Friday, November 21, 2014

إحباطُ الأطفال، مقبرةُ ثقتِهم وإبداعِهم // محمود سهلان

 
 
قبلَ أيامٍ قلائل، سَرَدتْ لي إحدى الأمَّهاتِ ما حدثَ لابنتها في المدرسة، وهي في الصَّف الثاني الابتدائي فقط، حيثُ طلبتْ منها معلِّمتها أنْ تكتبَ قصةً قصيرة، وما كان من هذه البنت إلا أنْ قامتْ بالمطلوبِ بمساعدةِ شخصٍ آخر، لكنّ مدرِّستِها لمْ تقبلْ منها ما قدَّمته، وأعطتها درجةَ صفرٍ من العشرة! وذلك بحجَّةِ أنَّها يجبُ أنْ تضيفَ للقصةِ عبائرَ أخرى.
 
أضيفُ إلى ذلك ما كانت تذكره لي الأمُ من بعض تصرفاتِ المدرِّسةِ مع ابنتها، من لومها على ضعفِ لغتها العربية، والحقُّ في تقديري أنّها ليست ضعيفةً، مع العلمِ أنَّ هذه البنت من أصولٍ غير عربية، لذلك فاللّغة العربية ليستْ لغتها الأم كما يعبِّرون.
 
تخيلْ معي تكرّر هذه الدرجة الممنوحة للبنت، وتكرّر وصفها بالضعفِ أو ما شابه، ماذا ستكونُ النتيجة يا ترى؟
 
دونَ أدنى شكٍ لكل هذا انعكاساتٌ سلبيةٌ جدًا على نفسيّتها، فهي تتلقى رسائلًا محبطةً متكررة، ما يهزُّ ثقتَها بنفسِها، وبالتّالي يجعلُها تتراجعُ في مرحلةٍ مّا، بل قد تحملُ معها آثارَهُ السلبيّة حتّى لو كبُرت.
 
تخيّلُوا تكرارَ الحالةِ مع الكثيرِ من أبنائنا، ولا شكَّ أنَّ هناك الكثيرُ منها، فماذا ستكونُ النتائجُ يا ترى؟
 
لا أشكُّ أنّ جيلًا جديدًا سينشأ مصابًا بالكثيرِ من الأمراضِ النفسية، والتي يتصدَّرها ضعفُ الثقِة بالنفسِ لا مَحالة، وغيرها من الأمراض، لذلك فعلى من يمارسُ مهنةَ التدريس أنْ يراعِ طلبته جيدًا، وأنْ لا ينسى أنّه مسؤولٌ عن تربيتهم، ورفعِ درجةِ ثقتِهم بأنفسهم، والمحافظةِ على شخصيّاتِهم ونفسياتِهم، ليكونُوا مشاعلًا مضيأةً في سماءِ المجتمعِ والأمة.
 
ولذلك لا بدَّ للآباءِ والأمهاتِ أنُ يحسنُوا التصرفَ في مثلِ هذه الحالاتِ التي يتعرَّضُ فيها الأبناءُ لمثلِ ما جرى على هذه البنت، وأنْ يعملُوا على تشجيعِهم، ورفعِ مستوياتِهم وقدراتِهم، والارتقاءِ بنفسياتِهم للأفضلِ قدر المستطاع، فما قد تكونُ آثاره اليومَ خافيةً، يتحققُ أثرُهُ ويظهرُ عندما يكبرُ هؤلاءِ الصّغار.
 
طبعًا لا أعمِّمُ ما حصلَ على كلِّ المدرّسينَ والمدرساتِ، فلاحظْ ذلك عزيزي القارئ.
 
 
٢٤ محرم ١٤٣٦ هـ

Friday, November 14, 2014

برودة الجو // ز.كاظم


بسم الله الرحمن الرحيم
 
خرجتُ من المنزل صباحًا متوجًا إلى العمل.. فتحتُ الباب لأتأكد من حرارة الجو، فكان الجو رائعًا فقررتُ أن أترك معطفي في المنزل. لم تمر ساعة واحدة إلا وانخفضت درجة الحرارة بسرعة شديدة مع هبوب رياحٍ شمالية جعلت من الجو باردًا وملبدًا. قال لي أحد الزملاء ألم تتطلع على نشرة الأخبار الجوية البارحة لتأتي هكذا بدون معطف، رددتُ عليه وأنا أرتجف من البرد: لا. 

لم أتحمل برودة الجو، ورجعت للمنزل الذي لا يبعد كثيرًا عن مكان عملي لآخذ معطفي وأرجع مرة ثانية للعمل.
 
في اليوم التالي، كانت درجة الحرارة أقل من ذلك اليوم الذي انخفضت فيه درجة الحرارة بصورة سريعة ومفاجئة، بل وتوالت الأيام وفي كل يوم تكون درجة حرارة الجو أقل من اليوم السابق. ومع أن درجة الحرارة في كل يوم تقل، إلا أنني لم أشعر بتلك البرودة كما شعرتها في اليوم الأول وذلك راجع لتغيّر الجو بصورة سريعة ومفاجئة.
 
