Friday, January 23, 2015

علمٌ بلا استثمار // أبو مقداد

 
 
تمتلئ الدنيا بالعلوم والمعلومات، بحيثُ لو أننا تعلمنا في كل يومٍ كمًّا هائلًا منها، لما نفذت، وما عجزَ نبعُ العلمٍ من تزويدنا منها، و نبقى لم نؤتَ من العلمِ إلا قليلً.. فمِن أول لحظةٍ نولدُ فيها يبدأُ أول يومٍ دراسيٍّ لنا في هذه الدنيا، حتى تبلغ النفس الحلقوم، فإن باب العلم والتعلمِ مفتوحٌ لنا. لكن هذا العلمَ بحرٌ رهوٌ خلف دفائن عقولنا، ونحن نحتاجُ لاستثارته إمّا بواسطِ معلمٍ خارجي، كالكتاب أو الإنسان أو أي طارئ في الحياة، أو بواسطة التعلم الذاتي، كالتفكير والتأمل والتحليل، وووو،،

بديهيًّا لا يمكن التعايش في هذه الحياة من دون أن تتعلم منها، حتى الطفل والمجنون لا بد أن يتعلم ولو بدرجةٍ دنيا كي يتمكن من استمرار حياته حتى يموت. والأعمى مثلًا، لا بد أن يعرف طريقةٍ  تمكنه من معرفة الأشياء عوضًا عن عينه، وإلا فإنه سيظلُّ عاجزًا عن كل شيء يحتاج لعينيه فيه.

نقضي السنين الأولى من حياتنا والتعليم يتركز عندنا في تعلم الفطريات والبديهيات والعادات وما نرثه من بيئتنا الصغيرة في المنزل، كاللغة وطريقة الأكل، وبعض السلوكيات، ومن ثم ننتقلُ للدراسة العلمية، بدءًا إمَّا من رياض الأطفال أو من المدارس، نتعلم فيها الأساسيات العلمية، ثم بتقدم المراحل ندخل في التفاصيل، حتى نتخرجَ من المدارس ونحصل على شهادتنا العلمية الأولى.. ولا نلبث أن نختار لنا تخصصًا للدراسة الأكاديمية، ونحصل من خلالهِ على الشهادة الثانية، التي ستؤهلنا لدخول معترك سوق العمل بواسطتها.. ونبدأ في وظيفةٍ لن نستخدم فيها ٩٠٪ مما درسناه في ١٦ سنة دراسية تقريبًا، فلماذا ندرس؟ أيضًا ومع مشكلة البطالة المتفشية في واقع بلادنا، فإن طوابير العاطلين تكاد تنفجر من الاكتظاظ، وكثيرون ممن توظفوا، يعملون بتخصصاتٍ لا تمتُّ لتخصصاتهم بصلة، فالمهندس قد يعمل سائق حافلة، والمحاسب قد يعمل نادلًا في مطعم، والمدرس قد يعمل موظف استقبال في شركة، وهكذا. فإن كان هذا أحد المصيرين الرائجين في واقعنا، فلماذا ندرس؟! وربما هناك مقدماتٌ أكثر، ستدفعنا لذات السؤال الإستنكاري،، لماذا ندرس؟

أتصور أن الإجابة على هذا السؤال تحتاجُ أن نعود بها للمرحلة الدراسية، بين البيت والمدرسة، أكثر ما نسمعه للتحريض على الدراسةِ (إدرس علشان تنجح) أو (شوف فلان الي مادرس شنو شغلته، تبي تصير مثله)، وحين نصل للمرحلة الجامعية، نجد أنفسنا بلا مقدمات في صراعٍ بين مجموعة تخصصات، لا نعرف ما ذا سنحتار منها، وعلى أي أساس، ولماذا، وكيف وووو.. وأي تخصصٍ  سنختارهُ سنقف معه وقفة تفكير وسؤال عن مدى حاجة سوق العمل لهذا التخصص، وهل سيمكننا من العمل من خلاله بمركزٍ قويٍّ كما نطمح أم لا؟! وقد نختارهُ وإن لم يوافق ميولنا وقدراتنا وإمكانياتنا، فقط لأنهُ تخصصٌ قويٌ في سوقِ العمل!!

