Friday, September 19, 2014

مرضُ الظاهر، ومرضُ الباطن // محمود سهلان

 
 
إذا مرضَ الإنسانُ فعقلهُ يقولُ له: ابحثْ عن العلاجِ المناسبِ، وعلى الأغلبِ لن يترددَ في طلبِ العلاجِ، والحفاظِ على حياتهِ بأغلى الأثمانِ وأصعبَ الطرقِ، وليسَ ذلكَ إلا لحبِ الخلودِ الأبدي لدَى الإنسان، والخوفِ ممّا بعدَ الموت.
 
لكنّ هذا الإنسانَ نفسه يغفلُ عمّا هو أهمُّ بكثيرٍ من صحةِ بدنه، فصحةُ القلبِ وسلامتهِ أهم بكثير من صحةِ البدن، فإنّ مرضَ البدنِ وموتَه لا يمنعُ إلا لذائذَ الدنيا الفانية، والتي لا تخلوا من ألمٍ جسدي ونفساني أيضًا، أمّا مرضُ القلب فهو يؤثرُ على صحةِ هذا البدن الذي تحرسُه، ويؤثرُ على عقلكَ وتفكيرك، ويؤثر على ملذّاتك الدنيوية، وعلى حياتك الأخروية، وعلى الخلود الأبدي، وهو الأهم.
 
فكم هيَ حالاتُ الانتحارِ التي نسمعُ عنها، بسببِ ألمٍ نفسي غالبًا، وكم نسمع عن أمراضٍ جسديةٍ منشأها مرضٌ قلبي أو مرضٌ نفساني، وبالنتيجة إمّا أنْ تحرمَكَ هذه الأمراضُ من الملذاتِ الدنيويةِ وأنتَ حيٌ، وإمّا أن تحرمك منها بالموتِ مؤبدًا.
 
المحركُ لكل فردٍ هو ما بداخلِهِ، ما بنفسهِ، ما بعقلهِ، وفطرتهِ، وملكاتهِ الباطنية، فإنَّ ما أقومُ به من أعمالٍ لا يكون إلا انعكاسًا للفكرِ الذي أحملهُ، وللعقائدِ التي أؤمنُ بها، والأخلاقِ التي أتحلّى بها، وما نقومُ به من أعمالٍ تعكسُ ما في باطننا، ولذلكَ فالإنسانُ أعلمُ بنفسه من غيره، سوى الله تعالى، فهو يعلمُ قطعًا ـ إلا الغافل ـ دوافعَ أعماله، ويعلمُ نيته، وما يريدُ فعلًا، ولذلك صارتْ النيةُ خيرًا من العملِ في الخير، وقد تكون شرًا من العملِ في الشر.
 
عطفًا على ما سبقَ ذكرهُ، فإنّ الخلودَ الذي يحبهُ كلُ إنسانٍ، وإنّ الكمالَ الذي يريده، لا يكونُ إلا عن طريقِ الباطن، وإذا صحَّ هذا باتَ من الواضحِ أنّ ما بباطنِ الإنسان أهمّ بكثيرٍ من جسده وظاهره، ومن الأولى أنْ يدعوَه العقلُ للاهتمام به، فيعالج أمراضَهُ النفسيةَ والقلبية، ويصحح معتقداته، ويعمل على ذلك بشكلٍ دائم، فبه يكون الخلود، إمّا بالجنةِ وإمّا بالنار.
 
ما نحتاجهُ فعلًا هو مراقبة أنفسنا دائمًا، فلا ينبغي أنْ يغفلَ المؤمنُ عن ذلك، ولذلك درجاتٌ أيضًا، فالبعضُ قد يراقبُ نفسَه عن طريقِ أعماله بالخارجِ فقط، ولكنه لا يراقبُ دوافعَ العملِ ونيته، والآخرُ يراقب دوافعه ونواياه ولكنّه لا يراقب مدى إخلاصه لله، وغيرُهم يراقب نفسه بدقةٍ متناهية، حتى يصلَ بها لأعلى درجاتِ الكمالِ وسلامةِ القلب، لذلك فلنعمل تدريجيًا على علاج قلوبنا وأنفسنا، فإنّ الأعمّ الأغلبَ لا يخلوا قلبه من مرضٍ ـ مع الاعتذار ـ فهي الحقيقة، ولنعمل لنكونَ سعداءَ خالدينَ في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، لا نصبَ فيها ولا لغوب.
 
 
٢٤ ذو القعدة ١٤٣٥

Thursday, September 18, 2014

التسامح والتعايش السلمي // أم علي



التسامح: لفظة سَئمنا الدوران حَولها.. كَأنها هِي المَركز وَنحن مُحيط دَائرة كبيرة، لا مُترابِطة الأَجزاء ونِصف قُطرها طوَيل جِدًا، نَتحرك بَعجلة مَركزية لا تُساوي إِلا الصفر.
 
التَسامح الذي أَتحدث عنه في مقالي هذا ليس تسامحًا يُعقد بين دَولتين أو أمتين ويُعَقد للوُصول إلى حياة بدون صوت مُتفجرات، ولا دماء موتى ولا نصل في النهاية.. التَسامح الذي أَتحدث عنه تسامح بين أخوة كانوا يَشدون بعضهم البعض للبِناء والآن أَصبحوا يَشدون بعضهم البعض لِهدم ما بَنوا.
 
التسامح هو الباب المَلكِي للوُصول إلى التَعايش السِلمي وِإبادة كُل مُسبِبَات الضَغائن والحِقد الذي قد يكون سبب رئيسي لاندفاعات طَائشة همها إِعلان الحرب، لتأخذ الأطراف المَعنيّة أَدوار البُطولة فِي تمثيل مشهد المُحارب الفَذّ وَالمُنتقم لنفسه وكل ما ينتمي إليه وما لا ينتمي إليه.
 
فِي هذه الحالة.. نكون نحن الجماهير الذين لا يستفيدون من تصفيِقهم سوى إِحصاء تبعات الأَلم ولَملمة آهَات عَلقت في الصدور بقول لو فعلوا كذا لكان أَفضل.
 
أَنا لا أُريد أن أَتحدث عن التسامح كمفهوم شرعي أو فِكري فهو مفهوم عميق له تفرعات لا تُفهم إلا بِفَهم الأصول، فأَنا لست جديرة بذلك وإن حاولت عَامةً ضَبط التسامح بمقاسات عقائدية وأَخلاقية تنبع من شريعتنا الإِسلامية أَمر مُهم يجب أن لا نَغفله.. أنا أُحاول أَن أَلفت النَظر إلى مفهوم لا زال مركونًا في آخر زوايا الفِكر الذي كان من المُفتَرض أن نجعله أداتنا الأَولى في التعامل مع الآخر الذي بات يُفسر الأُمور كيفما يشاء ويستعد بجدية للدفاع من دون مُهاجم.
 
ما ألحظه، واقعٌ مريرٌ جدًا من رغبة في الولوج إلى قناعات الآخرين والإِصرار على تغييرهم بلا شَرع ولا دُستور.

صحيح بأن دِيننا الحنيف حثّنا على تغيير المُنكر ولكن بطريقة تقود لِمعروف، لا لإثارة تمتمات وتَهييج لذرات، يُفترض بأن تكون ساكنة في مداراتها.
 
ما نحتاجه حقًا، أَن نعمل على تضيق الفجوة بين حُرية الرأي والهدف المرجو من إبداء الرأي.
من حقنا فعلًا أَن نُبدي رأينا في ما حولنا من أفعال لنكون ضِمن حُدود الأحقية التي أتحدث عنها.
يجب أَن نكون أَكثر حذرًا في إبداء الرأي من حيث التخلي عن سيد المُشكلات حَضرة "الهَمز واللَمز".
 
يجب أَن نُفكر بكل جوانب الدماغ لا بالجانب الذي يُعطي انطباعًا سيئًا فقط.
 
وإن تحققت أَسباب التسامح، وتحقق هو بذاته لا شك بأننا وصلنا إلى ما نَرنو إليه من تعايش سلمي، وكل ما ينبغي له مِن حُب وأُلفة ومَودة، وإِن لم يكن كذلك.. فإننا بكل تأكيد وعلى الأقل تركنا كُل مُسببات الشر على الرصيف القَديم.
 
الموضوع لا يحتاج وقتًا إلى التفكير، بِقدر ما يحتاج التطلع إلى التَغيير..
 
يجب أَن نَبدأ من أنفسنا.
 
 
20 سبتمبر 2014

حكاية حياة // أم حسين

 

هناك خلف الأبواب الموصدة تقبع الألف الحكايات، أحداث بعضها ما زالت مستمرة، بين أخذ وعطاء، والبعض يقاوم  الخلافات الناتجة من صعوبة الاندماج،  فما زال يحاول عله يحظى بنهاية جميلة يختم بها حكايته.. وهناك حكايات اتسعت أحداثها فلم يعد باستطاعة محيطها احتوائها، فأصبحت أحداثها تسرد على كل لسان وفلانة طلقها فلان.
 
الحياة الزوجية، حكاية الحياة، لها قدسية خاصة.. كيف لا وهي الضامنة لاستمرار الحياة والحاضنة لبني الإنسان.. تستوقفني كثيرًا تلك الحكايات الحزينة تلك التي يئس أبطالها فاختاروا الفراق نهاية لحكايتهم.
 
أتساءل بصدق هل تقطعت كل سبل الإصلاح!!؟
 
أيعقل ذلك!!؟
 
أم أن الطلاق يعتبر سبيل إصلاح للحياة!!؟
 
قرأت مؤخرًا إحصائية عن نسبة الطلاق في بلدنا مفادها يقول أن ما يقارب نصف حالات الزواج تنتهي بطلاق!!
 
فما الذي يحدث! ألا يستحق الموضوع أن نتساءل عن أسباب تضخم تلك النسبة!!
 