اليوم صباحًا علمتُ باستقالة موظفة في الأمس. مضى على هذه الموظفة عدة سنوات في العمل وانتهت -تلك السنوات- بصورة سريعة في اجتماع مع رئيسها وموظفة أخرى كان بينهما خلاف وسوء تفاهم، وأثناء الاجتماع غضبت فأرادت الخروج فقال لها رئيسها إن خروجك سيُعتبر تقديم استقالتك، فخَرجتْ. طبعًا لم يكن أمر استقالتها مفاجئًا لي فكل المؤشرات كانت تدل على أن أمر استقالتها -وغيرها- قادم.
 
كلمتُ رئيسها -وهو مدير تم توظيفه من قبل شهرين يمتلك الكثير من المؤهلات والخبرة في مجال عمله- واستعلمتُ منه تفاصيل ما حدث في الصباح، وبعد الظهر أعطيته رأيي حول الموضوع.
 
إن كان الجو فاجئني بسبب عدم سماعي لأخبار النشرة الجوية فخبر استقالة الموظفة لم يكن مفاجئًا لي.. عدم اطلاعي على نشرة الأخبار لم ينفِ أن هناك مقدمات على تغيّر الجو فهو ما تقوم به جهات الإرصاد الجوي من رصد لرياح بادرة قادمة من الشمال في اتجاهها لمنطقتنا. فالجو لم يتغيّر بصورة مفاجئة وبدون مقدمات إنما هناك حركة جوية طبيعية كانت نتيجتها تغيّر الجو المفاجئ لي. كذلك هو أمر الموظفة الذي كان كل قسمها في حركة دائبة في الأسبوع الماضي بسبب ارتفاع معدل الإنتاجية وقُصر فترة الإنتاج مما دعا بكل القسم لأن يعمل طوال أيام الأسبوع مع عطلة نهاية الأسبوع. وإن لم يكن بالإمكان تغيير حالة الجو، إلا أنه يمكن للفرد أن يتفادى التعرض للبرد ببعض الاستعدادات. أما أمر الموظفة فقد كان يمكن تفاديه لو تم الاستعداد جيدًا. 
 
طبيعة هذا القسم -قسم منتجات النفط والغاز- أن الطلبات تأتي مفاجئة ولكي تفوز بها لا بدّ أن تكون فترة الإنتاج تنافسية وبصورة قياسية فهي في بعض الأحيان تكون خلال يومين. وهذه الحالة مع تدخل قسم المبيعات -السيء- على قسم الإنتاج تولّد حالة من الضغط على جميع أفراد القسم من موظفين وعاملين فترى القسم يعيش حالة من السرعة والعجلة تتخللها الكثير من الأخطاء مع ارتفاع معدّل الضغط النفسي عند العاملين خصوصًا أنهم يعملون لساعات طويلة -12 ساعة- في اليوم. مما زاد الطين بلة أن هناك بعض الموظفين من مهندسين ومشرفين لم يقوموا بأداء مهماتهم بشكل صحيح ومبكر، مما دفع بالمدير العام لأن يتخذ قرارًا كلّفنا تقريبًا خسارة نصف يوم من العمل، وللأسف الشديد عندما واجهت المدير العام بخطأ هذا القرار أخذته العزة بالإثم وألقى بالمسؤولية على عاتق المهندسين.
 
قد يتم تقبّل هذه الحالة من الضغط في العمل لو أنها كانت حالة نادرة، أمّا أن تكون وتيرة العمل هكذا وباستمرار، فهذا مما يدفع بالعاملين والموظفين لأن يعيشوا حالة من الضغط والتي حتمًا ستولّد الانفجار في أي لحظة. هذا التدرج في طبيعة العمل قد يتقبله الموظف لفترة طويلة، لكنه يظل عرضة للانهيار لأنه حتى مع حالة التدرج فإن الضغط مئاله الانفجار.

طبعًا، عندما تتحدث مع مدراء الأقسام الأخرى، فالكل يتحدث عن قيمة العامل والموظف وأنه يجب تطوير كفاءاتهم وتوفير بيئة ملائمة لهم ليحبّوا العمل الذي يقومون به، لكن كل ذلك يغدو هباءً إذا ما لم يتم التخطيط جيدًا والعمل حثيثًا على تطوير مهارات العاملين والموظفين، مع العمل جديًا على توفير بيئة مناسبة للعمل وهذا يتطلب:
 
1) اتخاذ قرارات صعبة تجعل تطوير أداء الموظف والعامل أولوية في العمل،
2) العمل على وضع خطة لتطوير أداء الموظفين والعاملين وتنفيذها،
3) إخضاع الموظفين والعاملين لدورات وورش عمل لتطوير قدراتهم وكفاءاتهم،
4) متابعة تطوّر الموظفين والعاملين متابعة دقيقة،
5) الثناء عليهم وتشجيعهم على أدائهم الجيد والمتميز،
6) إسداء التوجيه اللازم لهم ومساعدتهم حينما يكون الإداء ليس بالمستوى المطلوب،
7) توفير بيئة مناسبة لهم ليمارسوا دورهم بدون ضغوط مستمرة.
 