هنا أتصورُ مشكلةً ثقافيةً، لا أعلمُ إن كنا ابتكرناها، أم دُبِّرَ لها أن تنتشرَ بيننا، وربما كنت أميلُ للخيار الثاني، ولكن على أية حال، فهي ظاهرةٌ منتشرةٌ أننا ندرسُ لننجح في دراستنا بأي وسيلةٍ ممكنةٍ، كي نتوظفُ كما يريحنا، متجاهلين بشكلٍ كبيرٍ قيمة العلم الذي نحتاجه، والذي يمنحنا من قيمته، مركزين بشدةٍ على المسمى الذي ستمنحنا إياه الشهادة، من قبيل دكتور فلان، والمهندس فلتان، ولا يهم إن تم شراء هذه الشهادة أم غشَّها أم ماذا!!

قد توفرُ لنا الشهادة الوظيفة المريحة، والحالة المادية الجيدة، والمكانة الاجتماعية المرموقة، ولكنها لن تنقذنا من سطوة الجهل، فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟!

نعم، من حق وطموح الإنسان أن يكون له عمله المريح، وأن تكون حالته المادية ميسورة، وأن تكون له وجاهة في مجتمعه، ولكن إن كان هذا الإنسان جاهلًا، فقد يخسر كل شيءٍ يومًا ما، فالإنسانُ الجاهل كائنٌ حيٌ بلا قيمة!!

لذلك ينبغي علينا أن نعرفَ قيمة العلم الذي نكتسبهُ من الدراسة، سواء الأكاديمية أو غيرها، وأن نكونَ طلبة علمٍ جادِّين ومثابرين، لا أن نكون ساعين خلف شهادةٍ ومنصب، فالعلم غايةٌ نصلُ لها، لا وسيلةٌ تُحسنُ وضعنا المعيشي فحسب!

الحديثُ هنا بهدفِ تخريجِ مجتمعٍ متعلمٍ قادرٍ على أن يشكل لنفسه القوة الذاتية والمكانة المُعتبرة، ويساهم في رقي نفسهِ بنفسه فضلًا عن إمكانية أن ينطلق المجتمع لإيجاد فرص عملٍ خاصة بأبنائهِ من خلال تعليم نفسه، ولذلك نلاحظُ أن سياسة التجهيل هي من الأساليب التي نُحارَبُ بها باستمرار!

يهمهم جدًّا أن نكون مجتمعًا جاهلًا، فهل يهمنا أن نكون متعلمين، لا حملة شهادات فقط؟!
أتحدث عن أهمية العلمِ والتعلم، وإمكانية تحويله لقوةٍ جبارةٍ تنهض بنا لتحقيق حلم قد لا نتوقع تحقيقه، هذا لأنه لو احتوى المجتمع المختصين في مجالٍ ما، فبإمكان هؤلاء إن اتحدوا بالشعور بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض، ووظفوا تخصصاتهم واستثمروها، أن تُحلَّ من خلالهم مشاكل عديدة في نفس المجال.

أيضًا، فمن حق هذا العلم علينا أن لا يُختَزل في وظيفةٍ إن وجدت ملَكَته، وإن لم توجَد سيبقى هذا المخزون العلمي يتآكل في العقل حتى ينتهي، فالمجتمع مليءٌ بما يمكن العمل عليه بتوظيف أي تخصص فيه، ونحن حين نمتلك العلم نكون قد امتلكنا مقومات العمل والإنجاز ويبقى علينا أن نكتشف طريق تحويل هذه المقومات لمشاريع على أرض الواقع.

لنكن الأمة التي علمت،، فعملت،، فأنجزَت،، فارتقت.


24 يناير 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (13) - "مناقشات وردود (4) / العقل والتطور والمادة" // محمد علي العلوي

 
 
على صعيد المادة، فإنَّ العالم البشري يشهد قفزات هائلة في مجال التصنيع بمختلف صنوفه وأشكاله، وقد بات من الصعب جدًّا، وربَّما من المستحيل السيطرة على الهيجان العلمي التقني الذي يحاول تجاوز كل شيء، حتى الزمن!

• الشيوعيَّةُ الماركسية والمثالية الهيغلية:
تُرجِعُ الشيوعِيَّةُ هذه النزعة العقلية الإبداعية إلى الجموح البشري البرجوازي، فكُلَّمَا أرادت البرجوازية إحكام سيطرتها، كُلَّمَا توسعت في مصانعها، ولازم ذلك التوفر على عقول إبداعية تفرض التوسع الذي يساوقه ضرورة اتساع سوق المال، وهكذا تدور المعادلة في المجتمع البشري.