ما الذي تغير بين الأمس واليوم!!؟ آسفة سقطت ال (لم) سهوًا..
 
السؤال الصحيح هو:
ما الذي(لم) يتغير بين الأمس واليوم!!؟
 
أعلم أنه  من الطبيعي أن تتغير الأمور وتتطور بما يوفر للإنسان أكبر راحة في حياته، ولكن ما يحدث في عالمنا ليس تغييرًا طبيعيًا، فالتغيير الطبيعي لحياتنا هو ذلك الذي  يتماشى مع كل معتقداتنا ومبادئنا وقيمنا فيدفعنا إلى الأفضل. التغيير الذي نصنعه نحن فنبقي على ركائزنا الأصيلة من قيم ومبادئ وننطلق لنبني ونسمو، وبذلك نحفظ التوازن الذي نفتقده بسبب القفزة الشاهقة التي أجبرونا عليها.
 
فلنبدأ بالمرأة.. أين كانت وكيف أصبحت!!؟
 
بالأمس الغير بعيد كانت حياة الفتاة مختلفة جدًا، كان حلم تكوين حياة زوجية هو المحور الذي تدور حوله حياتها لتلفها العفة والطهارة في كل سلوكياتها وأفعالها. تكبر بين أحضان كتب المدرسة صباحًا والقرآن عصرًا وتخلد إلى النوم لتحلم ببيتها الخاص يضم زوجها وعائلتها.. فالزواج هو الحلم الأول الذي تصطف خلفه باقي الأحلام..
 
تكبر وتتزوج.. وتنطلق لبناء حياتها كل حياتها من بيتها، وسط عائلتها كامرأة همها الوحيد زوجها وأبنائها، يساعدها في ذلك مجتمعها فهو البيئة الخصبة لأصول وقواعد الحياة الزوجية الصحيحة المستمدة من القرآن، فيعدها بكل المبادئ والقيم والقواعد التي تهيئها لتعدّ أمة عظيمة.
 
واليوم كيف تنشأ فتياتنا!!؟
 
مؤلم الواقع الذي تعيشه اليوم فتياتنا.. والأكثر إيلامًا الشعور بأنك مكبل اليدين لا تستطيع إلا أن تنصاع مع طوفان التغيير الحاصل..
 
تترعرع الفتاة على أرضية مبهرجة بالشعارات البراقة والتي تفتقر لأي نوع من أصول وقواعد صحيحة تهيئها لتكون امرأة صالحة تعدّ جيل واعد.
 
فنحن اليوم نربي فتياتنا مع حلم آخر حلم التفوق في الحياة العامة لا الحياة الزوجية وكيف تكون امرأة متميزة في المجتمع لا وسط عائلتها، ونزرع فيها حب الذات بشتى الأساليب ونستمر في تكرار الموشح ذاته: شهادتك هي سلاحك في هذه الحياة، واستقلالك المادي هو الضمان الوحيد من تقلبات هذا الزمان، وكأننا نهيأها لدخول حرب لا حياة بعد الانفصال عن الأسرة!
 
اختلافي ليس في الحلم ذاته ولكن اختلافي في ترتيبه من حيث الأهمية، فعندما يحتل هذا الحلم المرتبة الأولى تنشأ الفتاة لتصبح امرأة منطلقة بثقافة لا تمت الى الإسلام بأي صلة بل وقد ترفض من حيث لا تدري كل مصاديق ومفاهيم القرآن الكريم، فمصاديق المفاهيم التي تراها خاطئة.. فكيف لها أن تدير حياة زوجية بأكملها!!؟
 
فعند أبسط خلاف تبتعد بها كرامتها بعيدًا عن قول الله سبحانه وتعالى (هن لباس لكم وأنتم لباس لهم)!!
 
تميزت المرأة في المجتمع واستقلت ماديًا بمفاهيم التميز والنجاح التي استوردناها من الخارج طيب وماذا بعد ذلك!
 
الرجل.. نعم الرجل فاللوم ليس على المرأة فقط فيما يحدث، فتغير المرأة جاء على هوى الرجل، فمن لا يتمنى أن يتخلص ولو من جزء بسيط  من العبء والمسؤولية الملقاة على عاتقه!!؟
 
شجّع الرجل تغيّر المرأة حتى وإن كان ظاهرًا يحارب فكرة إنصافها وإعطائها حقوقها (بمفاهيمنا المستوردة طبعًا)، ليكون أول شروطه في زوجة المستقبل أن تكون موظفة!!
لتوزع المهام بينهما في الحياة الزوجية على اعتبارات  بعيدة عن المعادلات الإلهية، فتوزيع الإسلام لمهام الزوح والزوجة قائمة على معرفة، بالقدرة وقوة الإحتمال والعاطفة فكان التوزيع بما يتناسب مع التكوين الخلقي لها كامرأة وله كرجل ضامنًا الاستقرار النفسي كعامل أول لنجاح الحياة. 
 
فلما اختل التكوين الثقافي لطرفي معادلة الحياة الزوجية (الزوج والزوجة) كان الناتج غير سليم..
 
اختلفت كل الأمور وتغيّرت وتطوّرت بما نعتقد أنه في صالحنا ولكنه في حقيقته ليس كذلك. علينا بإعادة التفكير في كل ما حولنا فواقعنا مجرد صور جميلة في ظاهرها واقعها مبرمج بما يريدون فانتهت الحياة الحقيقية.
 
نحن الأمل لأبنائنا.. علينا إعادة صياغه أنفسنا بما يضمن لهم بيئة سليمة وخصبة بمفاهيم وقوانين صحيحة نستمدها من نور الثقلين فالحل يبدأ منهما وينتهي بهما، وأي حلول خارج نطاقهما لن تجدي..
 
فمتى نعي ذلك!!؟
 
20 سبتمبر 2014 

نظريةُ: (باب النجار مخلَّع) //محمد علي العلوي

 

يرتاح المرء لفئة من الناس تُبْدِعُ في رفع المعنويات وتتفنَّنُ في الدفع إلى الإمام، كما ويرتاح أكثر وأكثر لإنسان يبذل قصارى جهده في معالجة الأخطاء دون مَنٍّ ولا أذى..
وأمَّا السكينة والاطمئنان فلها صُنَّاع مهرة، منهم أولئك الذين ينأون بأنفسهم عن رذيلة تتبع زلات الآخرين والبحث عن سوءاتهم والتفتيش عن معائبهم وسقطاتهم.
 
في الواقع إنَّه ليس كل واحد يتمكن من مثل هذه المراتب الفضائلية العالية، فالقابليات المؤهلة والمساعي الحسنة شرط في الظفر بمثلها، والسِرُّ –كما أرى- إنما هو في مدى القدرة على قراءة الواقع بعين تستجمع أطراف الموضوع في بؤبؤها، وإلا فالأمر بعيد المنال، وللقارئ الكريم مثال مصداقي توضيحي..
 
امرأة مؤمِنَةٌ تَقِيَّةٌ تحمل هموم المجتمع وتسعى للمساهمة مع الآخرين في الإصلاح وعموم العمل التوعوي الخير، ولكنَّها مبتلاة بزوج أبعد ما يكون عن التدين وموازينه، فبالإضافة إلى ضعف انضباطه في سوق التجارة، عُرِف عنه أيضًا شرب الخمر (والعياذ بالله)، ولكنَّ الزوجة المؤمنة صابرة وتحاول جهدها لإصلاحه..
 
المشكلة أنَّ هناك من يعمل على منع أو لا أقل ثني النساء عن حضور أي فعالية دينية أو اجتماعية تقيمها تلك الزوجة المؤمنة، وأكثر من ذلك تمادي البعض بالسخرية والاستهزاء بما تقدمه من مواعظ وما شابه، والحجة في كل ذلك البناء على الفهم المتخلف لقوله تعالى (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، فهم يأخذونها بذنب زوجها، ويقولون: (لو كانت صادقة فلتصلح بيتها أولًا)!!
 
لا أدري لِمَ لا يتذكر أولئك زوجةَ نوح وزوجةَ لوط، وقد وصفهما القرآن الكريم وصفًا شديدًا صريحًا، فقال (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)، فهل كان على نوح ولوط (عليهما السلام) الكفُّ عن الدعوة إلى الله تعالى لأنَّ كلَّ واحد منهما قد ابتلي بزوجة (خائنة)؟
 
وهل نسي أولئك ما عانته آسيا بنت مزاحم مع زوجها فرعون ذي الأوتاد؟ أوليست من أفضل النساء؟
 
وها هو القرآن العظيم يشهد لها بالخير والصلاح، فيقول (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، ولكِن، وفي عرف أصحاب نظرية (باب النجار مخلَّع)، من المفترض على الله تعالى أن يرفض آسيا ويردَّ عليها دعاءها؛ لأنَّها زوجة فرعون القاتل سفاك الدماء، وفوق ما ارتكب من جرائم فقد ادعى الربوبية!!
 
وأمَّا كنعان فقد نهى الله تعالى عنه نوحًا (عليه السلام) فقال (يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)..
 
الأمثلة كثيرة، وهذا غير قول العقل وإرشاد الوجدان إلى أنَّ الإنسان لا يؤخذ بجريرة غيره وإن كان منه قريبًا نسبًا بل دمًا، ولكنَّ البعض يُصِرُّ على مخالفة كلِّ شيءٍ لمصلحة إهانة إنسان والحط من قدره في أعين الناس..
 
يقولون:
 
قبيحة (1): هذا الذي ينصح الناس، عليه أولًا أن يضبط ابنه مدمن المخدرات، وإلا فليصمت!
 
قبيحة (2): ما أشدُّ قوة عينه ويا لجرأته!! يعظ وينصح ويدَّعي الإصلاح، في الوقت الذي لا يتمكن فيه من أن يمنع إحدى بناته من (...)!
 
قبيحة (3): كيف نؤمن على بناتنا وتلك (المدَّعية) لها اخت سافرة!
 