كل ذلك يتطلب جهودًا حثيثة ومستمرة لوضع خطط وأسس وقواعد وتطبيقات لسير أداء الموظفين والعاملين، وهي عملية صعبة في البداية، لكنها بعد ذلك تُعطي ثمارها وتصبح حالة طبيعية في العمل. هناك بعض المدراء من يدفع بالموظف للعطاء دائمًا لحسن إدارته، وهناك من تكرهه والعمل وكل ما يتعلق بالأداء لتركيزهم على الصغائر من الأمور ولسوء إدارتهم ولعدم امتلاكهم نظرة شاملة بعيدة المدى. لذلك فإن أكثر من يشغل المناصب الإدارية يحتاجون أيضًا لتأهيل وتطوير أيضًا.
 

15 نوفمبر 2014  

المستضعفون في الأرض // إيمان الحبيشي

 
 
على مر الزمان، ومنذ أن خلق الله آدم وحواء واهبًا إياهما قابيل وهابيل، وقصة الظالم والمظلوم، القوي والمستضعف، المعتدي والمعتدى عليه، مستمرة ما استمرت الحياة.
 
ها هي سور القرآن الكريم تمتلئ بقصص الأقوياء والمتجبرين، لا بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل حتى حين يعصف الحب بقلب إنسان، فيحيله لأناني يطلب حبيبه قسرًا، وإلا أودعه السجن زورًا، كزليخة حين تبلّت على نبي من أنبياء الله! 
 
ها هو التاريخ يروي قصص الصراع الطاغي بين الظالم والمظلوم، قصص كانت ولا زالت تقسم الناس لفسطاطين واضحين، فسطاط الأقوياء المتجبرين وفسطاط الأبرياء المستضعفين. وحين نفتش قليلًا فسنجد أن المستضعفين على مر العصور ليسوا من فئة الجبناء ولا المتخاذلين -وإن لم تخلو منهم- فمنها الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين، ورجال شُهد لهم بالفداء والتضحية، ألم يُستضعَف نوح عليه السلام وهو نبي الله من قومه حتى كان مثار سخريتهم؟! ألم يستضعف يوسف عليه السلام حتى أُودع سجنًا؟! ألم يستضعف آل البيت عليهم الله وهم خير خلق الله على الإطلاق؟! حتى سيقت من بلد لبلد زينب عليها السلام حفيدة خير نبي، وسليلة سيدتين من نساء العالمين هما خديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء عليهم السلام، ونوديت بالخارجية؟! حفيدة نبي الاسلام خارجية تساق كما يساق الإماء!! بعد واقعة قتل وحشي لأفراد عائلتها، معهم خير أصحاب للحسين عليه وعليهم السلام.
 
حين تبحر بين طيات الكتب، بعيدًا عن التأريخ الإسلامي، ستجد أن الصراع بين تلكم الطبقتين قد كان موضوعًا شغل الكثير من المفكرين والكتاب منهم كارل ماركس الذي يتحدث عن الصراع الدائم بين طبقات المجتمع محيلًا إياهما في أحايين كثيرة لذات الوصف (الظالم والمظلوم) أو (القوي والمستضعف). وإذا كان كارل ماكس قد تحدث وكتب عن ذلك الصراع ربما بمادية شديدة جازمًا أن سنن التغيير الاجتماعي إنما تعتمد على ذلك الصراع، وتفوّق طبقة مُستضعَفة لتتحول لطبقة مُستضعِفة، فإن التاريخ الإسلامي يحمل بين طياته شبه ثبات بين طبقتين هي طبقة القادرين المتجبرين الظالمين المنبوذين من الله، وطبقة المستضعفين أصحاب القيم والمبادئ الموعودين من الله. يقول عز من قال (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
 
اليوم نحن أكثر أمة تعيش الاستضعاف إن في الواقع الإسلامي العام، أو في الواقع الشيعي الخاص. الشعوب الإسلامية تعيش بين مطرقة الأنظمة العالمية والمحلية المتجبرة، وبين سندان الجماعات المتطرفة. وإن كانت قد ساهمت في استضعاف نفسها على مر العصور، باستسلامها لتلك الأنظمة، وإغراق عقلها في وحل الجهل، فإن الواقع الشيعي واستضعافه مختلف تمامًا، فقد لوحق العلويون وكل من ينتمي لخط الولاء لأهل البيت عليهم السلام، حتى بنيت على أجسادهم قواعد قصور جبابرة أزمنتهم، في توافق تاريخي مع ملاحقة الأئمة من ولد النبي محمد صل الله عليه وآله، وإن اختلفت درجته وكيفيته من إمام لإمام. ألم تنفض عن الإمام عليه علي السلام الأمة رغم وصية الله التي نقلها بكل أمانة رسوله ليتم بها دينه (من كنت مولاه فعلي مولاه)؟ ألم يُدسّ السم للإمام الحسن؟ ألم يُقتل ريحانة رسول الله أبشع قتلة حتى مُثِّل بجسده وسُلبت ثيابه ورُفع رأسه على الرماح مع إخوته وولده وأنصاره؟ ألم تسبى أخته وبنات رسول الله؟ ألم يكبل الإمام علي بن الحسين ليُساق وهو يشتكي العلة أسيرًا؟ ألم يسجن الإمام الكاظم عليه السلام سنوات طوال؟ والأمثلة أكثر من أن أتمكن من سردها..
 