من المهُمِّ هنا، ملاحظة الدورين المحوريين في هذه المعادلة، وأقصد بهما: العقول، ورؤوس الأموال، ومن الواضح أنَّ الضرورة التوسعية تربط بينهما ربطًا لا يُتصور انحلاله، فصاحب المال يحتاج لعقول مبدعة، وإذا ما وقعت العقول في هوى المال، فحينها قد قامت الأركان الرئيسية للمعادلة، وبقيت السواعد يشتريها المال، والمستهلك يرجعه لصاحبه.. صاحب رأس المال.

ثَمَّة نظرية أخرى سابقة، وهي خلاصة الفلسفة المثالية التي أبرزها الألماني هيغل تحت عنوان: الديالكتيك، غير إنَّ هيغل يُرجِع التطور في الفكرة البشرية إلى نزعة أصيلة نحو الحرية، ويرى إنَّ الفكرة تولد ويولد معها نقيضها الجزئي أو الكلي، وتلتقيان فتُنتجان فكرة أوسع منهما، فيولد مع هذه الأخيرة نقيضها الكلي أو الجزئي، وهكذا تبقى العملية في توالد حتى يصل المجتمع البشري إلى الحرية الشاملة، وهي مرحلة نهاية التاريخ، ولذلك يرى هيغل بأنَّ كل عهد لا بد أن يكون أفضل من سابقه، فالمجتمع البشري في تطور إيجابي مستمر وبدافع مباشر من نزعة الحرية الأصيلة في الإنسان.

يتعامل الفكر الشيوعي مع معادلة التطور من خلال استراتيجية واضحة قرَّرها في بيانه الرسمي، وهي:
"فقبلًا رأينا أنّ الخطوة الأولى في ثورة العمّال هي ترفيع البروليتاريا إلى طبقة سائدة والفوز بالديمقراطية.

فالبروليتاريا ستستخدم سلطتها السياسية لتَنتَزع من البرجوازية تدريجيًا، رأس المال كله، ولِـتُمركز أدوات الإنتاج كلّها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظَّمة في طبقة سائدة، و لتزيد حجم القوى المنتجة بأقصى سرعة ممكنة.

وفي البداية، لا يمكن حدوث ذلك طبعًا، إلاّ بالانتهاك الاستبدادي لحقّ الملكية ولعلاقات الإنتاج البرجوازية، أي بتدابير تبدو، اقتصاديًا ناقصة وغير مأمونة البقاء، لكنّها تتجاوز نفسها في مجرى الحركة، وهي لا غنى عنها كوسيلة لقلب نمط الإنتاج بأسره."

وهذه الرؤية تُعَدُّ في نظر المُنَظِّر الشيوعي تعديلًا جوهريًا على الديالكتيك الهيغلي، وقد قال كارل ماركس بأنَّه هيغل قد أوقف الديالكتيك على رأسه، وقد قام بتعديله، فهو الآن يقف على رجليه!

* السياسة والرؤى الفلسفية:
تقوم أنظمة الحكم في العالم على عناوين فلسفية دقيقة، ولا أكثر صراحة من كتاب الأمير لمياكافيلي الذي لا يزال مادة أوليَّة رئيسية في البحوث والدراسات لاستراتيجيات الإدارة السياسية، ولا تنحصر الفائدة من هذه الدراسات في أنظمة الحكم الرسمية فحسب، فهي محل اهتمام الأحزاب والتنظيمات بمختلف مستوياتها، ولذلك فنحن نعيش على المستويين الرسمي والمجتمعي تطبيقات لتلك النظريات الفلسفة التي تمر عبر التيارات الفكرية المتمثلة في الأحزاب والتنظيمات بشكل عام، وهذه الأخيرة ليس من الضرورة أن تكون على دراية وإحاطة بالفلسفة التي تقوم عليها، ولكن يكفي أن تكون عليها من حيث لا تعلم.