ولا أزيد –أيها القارئ الكريم- فمحاربة الإنسان للإنسانية قد تجاوزت كلَّ الحدود، ولم يبقى شيءٌ نتصوره أكثر مما جرى ويجري، فمحاولات (الهدم) قائمة على قدم وساق لا تهدأ هنيئة، وليتها تأتي لهدم عدوٍّ أو من هو في حكمه، ولكنَّ العجب إنَّها تتركز بقوة وعنف وشراسة بين المؤمنين، والأغرب من ذلك تشكُّلها بحسب الظرف، والغاية واحدة، هي: الهدم.
 
تلك حالة أشرتُ إليها في السطور السابقة، وهذه ثانية أشير إليها في اللاحقة..
 
الأولى نظرية (باب النجار مخلَّع)، وهذه نظرية أخرى لا تقلُّ سخافة عن سابقتها، وهي نظرية (بعده ما طلع من البيضة)!!
 
في موارد قرآنية وتاريخية نقف على أنَّ العمر ليس هو الميزان الوحيد في تقييم الإنسان، بل قد لا يكون ميزانًا أصلًا، وها هو جلَّ وعلا يقول (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)، ناهيك عن أكثر من واحد من الأئمة (عليهم السلام) جاءه الدور الظاهري للإمامة وهو في سن صغير (ظاهرًا)، وخذ أيضًا تولية الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أسامة بن زيد جيشًا من الرجال وهو لم يبلغ العشرين!
 
وكم من تلميذ تفوق على أستاذه، وكم من عبقري تجاوز عقله الآفاق وهو لم يبلغ الحلم بعد؟!!
 
كلُّ إنسان فهو يحتضن في داخله عملاقَ إبداعٍ وتألقٍ، ولو أنَّ بعضَ الظروف تُطاوع أمرَه لانطلق من داخله عملاقُه مبدعًا متألقًا، ولكنَّه –ويا للأسف- قد شاعتْ في مجتمعنا معاول قتل الإبداعات وإرهاب الفكرة، وهي معاول غاية في الخطورة؛ فشغلها الشاغل الوأد بعد التهشيم..
 
في مجتمعات (الإنسان) يحاط العامل الجاد والمبدع المتألق بعنايةِ فائقة من مختلف شرائح المجتمع الذي يبحث عن (الحيوان) ليحاول صناعته إنسانًا، فكيف بالإنسان عنده؟!!
 
ما أفهمه جيِّدًا هو إنَّ الحلول.. كلَّ الحلول ليست في يد غيرنا، بل هي في أيدينا، ولكنَّنا نُصِرُّ بشكل أسطوري على أن لا نرحم أنفسنا، ولو قليلًا، هذا والحل ليس بالصعب المستصعب، فهو من أوَّلِه إلى آخره لا يخرج عن عنوان واحد..
 
(حبُّ الإنسان والخير له)..
فقط، وفقط..
 
تعالوا لنحب بعضنا البعض.. لنفرح من أجل بعضنا البعض..
 
تعالوا لنستشعر السعادة والرضى لنجاح الإنسانية في تسجيل مواقفها الجليلة بقوة وثبات، وكلُّ هذا يُضبَطُ بكون الواحد منَّا لا يرى الآخر إلَّا نفسه، وذلك انطلاقًا من قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، وأمَّا القيادة فلقوله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ الله يُحِبُّ المرء المسلم الذي يُحِبُّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه".
 
فإذا كنتَ تحب لنفسك معايرة الآخرين لك بنقائص في أهلك، واستهزاءهم بصغر سنِّك أو حداثة عهدك بعلم أو ما شابه، فحينها قد هانت عليك، فاذهب بعيدًا؛ لآن غيرك لا تهون عليه نفسه.
 
20 سبتمبر 2014

Wednesday, September 17, 2014

اللقاء الأول من صالون ارتقاء الثقافي (الجزء الأول)




الصالون الثقافي – ارتقاء
الجمعة 12 سبتمبر 2014 ميلادية


* الحضور  (بحسب الحروف الأبجدية):

الأستاذ أحمد العكراوي، الأستاذة إيمان الحبيشي، الأستاذ طلال السماهيجي، الأستاذ علي أحمد، السيد علي العلوي، الأستاذ فهمي عبد الصاحب، الأستاذ محمد سهلان، الأستاذ محمد المخوضر، السيد محمد العلوي، الشيخ محمود سهلان، الأستاذ ياسر الماحوزي..

* انطلق الصالون الثقافي بكلمة تعريفية للأستاذة (إيمان الحبيشي) باعتبارها عضو مؤسس في مجموعة ارتقاء:

بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم صل على محمد وآل محمد
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في البداية نتشرف بوجودكم جميعًا..
إن الفكرة الأساسية من مدونة إرتقاء أن تكون مدونة تجمع مجموعة من الأقلام التي تحمل أهدافًا واعية..
من مدونة إرتقاء نطمح أن نخرج إلى المجتمع بحالة إيجابية، في نقاشاتنا، في إختلافاتنا، في آرائنا..
نطمح أن نكون مختلفين، ولكن بطريقة حضاريةً وبالطبع من خلال المناقشات ومقابلة الأفكار.
اليوم هو اللقاء الأول لصالون ارتقاء الثقافي، تشرفنا بكم ونشكركم جداً على حضوركم، وكنَّا نأمل أن يكون الحضور أكثر، ولكن في البداية ولضيق الوقت لم نتمكن من هذا الأمر، واترك المجال للأستاذ محمد المخوضر ليوضح موضوع الليلة. فليتفضل.

* التعريف بموضوع الصالون وكيفية إدارة الحوار تفضل به الأستاذ ( محمد المخوضر) :

المقدمة سوف تكون في الموضوع نفسه.
أسلوب الصالون هو أن يدور (المايك) على الحضور ليبدي كل شخص وجهة نظره، وهي ليست فكرة نقاشية بالدرجة الأولى بقدر ما هي إثرائية، توضيحية لمجرد بيان الفكرة أو مجموعة الأفكار.
طبعاً علماء النفس وعلماء البرمجة غالبًا عندما يتكلمون عن التواصل بين الإنسان والإنسان، فإنهم يعطون الأولوية إلى لغة الجسد، ويعطونها نصيب الأسد من المحاورة أو الحوار بين الإنسان، ويعطون الدرجة الثانية إلى لغة الصوت و درجة الصوت، ويعطون درجة ضئيلة جداً لا تتجاوز 10% إلى لغة الكلمة.
وبناءً على الدرجة الكبيرة التي تعطى للجسد نجد اغلب الكتب والتحليلات والنقد والتفصيل والشرح والبرمجة بالكامل في الغالب تتجه إلى لغة الجسد، يمكن بعضها تهتم بنبرة الصوت ولكن نادراً ما نسمع أن هناك من يهتم بلغة (الكلمة)، وكيف أنتقي الكلمة، وليس مجرد التركيز على لغة الجسد، وكيف أستطيع أن أوصل الرسالة إلى فلان من الناس؟
لغة الكلمة التي نريد أن نركز عليها اليوم،روأتينا للتركيز عليها هي التي تجعلنا نقول كم هي (الكلمة) يمكن أن تبني، وكم يمكن لنفس الكلمة أن تهدم؟
مشاكل قد تنشأ في المجتمع بسبب كلمة؟
قد أكون أقصد (شغلة) والمتلقي يفهمها شغلة أخرى، فإذا لم يفهم المتلقي الكلمة التي أقصدها ماذا قد يفهم؟
بعض الكلمات، كجملة أو ككلمة ممكن أقولها وتكون حمّالة أوجه، هي قد تحمل معاني عديدة، فما هي الطريقة أو الآلية التي عن طريقها أضمن أن الكلمة التي ألقيها يفهمها المتلقي كما أقصد أنا؟
فهل أنا أحمل مسؤولية فهمك؟ أو أحمل مسؤولية كلامي؟ لأن الكلمة قد تحمل معاني عديدة، فهناك إختلاف الثقافات وإختلاف اللهجات وإختلاف اللغات، ولهذا قد أقول كلمة في مجتمعي وفي محيطي تعني معنى معين ولكن في مجتمعات ونقاشات ثانية تحمل معنى مختلف تماماً، ربما بمعنى الضد أو العكس.
هناك مشاكل كبرى قد تتحول إلى مشاكل تأزيمية بين الأفراد لنفس السبب الذي نتكلم عنه، وهو سوء الفهم لكلمة معينة أو معنى معين أو قصد معين.
عندما أتكلم عن المشاكل فأنا اقصد مشاكل قد تكون بين أفراد، بين أهالي، بين أسر، بين مجتمعات، بين أحزاب سياسية، بين تيارات، بين طوائف، بين دول، مشاكل كثيرة لن تنتهي كلها عائدة إلى تلك الكلمة التي قد نسيء إستخدامها أو لا نعرف كيفية إستخدامها، وإلى أي مدى نحتاج أن نُعّرِّف وأن نهتم بتعريف الكلمة التي أقولها أو تعريف الكلمة التي أتلقاها؟ فعندما أقرأ أو أسمع كلمة معينة من شخص معين على أساس أن أقوم بتفسيرها بمجرد فهمي أو أن هناك تعريف معين لهذه الكلمة؟ ومدى أهمية هذه التعريفات إلى المتلقي وإلى القائل في نفس الوقت.
ومن هذه الإشكالات ومن هذه الأسئلة إحنا شفنا أن عنوان أول جلسة سوف يكون (أهمية الكلمة ضرورة موضوعية أم ترف فكري) ونتمنى من الأخوة الذين سوف يثرون هذا الموضوع بأن يلتزموا بهذا الموضوع وأن نسمع آراء الجميع.