ما أود أن أقوله، أننا اليوم وفي بلدنا الصغير حجمًا، المعقد واقعًا، نعيش ذات الاستضعاف، وإن كنا مطالبين بالعمل على أن نكون أمة قوية قادرة، إلا أننا أيضًا مطالبون أن نحمل بين طيات قلبنا ووعينا الثقة في موقعنا. نحن لم نُستضعف أساسًا لأننا ضعفاء بل لأننا ننتمي لأصحاب المبادئ والقيم والأخلاق الرفيعة. نُستضعف لأننا من فسطاط الموعودين من الله إن شاء الله.
 
نعيش اليوم وجع من فقدناه مقتولًا أبشع قتل، ونُقاسي لوعة فراق الأحبة مطاردين أو معتقلين أو مغربين، ونموت ألف مرة بينما تنتشر في أوساطنا تصويرات التعذيب البشع الممارس على بناتنا وأبنائنا، وتُستَفز غيرتنا بمداهمة البيوت لجر النساء للمعتقلات، وتغتال إنسانيتنا وكرامتنا كل حين، لكن كلمة أراها تشمخ بعمق فؤادي كلما شاهدت وعايشت واقع الاستهداف الموجع، كلمة قالتها السيدة زينب في مجلس يزيد:
 
(أظنَنْتَ يا يزيد حيث أخَذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبَحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هَوانًا وبك عليه كرامة؟! وأنّ ذلك لِعِظَم خَطَرِك عنده! فشَمَختَ بأنفِك، ونظرتَ في عِطفِك.. إلى أن قالت :مهلًا مهلا! أنَسِيتَ قول الله تعالى: ولا يَحسَبنَّ الذين كفروا أنّما نُملي لَهُم خيرٌ لأنفسِهِم، إنّما نُملي لَهُم ليزدادوا إثمًا ولهم عذابٌ مُهين).
 
اليوم وبينما تدخل للمعتقلات أكثر من عشر نساء تضاف لخمس أخريات، وربما كان العدد مرشح للارتفاع لا سمح الله:
(أتظنون أن بنا على الله هوانًا وبهم عليه كرامة؟!)
 
حاشى لله ذلك ..
 
(إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا).


15 نوفمبر 2014

الكرسي أوجب // أم علي

 
 
كلاكيت ١..
 
المشهد الأول..
 
فاجأَتهُ جلطةٌ قلبية وهو يمارس أكثر عاداته إمتاعًا.. الصراخ في وجه موظفيه وهو على كرسي السُّلطة..
وحين جاء الإسعاف لنقله إلى المستشفى وجدوه ميتًا ولم يستطيعوا فكّ يديه المتشبثة بالكرسي!
 
المشهد الثاني..
صديقه الأصدق.. سكرتيره الأول.. ذهب ليقوم بواجب عزاءه وعاد ليحتفل مع أصدقائه باستلامه الكرسي!
 
كلاكيت ٢..
 
المشهد الأخير..
 
أحبها وأحبته.. ولما تزوجا.. تحقق حلمه لا بالزواج منها بل بتسلمه الحُكم ولو على شخصٍ واحد!
 
كلاكيت ٣..
 
المشهد ما قبل الأخير!
 
شخص يُقال عنه مرح.. أخلاقه جميلة.. بسيط جدًا ومحبوب من الجميع.. ولما تمّ اختياره مشرفًا..
أخذته موجة السُّلطة حذفًا ونقلًا وتعديلًا بسبب أو بدون.. وقام بتوجيه دفّة المركب نحو كنزه المفقود ولم يأبه حتى لو غرق المركب بمن فيه!
 
...
 
السُّلطة.. والسّعي إليها بكل الأشكال.. لعنة الكرسي التي تلاحق بني البشر منذ الأزل.. الرغبة في التحكم بالناس وإصدار الأوامر،
متعة العين بنظرات الاحترام النابع من الخوف
علامات مرضٍ يخترق مجتمعاتنا و يتفشى فيها كالسم الزعاف!
 
والعنوان واحد.. إذا استلمت كرسيًّا فلا تسلّمه قبل أن تسلّم روحك.. وعلى هذا قِس الكثير من الأمثلة بدءًا بأولئك الذين تسلّقوا على ظهور غيرهم (وربما جثثهم) حتى وصلوا كراسي السلطة في المجتمع.. مرورًا بالأنموذج الوظيفي وحتى أصغر خلايا المجتمع.. الأسرة!
 