النتيجة التي أراها، هي إنَّ المجتمعات لا تملك غير الاندماج مع كل ما هو قائم، ما لم تكن لها فلسفتها الخاصة، وما لم تتمكن من فرضها واقعًا وحقيقة، ونحن كمسلمين نعتقد بأنَّ للثقلين المقدسين (الكتاب والعترة) المحورية في كل نظرية سياسية أو اجتماعية أو تربوية أو غير ذلك، وعلى مستوى النظر نعي باستحالة التصادم بين الثقلين وبين الرؤية العلمية الصحيحة في أيِّ مجال من المجالات.

مثلًا:
عندما نأتي للتعاطي في الشأن السياسي، فنحن نرتكز على قول الله سبحانه وتعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، والروايات الواردة في خصوص الظهور المقدس للإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه)، وبهذا الارتكاز نعلم إجمالًا بأنَّ مسؤولية الإصلاح والتغيير لا نتحملها بشكل كامل كما يذهب إليه الشيوعي أو الهيغلي، فهناك قوة أخرى نؤمن بها تمامًا سوف تقوم بمهمَّة الحسم في الوقت المناسب، ثُمَّ إنَّنا نرجع إلى الآيات والأحاديث لنرسم الاستراتيجيات التي ينبغي علينا تفعيلها على هذا الطريق.

وبالنسبة لما نحن فيه، فإذا كان الشيوعي يرى حتمية الصراع ويحمل نفسه الدفع في اتجاه تأجيجه كمقدمة وجودية لتلاشي الطبقات وبالتالي انتشار السلام، وإذا كان هيغل على طبيعية الحركة البشرية وإنَّ الحريَّة الكاملة قادمة لا محالة، فنحن في الإسلام ننطلق في إعمالنا الفكري من قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

نعتقد بأنَّ هذه الدنيا دارُ عداوةٍ وشحناء، وهذه الحالة نتيجة لمعصية الإنسان التي أخرجته من جَنَّةِ أُبيحت له تفضلًا من الله سبحانه وتعالى، غير إنَّ مطبَّ الدنيا مخصوص لمن أراد الوقوع فيه، وأمَّا طريق النجاة فمتاح لمن يتَّبِعَ سبيل الصالحين، وهو (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، ومن يتَّخِذ هذا السبيل كان عليه التركيز على صيانة نفسه والمحافظة عليها من حبائل الشيطان الذي لا ينفك مجتهدًا لجر الناس نحو هاوية الدنيا، وتأتي هذه الصيانة على طريق انتظار الفرج المكتوب على يد الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "المهدِيُّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقًا وخُلُقًا. تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يُقبِلُ كالشهاب الثاقب، فيملأها قسطًا وعدلًا، كما مُلِئت ظلمًا وجورًا".

كما ونعتقد بأنَّ هذا الظلم والجور لا يكون بالقتل وسفك الدماء فقط، ولكنَّ الأصعب والأكثر خطورة، هو الظلم والجور بانقلاب الخير شرًّا والشرِّ خيرًا، وبأن ترى الناس المنكر معروفًا فتعمل به، والمعروف منكرًا فتنتهي وتنهى عنه، فقد قال (صلى الله عليه وآله): "يأْتي على النَّاسِ زَمَانٌ يَذُوبُ فيهِ قَلبُ الْمُؤمِنِ كما يَذوبُ المِلحُ فِي الماءِ. قِيلَ: مِمَّ ذَاكَ؟، قَالَ: مِمَّا يَرَى مِنَ المُنكَرِ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ".

ولذلك، فإنَّ الصراعات والنزاعات ليست من الأمور التي يُفرضُ على الإنسان خوضها والتفاعل معها بما يُحَقِّقُ تلاشي الطبقات فالحرية والسلام كما تذهب إليه الشيوعيَّة، ولا القضية قضية تطور ديالكتيكي مستمر نحو الحرية الشاملة كما يرى هيغل.

نعتقد بقوة الإنسان الكافية والتي تؤهله لاتخاذ القرار الذي توصله إليه منظومته الثقافية والفكرية (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً)، وهو في هذه أمام خيارين لا ثالث لهما:

الأول: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)
الثاني: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)

ومن خلال هذه الأسس الأصيلة في العقيدة الإسلامية، ينطلق الإنسان في تعاطياته مع المجتمع البشري، وتحديدًا بالبناء على (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ)، فصلاح المجتمع في نظر العقيدة الإسلامية جزاءٌ لشرط إصلاح النفس المجتمعية، وبالتالي فإنَّ الاقتصاد وآلة الانتاج في الفلسفة الشيوعية، والتطور الديالكتيكي عند هيغل، كُلُّه متوقِّفٌ على قوة العقل وخياراته، وأيُّ انجراف مع التيارات الفلسفية المنتقضة قرآنيًا وعترويًا فهو اتباع للسبل المقابلة للصراط المقرر في كتاب الله تعالى.