* مداخلات المشاركين :

- الأستاذ فهمي عبدالصاحب :

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد وآل بيته الطاهرين.
في البدء أشكر هذا التجمع المبارك وإلى هذه اللفتة الفكرية الثقافية المهمة التي طرحها على سماحة السيد قبل أن يدعوني، وعندما قرأت فكرة هذا اللقاء (اللفظ أو الكلمة هل هو ترف فكري) تساءلت: هل هذا اللقاء وهذا الإجتماع أيضاً ترف فكري أم لا، أن نجلس لننقاش مفردات الكلمة ؟
لا تجيبوا على تساؤلي، لأنه فقط مجرد تساؤل وإن شاء الله هو ليس مجرد ترف فكري وإنما حضورنا هنا من أجل الإستفادة، فأنا جئتكم وأنا صادق مع نفسي أولاً بأن هل الذي أحتاجه الآن هو مناقشة هذه المواضيع أم أن هناك مواضيع أخرى لها أولوية للمناقشة؟
نعود إلى موضوعنا، اللفظ أو الكلمة أو الحرف. وقبل أن نبدأ يجب علينا أن نعرف عنوان التواصل أو الإتصال الفعّال مابين الأفراد يعتمد على ثلاث مرتكزات، المرسل والمستقبل والوسيلة وما نتكلم عنه هو الكلمة أو  اللفظ والذي هو الوسيلة من المرسل إلى المستقبل ، والوسيلة تتعدد منها اللفظية وغير اللفظية، غير اللفظية تفضلت بها وهي (body language) ، نظراتي ، حركات يدي، جسمي، نبرة صوتي ، واللفظية لا بد أن تكون دال و مدلول ومغزى يفهم منها وبالتالي هنالك مسؤولية، والمسؤولية الأولى على المرسل والمسؤولية الثانية على المستقبل، فإذا لم يكن المرسل جيداً في إيصال الكلمة إلى المستقبل ، والمستقبل هنا أنواع ، هناك أنواع مثقفة وهناك أنواع متعلمة وهناك أنواع لجلسات الماتم وهناك الأطفال . والطفل هو أهم مشكلة ، فأنا متخصص في هذا المجال، إذا لم تكن كمرسل جيد للطفل فإنك سوف تدمر حياته وهو صغير فما بالك بالمثقف.
خلونا في الطبقة المثقفة.
مدلول الكلمة إذا كان المستقبل جالس معي وهو شارد عني ولا يعرف عن ماذا أتكلم فأنا أتحمل نتيجة في عدم جذبه إليّ وهو يتحمل نتيجة في عدم إنتباهه إلى ما أقول ومن ثم وبعد أن تنتهي الجلسة سوف يقول لي بأن كلامي كان خاطئ، طيب أنت الذي لم تسمع كلامي أو كلماتي.
في البداية يجب أن يكون لديك فن الإنصات، وانتم كلكم فنانين وأنتم تنصتون لي، فالإستماع يفترق و يختلف عن الإنصات، فأنا عندما أستمع بمجرد خروجي من هذا المكان سوف أنسى كل ما سمعته، أما الإنصات فيختلف، مثلاً كلمة الأخ عندما تكلم عن الترف الفكري وعن الماضي سوف تبقى في ذهني وأفكر بها و(أعلوجها) إلى أن أصل إلى المعنى الذي يقصده.
مسؤولية المرسل في إيصال المعنى إلى المستقبل يقع جزء منه على عاتق المستقبل ولكن يجب على المرسل أن يختار كلماته بدقة لإيصال الفكرة وجعل المستقبل يهضمها ويتقبلها إن صح التعبير إذا كان في موضوع حوار أو ما شابه ذلك.
أردت أن يكون بعد المقدمة مدخل، ولكن ليست الكلمة فقط هي التي يمكن أن يسيء فهمها، ممكن تصرف، ممكن حركة، ممكن إشارة قد يسيء أحدهم التصرف، قد لا أكون أسأت فهم كلمة ولا أقول بأن كلامك غير صحيح ولكن قد أمسك عليك في الحوار أو في النقاش لفتة منك أو حركة صدرت منك، قد أقول بأنك عندما إلتفت إلى السيد وغمزت له بعيونك فأنت كنت تقصد بها إهانتي حتى لو كان كلامك صحيح، إذاً أصبحت الكلمة ليست هي المعيار وإنما المعيار تحول إلى (body language) أو حركة الجسد .
إجمالاً هذه الأسس التي يتراوى لي من المرسل والمستقبل أن تكون وأرجع لأعيد عليها حتى ترسخ عندكم فهم الكلمة ، الوسيلة هي الكلمة اللفظية لابد أن ترسخ في ذهني، فأنا عندما أريد أن أجلس مع أي جماعة وأي مستوى يجب أن تكون كلماتي واضحة ومؤثرة لكي تصل إلى الأحبة...

وشكراً وسامحوني على الإطالة.

-الأستاذ ياسر الماحوزي:

أنا أيضاً بدوري أشكر سماحة السيد وأشكركم على هذه الدعوة واثني على كلام السيد بأننا بالفعل نفتقد إلى هذه الجلسات التي نحتاجها. فتعدد الأدوات في التواصل مطلوب، تعدد الأدوات في خلق ثقافة جديدة في المجتمع أيضاً مطلوب.
مع الأسف فإن المجتمع البحراني يمكن لو أقولها بكلمة بسيطة أصبح معتمد تاريخياً على الماتم، فهل حُمِّل الماتم أكثر مما يحتمل؟! بأن يكون هو كمشروع في قرية، مسؤوليته ينشئ، مسؤوليته أنشطة، مسؤوليته تربية دينية، ومسؤوليته أنشطة وإحياء مراسم، وهذا العبء الكبير على الماتم.
ومع تطور أمور تحدثت فيها مع سماحة السيد أصبحت هذه الأمور بؤرة توتر للماتم، فبدل أن يكون هذا المشروع منطلق فكري فإن اي مشروع يطرح في الماتم يكون سبب للتوتر، فيتهيأ لي تعدد الأدوات وواحدة من هذه الأدوات وهذه النوعية من الجلسات التي بها إثراء فكري وتثري فكر الشخص نفسه مطلوبة جداً، واهم شيء أن لا تكون بعد ذلك مثل ما يقولون (عرش عاجي) للمثقف بحيث كما يقولون يصبح طبقة منعزلة عن المجتمع، العامل، الطفل، الإنسان البسيط، التواصل حتى لا تصل إلى المرحلة التي يسميها المثقفين مرحلة إختراق في المجتمع ، الفشل في التواصل أو الفشل في صنع الرأي العام في المجتمع فيعيش وكأنه في حالة إختراق للمجتمع الذي هو فشل في التواصل أو خرق بالرأي العام.
الموضوع قد أثار فكري واخذ مني وقت كبير ، جلست اقرأ فيه وأرى بأنه ليس بترف وإنما ضرورة جداً بس بشرط أن لا يصبح كما قلت بمنعزل عن إحتياجات المجتمع ، مطلوب لأان اليوم أكثر إختلافنا وأنا ألاحظ، وأنا كنت من الناس اللي قبل كم سنة ، قبل سنتين أو ثلاث إذا كنت أدخل معاهم في نقاش كنت أستميت فيه وتطلع بلاعيمي ومثل ما يقولون يوصل الدم للركبة، ولكن عندما تأخذ بريك وتشوف سالفة النقاش فإن كثير من النقاشات لاحظت بأننا متفقين في الكلام الذي نقوله ، متهاوشين ولكن متفقين، إذاً وين الخلل؟
وساعات أنت تمشي مع جماعة أو شخص تفتكر أنك متناغم معه كما هو عنوان المحاضرة (التناغم) وتعتقد أنك مندمج معه ولكن بعدين في العمل في شغلات معينة تجد أنه ليس هذا الذي تقصده، وأن صح كعنوان دعنا نقول (الوحدة بين السنة والشيعة) واضح بأن الوحدة مطلوبة فلا يوجد أحد يقول لا للوحدة ولكن ما هو مفهومك أنت للوحدة، وما هو مفهومي للوحدة؟ الوحدة نحن متفقين عليها ولكن بعدين نأتي للتفاصيل نجد بأننا جداً مختلفين.
فأنا ذهبت في بحثي إلى المصطلح نفسه، كثير من المصطلحات تستخدم اليوم أما من باب، لماذا نحن مختلفين هالأيام لأن المصطلح نفسه كما قال أبو حسين (حمّال أوجه) ، هذا المصطلح وحتى الكلمة ، فمن أين جاء الإختلاف والمصطلح واحد؟.
مصطلح (الوحدة) ومصطلح (الثورة) ومصطلح (التفاوض) ومصطلح اللي بتسمية من المصطلحات الموجودة.
هل إختلافنا بأنا لسنا متفقين على المصطلح نفسه وجت الإختلافات ولا شنو السالفة؟
فالإختلاف هو وأنا أقرأ يعني أن الجذور مالتها تاريخية، فالكلمات والمصطلحات بعضها مستوردة والترجمات مالتها كل واحد ترجمها بطريقة مختلفة، فأنت قرأتها في ترجمان معين بمصطلح وأنا قرأتها في ترجمان آخر بمصطلح آخر وهكذا، ناهيك عن الفكر نفسه أي فكرتك عن المصطلح، وفي ناس يتعمدون تزوير المصطلح فمثلاً الأنظمة المستبدة يهمها جداً تمييع المصطلحات وتمييع المعاني إلى امور تكون لصالحها فهو يسخّر له طاقات وأدوات لتغيير المصطلح وهذا تاريخياً موجود وليس شيئاً جديداً ، هذا أولاً.
أما ثانياً: إختلاف الثقافات في المجتمع الواحد ولو كان صغيراً مثل البحرين واكبر دليل على ذلك هو اللهجات المختلفة في البحرين والذي هو شيء غريب وأنا لم أكتشف السبب وقد يفيدنا السيد في ذلك، فعندما تعبر الشارع وتذهب إلى الشارع الآخر تجد اللهجات تختلف، فمن أين منشأها ومن أين جاء الإختلاف فيها؟ هذه واحدة من الأمور المهمة التي يجب ان نفكر فيها.
شي ثاني ، الثقافات نفسها، يمكن في البيت الواحد أنا مثلاً كأب لأبناء ومربي إبني على ثقافة معينة يمكن أخاف أن يذهب ليلعب مع أولاد اخي مثلاً لماذا؟ لأن أخي أسلوبه في التربية يختلف عن أسلوبي في التربية، فالثقافة تختلف حتى في البيت الواحد، لكن الشيء الذي رأيته وبصراحة أعجبت به في سفرتي للخارج هو أن الطفل تربيته في البيت هي نفسها في المدرسة ولو يزور أي طفل آخر من أصدقاءه نجد نفس التربية ونفس الاخلاق ، يعني (standard) اي الذي رباهم هو واحد، لا يعيش حالة من التناقض.
يروح المدرسة في تنافضات، لأن هناك مجتمعات جديدة في الصف الواحد، فكر مختلف، وعندما يرجع البيت يجد تناقضات واجد، اي لغة يستخدم، أي لفظ، أي لغة جسد؟ لا يوجد لأنها كلها تناقضات.
فهذه الإختلافات كلها أدت إلى نشوء إختلافات في اللغة وفي التعبير عنها وكلها لها ربط.
تكلمت عن الجذور مالها وعن الإختلافات والمصطلحات نفسها ، والغريب في الأمر كمعجم عربي قرأته هذه المرة، حيث أنه للحين يشتغلون عربي للمصطلحات، آخر واحد كان في قطر في 2013 عملوا إجتماع للمعجم للمصطلحات العربية وكانت هناك محاولات في الخمسينات وصارت محاولات، وأهم هذه المحاولات كانت لواحد أجنبي ألماني مستشرق، هو الذي وضع المصطلحات العربية في معجم (ليبرس) ، فمصطلحاتنا الذي وضعها واحد أجنبي، وهذه واحدة من الأمور التي تجعل المصطلحات مختلف عليها، فهو نظرته إلى المصطلح نفسه وإلى الترجمة بعد ذلك كيف تكون؟ وهو واحد أعتقد في مجمع اللغة العربية أو شهادة الحكام موجود فيها ومن مؤسسيها. فيتراوى لي الترجمة وأصول الكلمة كلها لها ربط والثقافة نفسها لها ربط ، والتربية لها ربط في النقاش وفي طريقة إلقاء الكلمات ، كلها لها ربط.
وهذا ليس بترف فكري وإنما بالعكس نحتاجه ونحتاج جداً إلى صياغة فكر ثقافة مجتمعية بحيث لا تكون طبقة معينة فقط هي التي تنشأ على هذا الفكر أو هذا التوحيد من الثقافة أو المصطلحات أو اللغة ، يجب أن تنشر في المجتمع ويجب إعادة صياغة ثقافة المجتمع وهذا يحتاج إلى عمل جبّار وليس مجموعة أشخاص ولا جمعيات، هو أصلاً مجهود دولة ونحن للأسف الدولة عندنا تعمل ضد هذه المفاهيم، فأنت تسبح في بحر لوحدك.
هذا بشكل عام نظرتي للمصطلحات ، ويبقى تساؤل أخير ، هل من واجب الجميع تعلّم اللغة ومفردات اللغة والمصطلحات وإخراج الحروف؟
هل هي واجب على العامل، هل هي واجب على الخباز، على الحمّال؟ هل هي خاصة بالمثقفين؟
وإذا كان الخباز يتحمل المسؤولية كمثال، فالخباز يبحث عن لقمة عيشه وسوف يقول لك مالي أنا وهذا، أنا جائع وعندما اخرج في ثورة لا تطلب مني أن أتعلم ثقافة واتعلم ما أدري شنو، أنا ثائر وجائع واريد خبزي، أما كيف انفذها وكيف أقول فكر مالي ، هذا مو شغلي. فكيف أستطيع أن احوّل هذا إلى ضرورة عند الفرد ، وبأن هذا أيضاً تحتاجه كما تحتاج الخبز؟
هذا بإعتقادي يحتاج إلى نقاش معمّق وإلى آلية ، وإذا إقتنعنا اليوم بأن هذا ليس بترف وتوصلنا إلى بعض المفاهيم وتوصلنا إلى بعض القناعات فما هي الآلية لنشرها؟