أما الجَزر التابع لهذا المَد.. فهو إنصات وتبعية وقهر ودعاء في ظهر الغيب بردّ الظلم.. أو ثورة غالبًا ما تحرق الكثير من الأشجار قبل أن تصل إليهم!
 
وللحديث بقية ولكن الكرسي أوجب!
 
 
15 نوفمبر 2014

الغيرة المجتمعية // أبو مقداد

 

يُنظمُ الإسلام مهامَ الرَّجل والمرأة، ويوزعُ أدوارهما في الحياة، ولكن لا يمكن أن يأخذَ أحدهما دورَ الآخر، فالمرأة وإن دخلت لسوق العمل، ستظل عاجزةً عن تحمل مسؤولية إدارة الأسرة بمفردها، والرجل مهما صنع سيظل عاجزًا عن تدبير شؤون المنزل في العائلة، ولكل قاعدةٍ استثناءات وهي بعيدة عن مرمى الكلام. و العجز هذا لا يعدُّ نقصًا في طرفٍ من الأطراف إنما هو اختلاف من الطبيعة البشرية والفطرية للجنسين.
 
تُمثل المرأة بالنسبة للرجل عرضه وشرفه، وقد اشتهر العربُ قديمًا ومنذ عصر الجاهلية بغيرتهم الشديدة على نسائهم وأعراضهم، ثم جاء الإسلام ليهذب وينظم هذا الأمر كي لا يتعامل بهِ في الفوضى، فحدد مناطق العورات، وأحكام الزينة والتبرج، وأحكام اللباس، وأحكام من يعتدي على الأعراض، وغيره، ليرسم لنا الخطوط السليمة والواضحة التي تحفظ للمرأة حشمتها، وتحمل الرجل مسؤولية حمايتها وأسلوب ممارسة غيرته عليها، بحيث أن لا تكون دياثةً ولا هوسًا.
 
وبحكم عامل العروبة والإسلام، فالمجتمع العربي المسلم بشكل عام هو أكثر المجتمعات غيرة، وفطرته السليمة تقتضي عليه أن يكون الرجل بالشهامة اللازمة لحماية شرف المرأة، وأن تكون المرأة عفيفةً شريفةً أمام الرجال، والحديث هنا عن الفطرة السليمة. وحتى بعد تطور الزمان وانفتاح المجتمعات على بعضها البعض، وإمكانية الاختلاط أو ضرورته في بعض الأحايين، لم يترك الدين هذه المسائل لفوضى التشخيصات العامة، إنما فرض حدوده وضوابطه وفق هذه الفطرة. وحين نتحدث عن أن الغيرة والشهامة والحمية مسألة من الثوابت، في مجتمعاتنا على الأقل، فهذا يعطينا الفكرة الأولية بأن نحكم على الجميع بأنهم ضمن القاعدة الثابتة، وإن الشواذ لا يمكنهم أن يغيروا ملامح هذه الفطرة ببساطة.
 
الغيرة السلبية والإيجابية:
يظن الكثير أن الغيرة المطلوبة والمستحسنة هي الغيرة المادية والخارجية كأن يغار الرجل على زوجته أو أمه من أن يعرف اسمها أجنبي أو أن تغار المرأة من أن يتزوج الرجل من امرأةٍ أُخرى تشاركها حبها لزوجها، غافلين عن سلوك الغيرة الصحيح، وهو أن يوفر الرجل للمرأة ما تحتاجه منه كزوج من أساسيات الحياة كالحب والأمان والمسكن والطمأنينه والرجولة والعاطفة والنُّصح وباقي الأمور. ثم يحميها من أن تنظر لها بسوء أو تمسها بما يخدش حياءها وعفتها. وأن تغار المرأة على الرجل بأن تعف نفسها عن غيره وأن تؤدي واجباته وتوفر حقوقه بحيث لا تقصر معه في أدائها الزوجي، وعلى المستوى الثاني تكون الغيرة الجسدية والمادية الخارجية.
التركيز على الغيرة السلبية وغض النظر عن الإيجابية هو ما ضيع المعنى الحقيقي والمطلوب من الغيرة، فتجد الرجل يهتم جدًا بمظاهر الغيرة المادية السلبية، وتثور ثائرته بسبب نظر رجلٍ لأخته أو زوجته، بينما يغفل متعمدًا حتى عن أبسط حقوقه كتوفير نفسه ووجوده في المنزل بحجة عدم وجود الداعي!!
 