يبقى سؤالان أطرحهُما الآن وفي خاتِمَة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:

بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَ المعصومين (عليهم السلام)؟

هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟

نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى..


25 يناير 2015

المسافة بين الخلاف والاختلاف // محمد يوسف العرادي

 
 
هناك فرقٌ بين أن تكون مختلف وبين أن تكون مخالف، فالأولى تعني حسب معاجم اللغة تضارب في الرأي، انعدام الاتفاق، بينما جاء معنى الخلاف بمعنى النزاع والخصومة، وخالفه في الرأي عاكسه أي أتى برأي معاكس لرأيه، عارضه. هناك الكثير من التقابل والتضاد بين الكلمتين. ليس الاختلاف والخلاف وليد اللحظة فقد شهد التاريخ أبشع صور الخلاف عندما أقدم قابيل بقتل أخيه هابيل، ليكون شاهد على العصور وليحكي دموية بشعة من صور الخلاف والنزاع، قال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ • لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ • إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ • فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)

لماذا يتحول الاختلاف إلى خلاف ونزاع ؟
لماذا يجنح أحد أطراف الحوار لاستخدام العنف باللسان واليد؟ هل من ضعف في الثقافة أم وهن في الدين؟ أسئلة كثيرة تقفز للأذهان لتبحث عن أسئلة تفسيرية عن سبب هذا الخلاف والنزاع.

إن البحث عن أسباب هذه الظاهرة يحتاج لنظرة تحليلية عميقة تتلمس المشكلة بلمسات سيكولوجية.. في الحقيقة لو تتبعنا أكثر النقاشات التي مآلها النزاع سنجدها نزاعات لا تقوم على الدليل والبرهان فمعظمها وجهات نظر شخصية ينتصر لها كل طرف على الطرف الآخر خدمة لإيديولوجيته التي تحتمل الصواب وتحتمل الخطأ، ولكنها تتحول وقت النقاش  لنواميس لا تقبل الخطأ. وعندما يطرح الطرف الآخر ما يدحض هذا الرأي يكون قد اخترق الخطوط الحمراء فيتحول الاختلاف الذي لا يفسد للود قضية إلى خلاف دموي أبسطه التقاذف بالشتائم أو ربما الأحذية أو الطاولات كما نشاهد في بعض البرامج التلفزيونية العقيمة.

ومن جانب آخر يتعلق بالاعتقادات والأيديولوجيات فهناك من يستميت في الدفاع عن أفكار الجماعة، فهو الحارس لتلك الأفكار حتى لو كانت أفكار مغلوطة، كحارس مستودع ذخيرة صُنع لدمار البشرية، وهي نفس فكرة غوستاف لبون في كتابه (سيكولوجيا الجماهير) عندما جعل الإنسان مسلوب الإرادة والخصوصية الفكرية بمجرد انخراطه في الجماعة فإنه يسلمها عقله. وبغض النظر عن صدق هذه الفكرة من عدمها فهي تحمل جانب من الصواب، فهناك مَن يُحارب الآخرين لأنه عُبّأ تعبئة محكمة ضد أفكار الطرف الآخر، فلا يحمل الأفكار المنطقية وإنما يحمل أسلحة التسقيط والإخراج من الملة.

هل الاختلاف مذموم أم أنه من سَنَن الكون؟ ماذا لو كان كل الناس متوافقين في الآراء والمواقف؟ النتيجة لن يكون هناك ثواب ولا عقاب، إذًا بالتالي ستسود العبثية فلا جنة ولا نار، يقول تعالى في سورة هود (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ • إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).

