وسرعة، ومثلُ هذه المواقف لا تحتملُ فرصةً للتفكير المطوّل، لذلك تحتاجُ لقدرةٍ فائقةٍ تعملُ فيها كلّ مُعالِجات الدماغ بأقصى قوتها في الدراسة والتحليل والتفكيك والربط والتركيب والاستنتاج، ثم أخذ القرار والجرأةُ في تنفيذه، الأمرُ الذي يعتمد على قوةِ الحضور الذهني وسرعة البديهة والخبرة، لا الحظ والصدفة.
 
كثيرةٌ هي الحالات التي قد نمرُّ بها ونجدُ أنفسنا في امتحانها اللحظي الصعب، كقرارٍ سياسي سريع، أو انقاذ حالةٍ في حادث، أو محاولتنا لتفادي حادث سير، والعديد العديد، نتكلم اليوم تحديدًا عن جانبٍ مهمٍ قد نتعرض له باستمرار وتكرار شديد، وقد لا نلتفت له، وهو سلوكياتنا وقراراتنا في لحظات الغضب، والغضب هو حالةٌ شعورية أولية، وانفعالٌ طبيعي للتعبير عن الاستياء من شيء ما. وعدم قدرة الفرد من التحكم والسيطرةِ على قواه العقلية في هذه الحالات قد تودي به لممارسة كل ما قد يرفضه في حالته الطبيعية، وما لن يحمُد عقباه.
 
يغضبُ الإنسان، فيفقدُ قدرتهُ على الاتزان العقلي، وتغيب الحكمة عن ذهنه، ويبدأ في فقدان اتزانه، فيدخل شيئًا فشيئًا في طور الحماقة فيكون في هذه اللحظة تحديدًا بين خيارين، في مفترق طرقٍ، لا مجال إلا لسلك واحدٍ منهما، طريق المشكلةِ والآخر طريق الحل، إما أن يستسلم لغضبه وعواطفه ويسلك طريق المشكلة الذي يبدو بأنه الطريق الأسهل، وتبدو في نهايته علامة النصر الزائفة، أو الاجتهاد في مقاومة الحالة هذه، وقهرها ومحاولة استعادة الاتزان والحكمة وتحمل صعوبة هذا الطريق الوعر، الذي قد تبدو نهايتهُ هزيمةٌ وخسارة على عكس الحقيقة.
 
الإستسلام لحالة الغضب هذه، وإن كانت أسهل الطرق، إلاّ إنها ستكونُ بوابةً للمزيدِ من المشكلات التي ستضطرنا للخوض فيها مرارًا "بطريق مشكلة " جديد في كل مرة، وقد تتفاقمُ لتصل لحد اللا حل، كأن يُغضبك أحدهم، فتبدأ بالصراخ عليه، فيرد لك الصراخ، ثم تتحولُ للشتائم، فيردها لك فتنزعج أكثر، وقد تصلَ للتشابك بالأيدي، فيؤذي أحدكما الآخر، مما قد يستدعي تدخل آخرون من الطرفين، وقد تتدخلُ العوائل وتصل لخصوماتٍ بسبب لحظةِ غضبٍ لم تتمكن من السيطرةِ عليها، وهذا المثالُ واقعيُّ جدًا، ويحصلُ في أحايين كثيرة، فكم من شجاراتٍ بين عوائل شتّى، كانت شرارتها شجار شخصين ينتميان للعائلتين، والصعوبة قد تكمن في عدمِ تمكن الطرفين في وضع احتماليةِ أن يكون سلوكهما أو قرارهما أو موقفهما هو الخاطئ وسببًا للمشكلة بسبب نظرتهما القاصرة، فيتصرفان على أنهما الحقُّ المُطلق، وغيرهما الباطلُ الأبدي، وربما أصْل المشكلة كانَ سوء فهمٍ اشترك فيه الطرفان، بينما لو في بدءِ لحظةِ الغضب تمكنتَّ من استحضار فكرة طريق الحل والمشكلة وكظمت غيظك وقلت سامحك الله، أو بحثت عن طريقٍ يؤدي بكما لمنطقة حلٍّ مشترك يقبلهُ الإثنان، ولو اضطررت للتنازلِ عن بعضِ مصالحك فيه، لانتهت المشكلةُ في لحظتها وكفى الله المسلمين شر القتال، وما أقولهُ هنا ليست مثاليةٌ لا يمكن تطبيقها وحالة افتراضية، بل هي ممكنة جدًا، وهي ذاتها الأخلاق الإسلامية التي جاءَ بها الصادق الأمين نبي الرحمة محمد صلوات الله عليه وعلى آله، فموقفهُ الشهيرِ مع اليهودي الذي كانَ يؤذيه، ما ردَّ عليهِ سوى بطريق الحلِّ حين زارهُ في مرضهِ، فاستمالَ قلب اليهودي بحسنِ خلقه. وقد يشعرُ البعض في لحظات غضبهم أن تصرفهم بطريقة النبي (ص) مع اليهودي، قد يضطرهم لفقدانِ شيءٍ من كرامتهم، أو التنازلِ لخصومهم، وهذا ما يُصعّبُ المسير في طريق الحل، ويسهلَ طريقَ المشكلةِ الحاد والمساهم في تفريغ الشحنات العاطفية بسرعةٍ وقوة، دون التمكن من التفكير في عواقبِ المسيرِ فيه.
 