هذه غيرة، من زاوية أخرى، نشاط المرأة الاجتماعي يحتاج أيضًا لغيرة من نوعٍ مختلف وهي الغيرة المجتمعية، فقد تعمل المرأة، وقد تقود السيارة، وقد تشارك في الأنشطة الاجتماعية، وقد تنخرط في العديد من المجالات، وهذا يُحتِّم على رجال المجتمع أن يتحلّوا بسمات الغيرة هذه. فمثلًا في بعض الأنشطة التي قد تحفها الخطورة، لا ينبغي أن يتركَ الرجلُ المجال للمرأة لأن ترمي نفسها فيه وإن أصرَّت على وجودها في هذه المواقع، فضلًا عن إن دفع الرجالُ عمدًا النساء لهذه المواقع الخطرة، وإن وقع عليها الخطر وأثره، فالرجال هؤلاء طبعًا هم من يتحملون مسؤلية وقوع الخطر عليهم، وهذا لا يغض النظر عن كون مصدر الضرر هو السبب الرئيسي للإضرار بهم، ولكن مصدر الضرر هذا قد لا نتمكن من منعه والتحكم به، بينما الحفاظ على النساء وتحمل مسؤوليتهم هو ما نملكه بيدنا. فلا يصحُّ أن ندفع بهؤلاء النسوة لمواقع الخطر وثم نتَّهم بقية المجتمع بفقدانه للغيرة إن وقع الخطر عليهم. فالغيرة يُسألُ عنها من دفعهم للخطر أولًا، فلا يمكنُ -مثلًا- أن يقدم أحدهم زوجته للحربِ وهي مهمته، وإن أُصيبت أو أُسرت أو قُتلت لامَ المجتمع على عدم فعل شيءٍ ما لتخليصها، فالحرب ليست المكان المناسب لوجودها فيه!!
كذلك فالمجتمع يقع على عاتقه من منطلق الغيرة المجتمعية، أن يرصد ويمنع أي سلوكٍ قد يتحول لظاهرةٍ فاسدة، ومقدمة للانحلال الأخلاقي. فلا يصح أن يستمر الفرد في غض نظره عن توجه فئة ما لإفساد مجتمعه بحجة أن لا دخل لنا في الآخرين، أو أنهم يقبلون على أنفسهم ما يمارسونه فلمَ أعترضُ أنا؟!
إهمال هذا الاهتمام بالصلاح المجتمعي هو تخلٍ عن المسؤولية الأخلاقية وفقدان لهذه الغيرة والحمية على المجتمع قد تنتج منها كوارث لا يمكن تداركها لاحقًا. لذلك فمن المهم جدًا أن نملك حس المسؤولية الأخلاقية تجاه كل السلوكيات المُمَارسَة في المجتمع، نشجع الصالح منها، ونُصلِح الفاسد.
 
تحتاج المجتمعات دائمًا لمراقبة مجتمعية واضحة ودقيقة تقييمية وتصحيحية تحميه من الانزلاق لمثل هذه المنزلقات، وحصد مثل هذه العواقب الوخيمة. ولا بد من الاستفادة من الأخطاء لتقويمها، فهي مسؤوليةٌ تقع على عاتق الجميع، وطبعًا للموضوع جوانب وزوايا عديدة تستحق التطرق لها أيضًا، ولكن نكتفي في هذا المقال بهذا المقدار عسى أن نُوَفَّقُ في المرات القادمة لتناول الموضوع من زوايا مختلفة.
 
 
15 نوفمبر 2014

في رحاب دعاء كميل // أم حسين

 
 
كلمات تندمج معها الحواس  فيتلاشى إحساسها، فيطلق العنان للأرواح فتحلق في رحاب الله، عائدة إلى موطنها الأصيل.
 
تصل إلى باب رحمة الله تقف منبهرة تمجد صفات خالقها العليا وأسمائه الحسنى، تذوب في جماله وكماله تحتار من كل تلك العظمة.
 
(اللهم أني أسالك برحمتك التي وسعت كل شي وبقوتك التي قهرت بها كل شي وخضع لها كل شيء وذل لها كل شيء، وبجبروتك التي غلبت بها كل شيء، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك التي ملأت كل شيء، وبسلطانك الذي علا كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء، وبأسمائك التي ملأت أركان كل شيء، وبعلمك الذي أحاط بكل شيء، وبنور وجهـك الذي أضاء له كل شـيء، يا نور يا قـدوس، يا أول الأوليـن، ويا آخر الآخرين).
 
تحاول التقدم أكثر فجأة تستشعر بثقل كبير، تلتفت وإذا بأغلال ذنوب النفس تلفها من كل جانب ذنوب تثبتها مكانها وتحبسها وأخرى تصنع غمامة ﻻ تستطيع معها الرؤية. فتبحث عن الغفران والنجاة لنفسها، وتطلب لها المغفرة والرحمة، فتبكي وتستنجد
 
(اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم).
وتعترف بذنوب نفسها.. نعم لقد أجرمت ربي فشربت الخمر ولعبت القمار ولهوت فهتكت كل العصم التي منحتها إياها فغفر تلك الذنوب لتعود عصمتها وتمنعها من ارتكاب المعاصي.
 