وشكراً ، وسامحوني على الإطالة.

- الأستاذ طلال نبيل:

بسم الله الرحمن الرحيم
أعتقد بأن الدقة في التعبير اللفظي شيء مهم ولكن التقديم عنه وما يعتبر هذا الأهم ، والشخص المتلقي هل هو يعرفك أو لا يعرفك؟ هل يعرف فكرك؟ هذي تفرق بعد، فالذي يعرفني لا أحتاج أن أختار دقة نفس اللي ما يعرفني.
هذه واحدة ، وبما أن الإنسان تميز بالنطق فمو شيء مؤكد أن الدقة في، الإهتمام اللفظي والتعبير اللفظي شيء مهم بعد ، وهذه فكرتي بشكل عام ولن أطيل الكلام، وأختلف مع أبو حسين أن الأولولية تكون لأمور أخرى لأنها المشكلة أصلاً هي ثقافية وليست سياسية.

وشكراً لكم.

- الأستاذ محمد المخوضر :

أتصور أن الفكرة ممكن تحمّل مسؤولية الكلمة بالدرجة الأولى على المرسل والمستقبل كما وصفها أبو حسين، على القائل وعلى المستقبل.
لأن لو نأتي للكلمة نفسها نقول أن فيها مشكلة أو لأنها حمّالة أوجه ففيها مشكلة ، فما عدنا أصدق بيان من القرآن، حتى الآيات عندما نأتي لها فإن التفسيرات تختلف والتأويلات تختلف، وإستخدامات الناس لهذه الآيات أيضاً بها مشكلة ، وهناك آيات إلى اليوم تسبب مشكلة ، فمفردة (العدل) في تعدد الزوجات إلى اليوم ليس لها حد عند الناس ، يمكن أن لها تفسير معين وهذا التفسير واضح إلى العدل ولكن ما زالت الناس تختلف عليها وما زالت تسبب المشاكل وهذا من الآيات البسيطة التي يمكن أن يتفق عليها بسهولة.
الآية نفسها والكلمة نفسها ليس بها مشكلة، وإنما المشكلة في كيفية فهمها.
على مستوى ثاني عندما أريد ان أنقض كلمة معينة ، هذه الكلمة إلى أي مدى أعرف مسؤوليتها ؟ ومثل ما قال الأخ طلال أقدر أقول أن لكل مقام مقال، فأنا عندما أريد أن أتكلم مع شخص بشكل ودّي يختلف عن كلامي بشكل جماهيري ويختلف عن كلمة أكتبها أو ألقيها في لقاء تلفزيوني أو فيديو.
هذه مسؤولية تقع عليّ كمتكلم وتقع عليك كمستمع، فكيف تفهم كلامي وعلى أي أساس تفهم كلامي بشكل إيجابي ، وعلى أي أساس تفهمه بشكل سلبي؟
هل راح تأخذ الكلمة وتفسرها مجرد كمفهوم ، أو لا سوف ترجع إلى قصد الكلمة وما القصد من وراها ، هل راح ترجع إلى خلفيات الكلمة أو راح تفسر الكلمة هذي؟
هل سوف تربط الكلمة بالقائل أو لا سوف تأخذها بشكل مجرد بعيد عن القائل؟
احياناً مثل العبارة، مثل الجملة ممكن أقولها أنا بخلفيات دينية أوسياسية وانت تفهمها بطريقة معينة ويقولها شخص نفس العبارة ونفس الجملة ونفس لغة الجسد ونفس الـ pronounce كامل ، المشكلة لأن هذا عنده خلفيات أخرى دينية وخلفيات سياسية فيفهم الجملة بطريقة مختلفة ، في نفس الجملة ونفس العبارة.
فمسؤولية فهم هذه الكلمة ومسؤولية فهم نطق الكلمة بالنسبة للقائل وبالنسبة للمتلقي أعتقد أنها تحتاج إلى ثقافة معينة من الممكن أن نركز عليها وأن نحاول أن نتفهمها بحيث لا نقع في مثل هذه الإشكاليات ، واتصور من جهة ثانية بأن تحليل هذه الكلمات أو الإستفهام عنها أو البحث عنها قبل الحكم عليها أعتقد راح تخفف بعض من هذه المشاكل.
قد أسمع منك كلمة الآن ولا أتقبلها، ولا أتقبل أن أسمعها حسب فهمي أنا، وأجي أسال أستاذ ماذا تقصد؟ ليش قلت هذي العبارة؟ ممكن توضحها لي ويكون خلاص تنحل الإشكالية وتروح لأن إذا لم تحل هذه الإشكالية قد تسبب لي كارثة بالنسبة لي.
فأعتقد أن هذه جزء من ثقافة نحتاج أن نملكها حتى نستطيع أن نتجاوز الكثير من المشاكل .


- الأستاذ علي أحمد:

بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة مهمة جداً، وأن تعرف معناها أيضاً مهم جداً ، يعني الآن أقرب مثال الواقع السياسي ، هذه الثورة مثلاً ، لما بدأنا هل هي ثورة، هل هي إنتفاضة، واحد يقول جدي و واحد يقول جدي وأصلاً تركنا الثورة في الدوار، في بعض المحطات نترك الثورة أساساً أو سميها ما شئت حراك مثلاً. بس لماذا تركناها، وعلى حساب شنو، على حساب هذه الكلمة ، تعريفها ، ماذا ينطبق عليها وماذا تعني بالضبط؟
قبل الثورة، خلك أنت في حدّية في مكيال أو في جانب معين، قبل الثورة (ممانعة ومسايرة)، دخلوا أكبر رؤوس في التيارات الإسلامية والسياسية على تعريف هذا اللفظ.
يعني تشوف خلقت يمكن حتى أنا قلت لربعي وجماعتي أصلاً تركنا الحراك كامل وتوجهنا إلى ممانعة ومسايرة، وإهانة و خيانة وظلم، هذا واحد
ثانياً: في المجتمع نفسه يعني التعبيرات ممكن أنا أشتمك والأصل أمدحك، روح شوف كرة القدم لما واحد يجيب هدف يقولون له (العن أبوه من هدف) إنزين انت سبيته ، يعني شوف التعابير دقيقة ومهمة وممكن يعني في المجتمع تنتج عنها مشاكل أو تهدم حتى، فتترك أنت القضية الأساسية وتتوجه وتصير عندك القضية هي هذا المصطلح وهذا اللفظ.
حبيت أؤكد على هذا الجانب.