استحضار فكرة طريق المشكلة وطريق الحل، أثناء حدوث الغضب، أمرٌ في غاية الصعوبةِ، وقد يحتاج لتمارين عصبية وبرمجية عديدة، فضلًا عن التدريب على اختيار طريق الحل من بين الطريقين، وفن احتواءِ المشكلة والموقف وابتكار أسلوبٍ في حل هذا الموقف والتعامل معهُ بإيجابيةٍ دون الوقوع في كمٍّ أكبر من المشاكل، وتمكن الإنسان من التحكم في نفسهِ في حالة ما كالغضب ستمكّنهُ أيضًا من التحكم في نفسه وعواطفه وتركيزه في جميع مواقف حياته، حتى الموت الذي قد يسبب للبعض الألمَ الشديد لفقدان عزيز ما، قد يتمكن هذا الفاقد من استحضار فكرة طريق الحل والمشكلة، ويتعاملُ بإيجابيةٍ مع الموت، فيعملُ بأخذ العبرةٍ من جهةٍ وترويض نفسه وإصلاحها، ومراجعة استعداده للقاءِ الله، وقد يفكر فيما قد يصنعه لمتوفاه العزيز لينقذه من عذاب القبر كإهدائه صدقة جارية باسمه، أو في الزواج، فالاختلاف الجذري بين تكوين الرجل والمرأة لن يتمكنا من احتوائه إلا بالتفكير في ابتكار طرق الحل لإيجاد مساحة التكامل الحقيقي بين الطرفين، والابتعاد كل الابتعاد عن طريق المشكلة. وقد تبدو عدم إمكانية هذه الأمور في بدئها إلا أنها مع الترويض ستكون في غايةِ الإمكان.
 
كم من العلاقات نخسرها، وكم من المشاريع تتفكك، وكم من المؤسسات تُهدم، وكم من الحروب قد تنشب، وبيوت تُهَدم، بسبب قرارٍ أو كلمة، أو سلوك، في لحظةِ غضبٍ فقدنا فيها قدرتنا على الالتزام بالحكمة والهدوء، ورجعنا للندم عليها لاحقًا، حيث لا يمكن إصلاحها! لذلكَ أقولُ لا بُدَّ من تعلم، والتعود على ثقافة التمييز بين طريق الحل وطريق المشكلة، والممارسة لاكتساب مهارةِ اختيار طريقة الحل، لا طريق المشكلة المرهِق بامتياز.

14 أغسطس 2014