(اللهم أغفر اللي الذنوب التي تنزل النقم)
ربي تتوالى النقم ولا تتوقف.. فنفسي جائرة متعدية على أوامرك لا رادع لها..
أولم تنتهك عصمتها!!؟
 
فتمردت فنقضت عهدها وأظهرت الفاحشة وكذبت ونسيت وكالت بمكيالين وغفلت عن قول رسول الله صل الله عليه وآله وسلم
 
(ما نقض قوم العهد إلاّ وسلّط الله عليهم عدوهم، وما ظهرت عنهم الفاحشة إلاّ وقد فشا فيهم الموت، وما شاع فيهم الكذب والحكم بغير ما أنزل الله إلاّ وقد فشا فيهم الفقر، وما منعوا الزكاة إلاّ حبس عنهم القطر، وما طفّفوا الكيل إلاّ منعوا النبات واُخذوا بالسنين).
 
ربي.. أعلم أنها لا أستحق فلقد قطعت رحمها وأخرت صلاتها، ولم تغث ملهوف ولم تقم بعبادتها لشكرك ونسيت كلامك (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) فزالت النعم وتغيرت الأحوال. 
 
(فاللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم))
ربي لأي الأمور إليك أشكو ولما منها أضج وأبكي لاليم العذاب وشدته أم لطول البلاء ومدته
 
ترى هل ستسمع دعائي!!؟
أم أنه سيبقى حبيس سوء نيتي، وخبث سريرتي، ونفاقي مع إخواني.
 
(فاغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء)
فإليك يارب نصبت وجهي، وإليك يارب مددت يدي، فبعزتك استجب لي دعائي وبلغني مناي، ولا تقطع من فضلك رجائي، واكفني شـر الجن والإنس من أعدائي، يا سـريع الرضا، اغفـر لمن لا يملك إلا الدعاء، فإنك فعال لما تشـاء، يامن اسـمه دواء، وذكره شفاء، وطاعتـه غنى، ارحـم مـن رأس مالـه الرجـاء، وسـلاحه البكاء، يا سـابغ النـعم، يا دافع النـقم، يا نـور المسـتوحشين في الظلم، يا عالمًا لا يعلم، صل على محمد وآل محمد، وافعل بي ما أنت أهله.


15 نوفمبر 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها(3) - محورية (التبصر) الشيوعي ونظرية (حكم الشعب) // محمد علي العلوي


 
قال البيان:
"والهدفُ الأوَّلُ للشيوعيين هو الهدف نفسه لِكُلِّ الأحزاب البروليتارية الأخرى: تَشَكُّلُ البروليتاريا في طبقة، إسقاط هيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية".

وتظهر بوضوح سخرية المُنَظِّرُون الأوائل للشيوعية من حركات التثقيف والتوعية؛ ففي نظرهم وبحسب بناءاتهم الفكرية، إنَّه لا يمكن لشيءٍ أنْ يصمد أمام قوة الصراع الجوهري الذي تقوم عليه كُلُّ مفردة من مفردات هذا الوجود، وهنا يحتاج المقام إلى توضيح مهم، وهو كالتالي:

• لا يطالب الشيوعيون بالشيوعية، فهم يرونها الحتمية الاستراتيجية الكبرى على طريق مجموعةٍ من الحتميات، ويقوم هذا البناءُ الفكريُّ على أنَّ الديالكتيك هو الحقيقة الأصيلة في جوهر كُلِّ شيءٍ؛ إذ أنَّ الضدَّ يُوجَدُ بوجود ضِدِّه، وبذلك قالوا بأنَّ التطورات والانقلابات، بل وكُلَّ حركة ذهنية أو خارجية، إنَّما هي ناشئة في أصل وجودها منالصراع الجوهري في صميم مطلق الأشياء، وعليه فإنَّهم يذهبون إلى أنَّ كلَّ شيءٍ لا بُدَّ وأنْ يَمُرَّ بثلاث مراحل، هي:

1- مرحلة الإثبات الذاتي.
2- مرحلة النفي بالضد.
3- مرحلة نفي النفي (الوجود الجديد).

وبالبناء على هذه الأسس، يذهب الشيوعيون إلى أنَّه لا طبقة تعيش حقيقة الثورة غير طبقة البروليتاريا، وأمَّا صغار التجار والكسبة والحرفيين، فحربهم ضد البرجوازية إنَّما هي حرب للمحافظة على الوجود الذاتي الخاص، ولن تتحول إلى حرب ثورية ما لم تسقط هذه الطبقة وتتحول إلى بروليتاريا، وهذا ما تُحتِّمه النظرية بمجرد اكتمال المراحل الثلاث في وجود طبقة صغار التجار والحرفيين وكل متوسط بين البرجوازية والبروليتاريا.

إذا اتضح ذلك، فإنَّه الفلسفة في حركة ما أُشِيرَ له في البيان:
"فالشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيدي خواصِ تكوين رأس المال وإنمائه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور، والعمل المأجور يقوم، حصرًا، على المزاحمة بين العُمَّال. وتَقَدُّمُ الصِنَاعَةِ الذي تُشكِّلُ البرجوازية دعامته بلا إرادة منها وبلا مقاومة، يُحِلُّ وحدة العمَّال الثورية عبر الترابط محل انفرادهم الناتج عن تزاحمهم.
وهكذا فإنَّ تطور الصناعة الكبيرة يُزلزِلُ تحت أقدام البرجوازية، الأساسَ الذي تُنتِجُ عليه وتتملَّكُ المنتجات.
إنَّ البرجوازية تُنْتِّجُ، قبل كُلِّ شيءٍ، حفَّاري قبرها. فانهيارها وانتصار البروليتاريا، أمران حتْمِيَّان".