- الشيخ محمود سهلان:
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً: أعتقد نحتاج أن نعرف اللفظ ، وماذا نقصد به وطريقة اللفظ وما فائدة اللفظ علشان ننطقه بطريقة أفضل
التعريف المنطقي للفظ هو : اللفظ هو صوت يشتمل على حروف يؤدي إلى معنى، فما فائدة هذا اللفظ؟
هل هو كلفظ وبس ، أو لا هو في شي ثاني يدل عليه.؟
من الواضح أن اللفظ له دلالة على معنى ومفهوم في ذهن الإنسان ، ومن هنا يأخذ اللفظ أهمية لأنه اصبح مرتبط بمفاهيم، فكيف أتفاهم معك؟
أتفاهم معك عن طريق هذه الألفاظ، وهذه الألفاظ هي التي تنقل المعنى من عندي اليك، وانت تفهم بطريقة وأنا أفهم بطريقة عندما تكلمني كلها معتمدة على هذه الألفاظ.
فدقة اللفظ من هذا المنطلق تكون مهمة للمتلقي و للملقي، فالملقي لازم يحاول أن يكون كلامه دقيق وألفاظه دقيقة حتى يستطيع ان يوصل المعلومة مع مراعاة جانب المتلقي، فعندما أتكلم مع فلان غير لما أتكلم مع فلان، هذا ثقافته غير و فكره غير ومستواه الثقافي وتوجهاته، هذه من جهة.
والمتلقي ايضاً عندما يسمع كلمة، عندما يسمعها مثلاً من عالم دين يستخدم مصطلحات إسلامية، فعالم الدين عندما يقول كلمة يقصد بها شيء ، ولكن نفس الكلمة عندما يقولها فيلسوف فإنه يقصد بها مصطلح ثاني.
واحد مثلاً متخصص في النقد يستخدم نفس الكلمة ولكنه يقصد بها شيء آخر، لهذا يجب ان يكون عندي كمتلقي فهم للطرف الملقي، ماذا يقصد وما هو تخصصه، واي مصطلح يقصد؟
هذه الكلمة إذا كانت مثلاً مشترك لفظي ويستعمل في أكثر من معنى، يجب أن أعرف ماذا يقصد .
بعض الكلمات لها أربعة أو خمسة معاني او أكثر ، لذا يجب ان افهم ماذا يقصد ، أنا عندما أتكلم أحاول أو اوصل إليه المعنى بطريقة بحيث أنه يفهمني ، لأن عندما أتكلم قد لا يكون يعرفني وما هو توجهي، ولا يعرف ماذا أقصد ، ولكن لو قلت هذه الكلمة وحاولت أن أوضحها فممكن يفهم ماذا أقصد.
مو شرط أني أعتمد فقط على المصطلح وبأني أفهم معناه ولكن الطرف الثاني المتلقي يمكن لا يفهمني، يجب عليّ قدر الإمكان أحاول أن أوصل إليه الكلمة والمعنى الذي أقصده.

- الاستاذ محمد سهلان:
بسم الله الرحمن الرحيم
ما قبل الموضوع هناك أمر آخر مهم، كيف نصنع المجتمع القرآني التقي والرحيم والذي يضج بالإختلاف كما هو الحال عندنا بالجلسة؟ عندما اثار الأخ نقطة حول الترف في الموضوع وجميع الحاضرين تقبلوه برحابة صدر ، وتقبلوا هذا الإختلاف وتقبلوا هذه الفكرة .
كيف نجعل مجتمعنا ككل هكذا بهذه الجلسة ، كيف نصنع المجتمع القرآني؟

- الأستاذة ايمان الحبيشي:
بالنسبة إلى الموضوع الذي نتكلم فيه أريد أن أسأل: إلى أي درجة في تعريف أو معرفة عن اللفظ الذي سوف نستخدمه في حواراتنا بحيث لا يؤدي إلى لبس ما بين المتحاورين وإلى درجة كبيرة جداً بحيث يوصلهم إلى ليس فقط مسالة إتفاق وإنما إلى مسألة فهم لبعضهم البعض .
أنا أعتقد في مقابل هذه الحالة نحن نواجه حالة ثانية وهي حالة شيوع بعض المصطلحات والمفردات ، يعني نحن في المجتمع اليوم لدينا مجموعة من المصطلحات ومجموعة من المفردات الشائعة جداً نستخدمها بشكل عدم معرفة حقيقية لهذه المصطلحات.
في الوضع السياسي وفي الوضع الأمني الآن الكل يتكلم عن عملية تجنيس وتوطين، وهذه إختلافات موجودة ، فتحس بأن حتى هذه المصطلحات عندما يكون فيها الكلام تستطيع أن تعرف من خلال هذه اللفظة التي يستخدمها فلان من الناس بأنه يتبنى فكر معين أو ينتمي إلى تيار معين مقابل عندما يستخدم شخص ثاني هذا اللفظ مع أنه يمكن أن يكونوا متشابهتين إلى حد كبير ، فأعتقد أن هناك حالة شيوع في إستخدام المصطلحات ربما عن جهل بحقيقة هذه المصطلحات هي أيضاً عامل من العوامل التي تؤدي إلى عدم فهمنا لبعضنا البعض، لأن أنا إذا أستخدم نفس المصطلح وهو يستخدم نفس المصطلح ونحن الإثنان نستخدمه بطريقة خاطئة ونعتقد بأننا سوف نصل إلى فهم واضح بينما أساس الحوار خاطئ من الأساس.