لماذا لا يلتزم كل طرف بآداب الاختلاف؟ لماذا لا يكون هناك التزام بقاعدة كلامك صحيح يحتمل الخطأ، وكلامي خطأ يحتمل الصواب؟ لماذا نستهزأ بأفكار الآخرين بحجة أنه غرد خارج سرب الجماعة وشذ عن المتعارف عليه؟ لماذا لا ننظر إلى ما قال ونشغل أنفسنا بشخص مَن قال؟ لا يعرف الحق بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. إن مصادرة آراء الغير من غير دليل عقلي ونقلي يعتبر إرهاب فكري، ولا إرهاب في الإسلام. لماذا عندما يطرح العالم أفكاره يعتبره من المسلمات وأفكار غيره شواذ وتطرف؟ نحن بحاجة لمراجعة أسلوب طرحنا للأفكار قبل مناقشة صحتها، فالكلمة الطيبة صدقة.


25 يناير 2015

مَن يصنعنا؟ // أم علي

 
 
الأطفال يتعلمون الصدق والأمانة شيئًا فشيئًا إذا كان المحيطون بهم يراعون الصدق في أقوالهم. إذا نشأ الطفل في بيئة تتصف بالخداع فأغلب الظن أنه سيتعلم نفس الاتجاهات السلوكية في مواجهة الحياة وتحقيق أهدافه. إتقان الكذب وامتهانه ضرر للنفس، قال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم (عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا).
 
خلقنا كي نرصد المحيطين بنا، ننظر للأجساد وتضاريسها ودواخلها، نبحث عن الخوافي وبواطن الأسرار، تلك هي سنة الحياة.. نحن مسئولون عن تصرفاتنا فإن كنا واضحين مع ذواتنا أولًا ثم مع المحيطين بنا، تكن حياتنا هانئة لا يشوبها أي زيف. أن تكذب على نفسك، أن ترسم لنفسك خيالات لا نهاية لها تلك مصيبة عظمى. لا تكن في ذهن غيرك عدوًا لا أمان منه ولا أمل في العيش بالاستقرار بجانبه.
 
احذر من عري عيوبك، حينها ستشعر حتمًا بأن حقيقتك المرة ستصيبك في مقتل. النفس بطبعها لا تطيق الضغائن والمكائد. كذبك على نفسك مدعاة لسيطرة الكذب عليك. كن صادقًا مع نفسك يكن الصدق سلوكًا وغاية في حياتك. التبدل والتشكل في الأفكار والغايات دليل عدم ثبات. الهروب من مصارحة النفس بحقيقتها برهان جهالة. صورتك المشوهة في أذهان الآخرين لا بد أن تكون إشارة لتصحيح المسار، للذهاب إلى الحقيقة ولو للحظات معدودة.
 
ليس للكمال علاقة بطبيعتنا البشرية، كل فرد منا خليط من الحسنات والسيئات. أنت كتلة من الأخطاء والمزايا يجتمع فيك الخير والشر. بداخلك صراع بين اتباع الهوى وتتبع البصيرية. الحقائق هي الأبقى والأصلح. اللهث خلف التصنع لا يفيدك بشيء. كن أنت كما تكن. عليك بالوضوح مع ذاتك أولًا حتى تكون صورتك حلوة الطعم والمشهد في عين غيرك. اصنع لذاتك عالمًا جميلًا تنعم فيه براحة النفس والطمأنينة. احمل الصدق لغيرك تكن الحياة واضحة أمامك. غموض ذاتك لغيرك معضلة هوجاء لا بد من تجاوزها قبل فوات الأوان.
 
الكاذبون سماتهم معروفة وهم بيننا أينما توجهنا، وقد وجد العلماء أن هناك تغيرات تحدث للصوت أثناء الكذب إذ صمموا برنامجَ كمبيوتر لتحليل الترددات الصوتية ولاحظوا بأن الإنسان بمجرد أن يبدأ بالكذب فإن انحناءً بسيطًا يحدث في المنحنى البياني الخاص بصوته، وهذا ما أخبر الله به حبيبه محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم عن أولئك المنافقين الذي يقولون عكس ما في قلوبهم: (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ).
 
قرر أيهما تكون أنت.. أتريد أن تكون شخصًا منبوذًا يحلو للآخرين إبقاءه في الصف الأخير، أم أن تصل للأمام وتكون في لب قلوب من يحيط بك. واجه حقيقتك التي لا بد أن تصل إليها وتعرف بالضبط أي شخص أنت؟.
 