ثمة لفتة مهمَّة جِدًّا في بيان الحزب الشيوعي. يقول في مقام ردِّ تهمة أنَّ الشيوعيين يريدون إلغاء الملكية المكتسبة شخصيًا بجهد فردي:
"ملكية مكتسبة بالجهد والاستحقاق الشخصيين! فهل تتحدثون عن الملكية البرجوازية الصغيرة، والفلَّاحية الصغيرة، التي سبقتْالملكية البرجوازية؟ إنَّنا لسنا بحاجة إلى إلغائِها؛ فإنَّ تطور الصناعة قضى ويقضي عليها يوميًّا.
أم أنَّكم تتحدثون عن الملكية الخاصة للبرجوازية الحديثية؟
ولكن، هل يَخْلُقُ العملُ المأجورُ، أي عملُ البروليتاري، ملكيةً له؟
قطعًا لا.
إنَّه يخلُقُ رأسَ المال، أي الملكية التي تَستَغلُّ العملَ المأجورَ، والتي لا يسعها أن تنمو إلَّا شرط أن تنتج عملًا مأجورًا جديدًا، لتستغله مرةً ثانية".

تؤكد النظرة الشيوعية على أنَّ كلَّ ما هو دون الجبهتين (بروليتاريا وبرجوازية) ليس إلَّا توهمات يحاصر بها البرجوازيون الطبقة المتوسطة من الصغار في الصناعة والحرفة وما نحو ذلك، ومن هذا التأكيد تنتج نظريَّةٌ شيوعية أخرى تظهر في تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية، هي:

الطبقة الأولى: البرجوازية.
الطبقة الثانية: البروليتاريا.
الطبقة الثالثة: الشيوعيون الأوصياء على الحراك الثوري للبروليتاريا.

ومن هذا التقسيم، يقول البيان:
"أمَّا اللومبن بروليتريا (Lumpenproletaria) –وهي طبقة دون أو تحت البروليتاريا- هذا النتن المستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنَّها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة البروليتاريا، لكنَّها بحكم وضعها الحياتي كُلِّه، تصبح أكثر استعدادًا لبيع نفسها لمكائد الرجعية".

فإمَّا أن تكون برجوازيًا مصيرك إلى السحق تحت أقدام البروليتاريا، وإمَّا أن تكون من الثائرين المُمَهِّدِين لحتمية انتصار البروليتاريا، وإمَّا أن تكون ذا مؤهلات خاصة وتَبَصُّرٍ شيوعي لتصبح في طبقة الأوصياء، وإلَّا فأنت: نتن مستسلم حثالة، ومآلك إلا أن تبيع نفسك لمكائد الرجعية!!

تؤكد الشيوعية على أنَّ (ثورة البروليتاريا) هي رهانها الاستراتيجي الذي أخلصت له في صياغة (تكتيكه النضالي)، ومن هنا قال لينين في (كارل ماركس.. سيرة مختصرة وعرض للماركسية): "أمَّا البيان الشيوعي فقد صاغ لتكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: إنهم (أي الشيوعيون) يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة وأهدافها المباشرة، ولكنَّهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة.
ومن أجل هذا، ساند ماركس في 1848 حزب (الثورة الزراعية) –بولونيا- (أي الحزب الذي أثار انتفاضة كراكوفيا في 1846). وفي 1848 – 1849 ساند ماركس في ألمانيا، الديموقراطية الثورية المُتَطَرِّفَةَ، ولم يتراجع قَطُّ عمَّا قاله حينذاك عن التكتيك".

تمتلك الشيوعيةُ قدرةً هائلةً على التبريرات لمصلحة (الثورة)، فكُلُّ شيءٍ يخطيءُ إلا هي، ومن الشواهد، كتب ماركس إلى إنجلز -بحسب لينين، في المصدر السابق-: "إنَّ فشل ثورة 1848 سببه أنَّ البرجوازية كانت قد فضَّلتْ المسالمة مع العبودية على مجرد إمكانية الكفاح في سبيل الحرية"

ثم قال لينين: "وعندما اختتمت مرحلة ثورات 1848-1849، هبَّ ماركس ضد كل محاولة للعب بالثورة (النضال ضد شابر وويليخ) مُصِرًّا على معرفة العمل في المرحلة الجديدة التي تهيء ثورات جديدة تحت ستار (سِلْمٍ) ظاهري".

سؤالان أطرحهما الآن وفي خاتمة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:

بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَالمعصومين (عليهم السلام)؟

هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟

نلتقي في الأسبوع القادم مع الحلقة الرابعة إنْ شاء الله تعالى.


15 نوفمبر 2014