- السيد محمد العلوي:
بسم الله الرحمن الرحيم ، اللهم صل على محمد وآله الطاهرين.
بداية أذكر شاهد تاريخي فيه إجابة بعض التساؤلات التي طرحت ، قبل تقريباً 700 سنة وفي إشارة مهمة إلى مسألة لغة الجسد، قبل يمكن 700 سنة أعدم الشيخ محمد مكي العاملي، تلميذ العلامة الحلّي، وكتابه (اللمعة الدمشقية) مازال يدرّس في الحوزات إلى اليوم.
أعدم بأمر من المماليك الشراكسة، المماليك أتراك وشراكسة، الدولة الشركسية المملوكية أمرت بإعدامه وإجتمعوا عليه أربعة من علماء المذاهب الحنبلي والشافعي والمالكي والحنفي، أُعدم مع أنه دافع عن نفسه وقُطع رأسه وصُلب وإما حرقت جثته، هذا الكلام قبل 700 سنة، تكلم القضاة وهو تكلم ولغة الجسد كانت حاضرة، أما اليوم أنا أقرأ مفردة فقط ولا أرى لغة جسد في هذه الواقعة التاريخية.
هذه الواقعة التاريخية ينقلها اللسان الشيعي وينقلها أيضاً اللسان المخالف وينقلها لسان المحلل الموضوعي والباحث التاريخي، إذاً هذا الموضوع يصلني بأكثر من لغة وبأكثر من توجيه. أنا ما عندي غير الكلمة التي أعتمد عليها، كلمة هذا وكلمة ذاك .
عرّف الشيخ محمود بتعريف منطقي المراد من الكلمة والتعاريف كثيرة إلى الكلمة ولكن كل هذه التعريفات تجتمع في مفردة مهمة (لفظ لوضع لمعنى)، هذا اللفظ وضع لمعنى فليس من المعقول أن نقول (لا مشاحة في الألفاظ) ، ما يصير، يعني لا يجب أن نتنازع من أجل اللفظ، إذاً كيف أفهم؟ الطريق إلى الفهم هو الإنتقال من اللفظ إلى المعنى الذي وضع من أجله
كثير من البرامج التلفزيونية وخصوصاً في المناظرات بين الشيعة والآخرين يستهلكون شهر كامل في شهر رمضان كانت تذاع في إحدى القنوات الفضائية، يناقشون قضية (العصمة) وهل الرسول صلى الله عليه وآله معصوم أم لا؟
الشيعة يقولون بعصمة الرسول (صلى الله عليه وآله) وهؤلاء أيضاً يقولون بعصمة الرسول ولكن لم يتوصلوا إلى نتيجة لأن مفهوم العصمة عندنا يختلف عن مفهوم العصمة عندهم، فلو كنا من البداية إتفقنا على المفهوم يمكن لم تصل الحلقات إلى 30 حلقة طوال شهر رمضان.
وذكرت الأستاذة ايمان والشيخ محمود وباقي الأخوة أيضاً في مناقشة النقطة التي أثارها الأخ أبو حسين في مسألة أن هناك أمور يبدوا أنها أولى ان تطرح في مثل هذه اللقاءات، طيب مشكلتنا نحن وأزمتنا السياسية منشأها لفظي، قبل 2011، من 2006 ومن بداية هذا العهد الجديد أول المصطلحات التي طرحت هي مصطلحات هي (المسايرة والممانعة)  
ماذا تعني (ممانعة)؟ تعني (ضد )
ماذا تعني (مسايرة)؟ تعني (مع)
فهل هذا معناه فعلاً أم لا؟
تأتي إلى صاحب الممانعة وتجده أصلاً ليس بضد بحسب الواقع وبحسب المدلول اللفظي، فهو ليس بضد وليس بممانع، وتأتي إلى المسايرة تجد صاحبها غير منبطح له ولكن وُظّفت هذه المصطلحات وسببت أزمات لازلنا نعيشها، نعيش مشكلة اللفظ .
قضية (تقرير المصير)، ماذا يعني تقرير المصير؟
مع أن تقرير المصير له شروط وله بنود وله قوانين موجودة في اللائحات عند الأمم المتحدة فهل تنطبق علينا أم لا؟ تعال ناقشها.
عندما إنتشر هذا اللفظ وهذا المصطلح وأخذ مكانه كمصطلح يعني كرسم بأن يكتب شخص بنر ويضع عليه هذا العنوان هل تستطيع أن تراجع؟ لن تستطيع ان تراجع لأن خلاص أصبحت قضية وجود، هذا المصطلح تحول إلى ثقافة وجود وإذا تخلينا عنه وكأننا بعنا قضيتنا وتنازلنا عن قضيتنا مع أن إلى الآن غير محسومة إذا كان هذا مناسب أو غير مناسب مسألة تقرير المصير.
يأتي شخص آخر ويقول، نحن عندما قلنا (تقرير المصير) لم نقصد هذا الموجود لدى الأمم المتحدة وإنما نقصد بأننا نحن من نقرر مصيرنا، وبهذا أصبح اللفظ فضفاضاً وهذا ما يسبب المشاكل، فأنا عندما خرجت مع فعالية تقرير المصير على إعتبار أن المعنى كذا وكذا وكذا والآن تأتيني لتقول لي أن القصد شيء آخر؟ وقس على ذلك ليس الآلاف بل ملايين المصطلحات في الكتب والحياة الإجتماعية والحياة التربوية بيننا.
نحن بالفعل بحاجة إلى مارشال ثقافي، حزمة ثقافية تنتشر في المجتمع بشكل جاد ، كلمة (عطني الزبدة) ما يصير، بالعكس هذه الكلمة التي قلناها وكما أثار الشيخ محمود مسألة مهمة جداً وهي أن الكلمة عندما تقال، إذا كان المتكلم فيلسوف - ربما ولا أستطيع ان أقطع – يقصد منها المعنى الفلسفي، وعندما يتكلم عالم الإجتماع يقصد منها المعنى الإجتماعي، وعندما يقولها السياسي يقصد منها المعنى السياسي، أقول (ربما) ولكن لا أقطع، فواجب المتكلم أن يضع لها هامش تحت كلامه بأني اقصد كذا وكذا وكذا، لأني عندما أكتب مقال أو اكتب كتاب أو القي محاضرة أو اتكلم مع جماعة لا أريد أن أتوّههم وكل واحد يشرّق ويغرّب بفكره، فأنا أريد أيصال الفكرة التي أريدها أنا بالضبط، فإذا قبلها الطرف الثاني فهذا جيد وإذا لم يقبلها فخلافه معي سوف يكون في مكانه الصحيح ولا يتحول إلى ميدان من الصراع اللفظي.
ومن الأشياء التي فعلاً إنتشرت في المجتمع هي كلمة (لا مشاحة في الألفاظ) و (لا مشاحة في المصطلحات) مع أن الفروض أن كل النزاع يجب أن يكون في الألفاظ وفي المصطلحات.
أعتقد أن هذا اللقاء وفي ضمن هذا الموضوع من المفروض أن يستمر لأكثر من جلسة ، وهذا إقتراح إذا يوافق عليه الأخوة والأخوات، وطبعاً المفروض أن عدد الأخوات يكون أكثر من واحدة ولكن كما كان يقول لنا الحارس في السجن (قدّر الله وما شاء فعل) وهي كلمة صحيحة وهذا يعني بأن أقبلوا بالوضع ، وهي أيضاً كلمة يقولها الحارس ويبرر بها أفعاله ، نعم (قدّر الله وما شاء فعل) ولكن بالطبع الإنسان له دخل في الموضوع أيضاً في إتخاذ القرار، فالإنسان مخيّر وليس بمسيّر.
على أية حال، أقترح إذا توافقون أن اللقاءات القادمة نبقى في هذا الموضوع ولكن نتناوله من جوانب أخرى وتكون لدينا توصيات، يعني كل واحد يتحمل مسؤولية تجاه المجتمع فيما يخرج منه به من هذه اللقاءات التي سوف تكون ثاني ليلة سبت من كل شهر.
طبعاً لم ينتهي الكلام بعد، فمن لديه ما يضيف فليتفضل، ومن عنده شيء مهم فليسجله ويطرح سؤاله ، وبالنسبة إلى كلام الأستاذ ياسر (أبو يوسف) قضية قِدَم هذه المسألة يعني مشكلة الألفاظ ومشكلة المصطلحات قديمة قدم الإنسان والصراع فيها ولذلك ينبغي أن نوضح، يعني من يسكن منطقة (مهزة) عندما يتكلم يجب أن يقول بأن هذه الكلمة أقولها واقصد بها كذا وكذا لأن ربما تكون عندي كلمة غلط، وهذا الذي طرحه الأستاذ طلال، يجب أن نراعي من الذي أخاطبه فلا أفرض عليه ثقافتي ولا هو يفرض علي ثقافته ولذلك يجب أن نبين الألفاظ ونبين المصطلحات.


ترقبوا القسم الثاني من التغطية الكاملة لحوار صالون ارتقاء الثقافي .. 


Saturday, September 13, 2014

العِلاقَةُ الزوجِيَّةُ.. عِلاقَةُ جَورٍ وطُغيَان // محمد علي العلوي


لا أتصور علاقة اجتماعية أكثر قداسة وجمالًا وألقًا من العلاقة بين الرجل والمرأة في إطارها الشرعي، والعناوين في هذا الصدد كثيرة قد تحدثت عنها كثيرًا في مقالات ومحاضرات سابقة، غير إنني في هذه السطور أريد عنوانًا آخرًا فَرَضَهُ الإنسانُ مُسْتَجْمِلًا إياه وهو في الحقيقة فأس يفلق هامة القداسة في الحياة الزوجية..
أحتاج لمقدمة بسيطة..
عندما نتحدث عن الحقوق الشرعية للزوج على الزوجة وللزوجة على الزوج، فإنَّ البعضَ.. ورُبَّما الأكثر يراها جمودًا بل وإجحافًا في حق الاثنين وخصوصًا الزوجة، وهذا فهمٌ خطيرٌ قد دفع الناسَ للاجتهاد في قبال النص قفزًا على رُقِّيه وتجاوزًا لرشاقته، وقد انتهتْ اجتهاداتُ الإنسانِ إلى استحداث مفاهيم جديدة ظنًّا منه بأنَّها الضامنة لحياة زوجية سعيدة!
أنتَ لي.. أنتِ مُلكي.. قفص من ذهب.. (مِحْبَسٌ).. وغيرها!
بحسب الموازين الجديدة فإنَّ (الحُبَّ) يُفرَضُ على الزوج للزوجة وعلى الزوجة للزوج، فتتحول العلاقة الزوجية إلى ملكِيَّة (استجدائية تارة وقانونية تارة أخرى) للعواطف والقلوب والعقول والأحاسيس، وهذا أمر يَجِدُّ المجتمع لترسيخه بالذهاب عريضًا في مظاهر الزفاف من حفلات وفساتين ومجوهرات وما نحو ذلك، وكأنَّ الرسالة المضمرة تنطق بحرمة هدم (ذكريات) هذه الليلة (ليلة العمر) بطلاق أو (زواج بثانية) أو ما نحو ذلك!
تحوَّل الأمرُ إلى ثَمَنٍ ومُثْمَنٍ، وبالرغم من ذلك فإنَّ معدلَ الطلاقِ في البحرين بحسب الإحصاءات الأخيرة قد تجاوز الخمسين حالة مقابل كل مئة عقد (نكاح)، وهذا بسبب تحول العلاقة الزوجية إلى جور وطغيان من الزوج ومن الزوجة في حق بعضهما البعض!
حدَّدَ الشارِعُ المقدَّسُ حقوقًا للزوجة على الزوج، وأخرى له عليها، ثُمَّ إنَّ بحِكْمَتِهِ ترك دائرة الشراكة بينهما بيدهما، يُوسِّعانها أو يضيِّقانها، لا بالفرض ولا بالقوانين ولا باستحداث مظاهر متخلفة حدَّ التخمة، ولكن بأدوات (تكوينية) أخرى.
ليس مِنْ حَقِّ الزوجة أنْ تعرف تحركات زوجها ولا علاقاته ولا شيء مِنْ خصوصياته، كما وإنَّه لا حَقَّ له في ملاحقة الهاتف الجوال لزوجته والعبث بأغراضها الخاصة والتجسس على مراسلاتها وما نحو ذلك..
ولكن..
إذا كان منها الحبُّ ومنه المودَّة.. ومنها اللطف والحنان ومنه الرحمة والبسمة..
إذا ما تبادلا الحكمة والعواطف في أجواء من الأدب والأناقة والرقي، فإنَّه وبشكل تلقائي لن يتأخر عن إشراكها في بعض خصوصياته، لا بفرض، ولكن عن محبة ومن إحساس بقربها منه وصدقها في حُبٍّ تصبه عليه برفق وحنان..
وإذا كان ذلك منه، فإنَّها لن تتأخر عن أن تمنحه ما لا يتوقع منها..
هذا هو (الإحسان) الذي طالما تحدث عنه الله تعالى في كتابه العزيز، وهو العطاء الزائد عن الفرض (و(هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ)؟
ولو أن الإنسان يترك الاختيار لإنسانيته دون فروضٍ مُغَلَّفَةٍ بعناوين (بلهاء) وإن بدتْ (مرونقة)، فإنَّه حينها سوف يُبْدِعُ في مشاعره ويتألَّق..
نِسْبَةٌ (ليست بالقليلة) من الرجال لا يتزوجون بثانية.. أتدرون لماذا؟
جوابي: خوفًا من المشاكل!!
أها.. يعني ليس حُبًّا في الأولى التي من المفترض أن تكون قد ملأت قلبه؟!
تقول: يُحَبُّني أم لا.. هذا لا يهم طالما إنَّه (عندي) لا (عند غيري)!!
والله (بكسر الهاء) شَرُّ البلية ما يضحك.. كأنها تتحدث عن (وسادة) أو ربَّما (آي باد)! منطق غاية في (...).
أعي جيِّدًا موقف (نون النسوة) من هذه السطور، فمِنهُنَّ عاجزات عن مجرد التفكير في ما أحاول بيانه هنا، بل هُنَّ لا يردنَ التفكير فيه أصلًا، والسبب أنهنَّ قد استسلمنَ تمامًا لأوهام فرضتها قوانين مصطنعة اختلقها الإنسان بعد أن تحقَّقَ تَخَلُّفُه عن فهمِ ومواكبةِ البريق المفاهيمي الذي جاء به القرآن الكريم في خصوص العلاقة الزوجية..
(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون )..