خارج الحدود
• الصديق مفردة وثيقة الصلة بالصدق أليس كذلك؟ أي نوع من الأصدقاء نتعايش معهم في زمن أصبح فيه الزيف السمة الأولى لكل شيء.
 
• من لا يراعي الآخرين لا يستحق الحياة ولا يمكن أن يجد من يقدم له التقدير كما يستحق.
 
• لا تنظر للآخرين من برج عاج.. العلو مهانة للنفس.. الكبر بوابة للضلال.. تصغير الأشياء يخفي حقيقتها عن عينك.
 
• تفاءل.. التشاؤم لا يسرك.. ابتسم حتى وإن كانت الدنيا في عينك عابسة المعالم.. اياك والعيش في ضيق النفس والكدر فهما أول الطريق لعالم الجنون.
 
 
24 يناير 2015

تسعُ سنوات بطالة // إيمان الحبيشي

 
 
منذ نعومة أظفاري، وأنا أسمع عن بطالة أبناء وطني، بل وصعوبة التحاقهم بالتعليم الجامعي، وشاء الله أن أصل للمرحلة الجامعية مع الإنفراجة الألفية، لألتحق مع عدد كبير من أبناء جيلي بالتعليم الجامعي، ظننت وظنوا أننا سنشهد واقعًا مختلفًا، فاجتهدنا في دراستنا وحلمنا أن نكون نحن، القوة البشرية التي ستنهض على أكتافها الأرض والإنسانية في مجتمعنا. لكن ما حصل أننا صرنا الجيل الذي اغتليت أحلامه بشكل أبشع وأقوى، فمن جبل توقعات عالية وقعنا لواد ظلم سحيق، ليس على المستوى العملي فحسب، بل على مختلف المستويات التي نقلتنا من الإنفراجة في بداية الألفية إلى ثورة اللؤلؤ بعد نحو عقد من الزمان!
 
تعتبر البطالة حالة طبيعية في كل المجتمعات، ويسمى المبتلى بها (عاطلًا)، تعرفه منظمة العمل الدولية كما يلي:
"العاطل عن العمــل هو ذلك الفرد الذي يكون فوق سن معينة بلا عمل وهو قادر على العمل وراغب فيه ويبحث عنه عند مستوى أجر سائد لكنه لا يجده".
أقول إن وجود البطالة في أي مجتمع أمر طبيعي، ذلك أن عملية إمداد سوق العمل بالأيدي العاملة يحتاج لبعض الوقت، كما إن تنقل الأيدي العاملة من مؤسسة لأخرى، وعملية فتح وإغلاق مؤسسات عمل، تؤدي بطبيعة الحال لنسب بطالة. لكن الغريب أن تكون نسبة البطالة في ارتفاع، ويعانيها أصحاب المؤهلات والكفاءات، في مجتمع يعيش طفرات اقتصادية وعمرانية كما عاش مجتمعنا. تلك جنبة نعرف جميعا أسبابها وهو حديث ذو شجون، السؤال الذي أود طرحه هو: كيف يستثمر مجتمع كمجتمعنا قوة بشرية فتية هي فئة العاطلين عن عمل؟ وكيف يستنقذهم من براثن الإحباط واليأس لينقلهم لمتعة الإنجاز والعطاء؟
 