(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ.   .)


السكن.. المودة.. الرحمة.. اللباس..
هذه كلها فضائل راقية لا يمكن أن يُحَقِّقَها غيرُ الإحسان عقليةً وثقافةً وحِكْمَةً..
يطالب الرجل زوجته بالكثير، فهو يريدها زوجه.. يريدها مربية.. يريدها كلَّ شيء، والويل لها إن قصَّرتْ هنا أو هناك، هذا وهو الذي قلَّما يفكر في تدفئتها بكلمة (أُحِبُّكِ) تخرج من قلبه فتسكن وجدانها، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "قول الرجل للمرأة إني أحبُّك لا يذهب من قلبها أبدًا"..
للأسف.. فقد تعقَّدت العلاقات الزوجية بشكل كبير ربَّما أعجز عن بيانه في مقال، ولكنني أضع بين صفحات قلوبكم نصيحة..
ليس الحبُّ وحدةً سكنيةً تُطلبُ، ولكنَّه إحساس ينبع من عمق القلب فيجري حروفًا على اللسان، فلنتعلم الكفَّ عن طلب (الحبِّ) من الآخرين، ولنُتْقِنَنَّ خلقَه بالإنسانية وما جعل خالِقُها فيها من مودَّةٍ ورحمَةٍ وأدبٍ وحدود..
زوجُكِ ليس ملكك، فكفي عن ملاحقته، وأخرجي نفسك من دائرة (أنا وهي)، فإنَّكِ ولا أحد على وجه البسيطة يتمكن من امتلاك قلبٍ وإنْ حاصرَ الجسدَ وقيَّده بأعراف مختلقة كئيبة..
زوجتُكَ ليست جارية عندك ولا هي من باقي أملاكك، فتوقف عن تعييرها وتهديدها بالزواج من غيرها.. احترم نفسك قبل أن تطلب منها ما لا تستحق..
الحبُّ.. إنه فَنٌّ وجدانيٌّ يصنع المعاجز، فلنتعلمه ونعيش نسائمه..
13 سبتمبر 2014

Friday, September 12, 2014

سلسلة مقالات (1): الثورة الصناعية وتطوّر الإنسان // ز.كاظم



 
في هذه السلسلة الجديدة سأتناول مفصلًا تاريخيًا مهمًا في حياة البشرية عدّه بعض المؤرخين الاقتصاديين من أهم التطورات التي مر بها تاريخ الإنسان بعد الاكتشافات المفصلية في تاريخ الإنسان كـاكتشاف النار وترويض الحيوانات وتدجين النباتات، ألا وهو مفصل الثورة الصناعية. أهمية هذا الموضوع تنبثق من تأثير هذه الثورة الصناعية على جميع مفاصل حياتنا المعاصرة، فنتاجها ليس فقط أدوات وأجهزة ومظاهر، بل ثقافة وفلسفة ونظرة للحياة والوجود واجتماع واقتصاد تم التأسيس لها لتصنع حاضر الشعوب بل ومستقبلهم أيضًا.
 
 

موقفان حدثا في هذا الأسبوع عزّزا لدي أهمية البدء في طرح هذا الموضوع:

الموقف الأول: في بداية هذا الأسبوع، قَدِم على مصنعنا ستة أفراد من شركة خليجية صناعية كبرى للتدقيق -audit- في مستوى الجودة والهدف من ذلك هو جعل مصنعنا أحد المصانع المنتجة لهذه الشركة. تكوّن الطاقم من أربعة شبان خليجيين ومصري وماليزي. كانت إحدى اللفتات المُستغربة لدى الطاقم هي رؤيتهم لأمريكان يعملون أعمالًا


شاقة وتحت ظروف صعبة لم يألفوها في هذه الدولة الخليجية إذ أن العمّال في هذه الدولة غالبيتهم من القارة الهندية. إضافة إلى هذه اللفتة هو كون جزء -ليس بالقليل- من هؤلاء العمّال الأمريكان في الخمسينات والستينات من أعمارهم.


الموقف الثاني: في يوم الجمعة أذهب عادة لتناول وجبة الغداء مع مجموعة من الزملاء الأمريكان، وفي يوم الجمعة (الأمس) كنّا ثلاثة أشخاص، أحدهم في الستين من العمر
وهو مسؤول في قسم الجودة والآخر مهندس في بداية السبعين من عمره. سألتهما عن متى ينويان التقاعد وماذا سيفعلان في تقاعدهما؟
 
كان جواب السبعيني أنه لا يفكر في التقاعد، وكان جوابه وماذا يفعل بالتقاعد! وأما الستيني فكان ينوي التقاعد في السادسة والستين من عمره ليبدأ بعدها بالعمل مستقلًا كمدقق للجودة.
 
أثارا هذان الموقفان الكثير من الأسئلة في ذهني، فبينما الموقف الأول قد أبهر الشبان الخليجيين من هذا الانضباط في العمل وعدم الحرج من أن يقوم مواطن أمريكي مسنّ على العمل ولو كان عملًا بسيطًا لكنه شاقٌ في مكانٍ لا يتوفر فيه أسباب الراحة من مكيّف ومكتب وغيرهما، وكذلك الموقف الثاني من الاستمرار في الحياة العملية حتى لم يعد الأمريكي قادرٌ عن التخلي عنها، إلا أنهما أثارا لديّ بعض الاستفسارات: ولماذا كل ذلك العناء! هل هو حبٌ في العمل والكدح، أم لأسباب أخرى نجهلها!
 
لأعود وأصيغ سؤالي الأخير بصياغة أخرى: هل فعلًا ساهمت الثورة الصناعية في تطوّر الإنسان وراحته؟!
 
فلنبدأ بالحديث عن الثورة الصناعية في هذه السلسلة، علّنا نصل بعدها للجواب على هذا الاستفسارات..
 
مقدمة:
المقصود بالثورة الصناعية هو تحوّل الصناعة وانتشارها من العمل اليدوي إلى استخدام الماكينات والآلات وقد كانت الفترة الزمنية لهذه المرحلة من عام 1760 إلى 1840

ميلادية شهدت فيها أوربا نهضة علمية شاملة في مختلف الميادين كانت السبب في اكتشافات واختراعات مهمة. ظهرت الثورة الصناعية في إنجلترا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر وانتقلت بعد ذلك إلى دول غرب أوربا ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم، وقد كان إنجلترا الدولة الأولى التي ظهرت فيها الثورة لعدة أسباب منها أنها كانت قوية اقتصاديًا وأنها تتوفر على موقع جغرافي هام كما أنها كانت منعزلة عن المشاكل داخلها (ويكيبيديا).
 
ارتبطت بداية الثورة الصناعية بمجموعة من الابتكارات الهامة وهي: صناعة الغزل والنسيج، الطاقة البخارية، وصهر الحديد. تكمن أهمية هذه الابتكارات في كون أن هناك حاجة ماسة لمنتجات تلك الابتكارات على نطاق واسع يفي بحاجات الإنسان.
 
صناعة الغزل والنسيج:
  • ميكانيكية غزل القطن عن طريق الطاقة البخارية أو المائية رفع من ناتج العامل اليدوي بنسبة 1 إلى 1000.
  • استخدام آلة النسيج رفع من إنتاجية العامل مقدار 40 ضعفًا.
  • استخدام آلة القطن لتصفيته من بذوره رفع من الإنتاجية بمقدار 50 ضعفًا.
  • كذلك زادت معدل الإنتاجية للصوف والكتان وليس ليس بمستوى القطن.

عند ملاحظة هذا الابتكار البسيط فإن هناك عدة أمور يجب الالتفات لها بجانب الزيادة المذهلة في الإنتاج والتصنيع بمعدلات مرتفعة، وهذه الجوانب هي:
 
1. تزويد الناس بما يحتاجونه من ملابس بسرعة كبيرة عن العمل اليدوي وبأسعار مقبولة أوجد حاجة لديهم في اقتناء الملابس وشرائها وتغييرها وتجديدها،
 
2. ارتفاع الطلب لهذه المنتجات جعلت من هذه الصناعة مصدرًا للاستهلاك وعليه فإن المستثمرين من أصحاب الأموال جدّوا في بناء المصانع،
3. وبوجود المصانع أدى ذلك لتوظيف أيدي عاملة فيها لكي تشغل هذه الصناعة،
 
4. كل ذلك أدى إلى خلق نمط اقتصادي واجتماعي جديد على ضوء هذا الاختراع الجديد.

سأتطرق في السلسلة القادمة للصناعات الأخرى الأولى التي بدأت في عصر الثورة الصناعة، وبعدها أعرج على التغييرات التي حدث في المجتمعات والدول نتيجة لهذه الثورة، فإلى اللقاء معكم في الحلقة القادمة.
 
 
13 سبتمبر 2014