ربما أخطأنا ونخطئ حين نقرر خوض غمار مجال علمي من أجل وظيفة محددة، فأجتهد للحصول على شهادة بكالوريوس التربية الرياضية لأكون معلمًا، وحين تلفظني وزارة التربية أكون إنسان ليس ذو جدوى، أو أقبل بعمل يمكنني من تحصيل لقمة عيشي فحسب، فأخسر إبداعاتي ويخسر المجتمع كفاءتي. ومع هاتين الخسارتين يفقد الإنسان الكثير من الحماس والقدرة على العطاء في مرحلة العمر التي يفترض أن تكون هي المرحلة الأكثر لمعانًا والأحلى رونقًا والأشد عطاءً، فهل يمتلك مجتمعنا مقومات تعينه على استثمار قدرات شبابه؟ كأن تستنقذ مؤسسات المجتمع المدني الاجتماعية والاقتصادية الربحية والغير ربحية علم هذا الشاب فتوظفه لتشغيل ناد رياضي يعنى بجانب اللياقة والترفيه للأيتام مثلًا مقابل مبالغ رمزية تؤمنها أسر هؤلاء الأيتام أو المؤسسات الداعمة لهم؟ فنضرب عدة عصافير بحجر واحد:
١/ نؤمن حياة كريمة لإنسان عبر فتح مصدر رزق له فاتحين المجال له ليبدع في مجال عمله.
٢/ نمارس عملية تثقيف صحية تعتمد على الاهتمام بالجانب الرياضي المهمل في مجتمعنا.
٣/ تحقيق علاقات اجتماعية داخلية صحية.
٤/ بالتأكيد فإن فتح ناد صحي مثلًا أو حلقات تُعنى بالجانب الرياضي سيفتح الأبواب للحاجة لأيدي عاملة تضاف للمستهدف الأول فنكون قد أمنَّا مصدر رزق لعدد آخر من أبناء المجتمع.
٥/ لبعض الفئات الاجتماعية كالفئة المذكورة في المثال حق اجتماعي يتحقق جزء منه عبر الاهتمام بجانب اللياقة البدنية مُشرِّعًا الأبواب للاهتمام بجوانب أخرى كالصحة النفسية والأسرية والاجتماعية ومُشرِّعًا الأبواب أمام مشاريع أخرى ترفع من الحالة الثقافية والاقتصادية للمجتمع.
٦/ لا يخفى على أحد مدى العطاء الذي قد يحققه أفراد مجتمع يشعرون إن مجتمعهم دائمًا ما يمد العون لهم ويحيط بهم ويدعمهم.
٧/ فتح أبواب هذه المشاريع لاستقطاب القادرين والراغبين في العمل التطوعي وهو ما قد يكون مكانًا لمعرفة حاجات المجتمع الحقيقية توفر لأفراده معرفة دقيقة بالعلم الذي يجب أن يتخصصوا فيه ويتزودوا به من أجل المساهمة الفعالة في تقدم المجتمع.
 
ما ذكرته أعلاه مجرد مثال للتخلص من حالة تتربص بنا نحن الشباب الذين لم نشعر يومًا بأننا فئة تلقى الاهتمام من المجتمع فانزوى كثيرٌ منا في حياته الخاصة منعزلًا عن حاجة المجتمع إليه رجلًا كان أو امرأة.
كما فعلت تسع سنوات عجاف قضيتها وآخرون من أبناء جيلي ونحن نبحث عن فرص لتحقيق ذواتنا وتفريغ قدراتنا، فنجح بعضنا وانغلق بعضنا وفقد كثير منا قدرته على العطاء حتى صار جاهلًا بأنه يمتلك هذه القدرة أصلًا!
 
ليست الطامة في أن مجتمعنا وعبر مؤسساته المدنية لم يمدد يد العون لنا نحن الشباب ليعيننا ونعينه على التقدم، بل الطامة الكبرى كانت في أن هذه المؤسسات أصلًا ساهمت في إضعاف وتنحية إبداعاتنا عبر عوامل فساد وجدتُها واضحة في مختلف المؤسسات، أذكر منها على سبيل المثال:
١/ توظيف الكفاءات لا على حسب المؤهلات واجتياز الاختبارات بل وفق مبدأ مقيت هو المحسوبيات.
٢/ وجود نسبة بطالة مقنعة تنهش في إمكانيات تلك المؤسسات لتحولها من مؤسسات منتجة لمؤسسات عاجزة نتيجة عدم الجرأة في التخلص أو تأهيل تلك الشريحة التي تعمل ولا تعمل ضمن هذه المؤسسات.
٣/ تشبث إدارات بعض هذه المؤسسات بمنصبها وصلاحياتها حتى بعد أن بلغ بها الكبر عتيًا مما يؤدي لتقليص صلاحيات ومجالات إبداع الدماء الجديدة التي التحقت أو يجب أن تلتحق بهذه المؤسسات.
 
أقول إننا مجتمع يوجد بين ظهرانينا فئات محرومة من القدرة على الإبداع لأسباب طائفية وسياسية، فئات تحتاج للاحتضان ويجب أن تحتضن لا لأسباب اجتماعية ودينية وإن كانت هذه الأسباب جديرة بالأخذ بالاعتبار لكن لا بد أن تحتضن لأن المجتمع يحتاجها أكثر من أي شئ آخر.
 
 
24 يناير 2015

مواجهةُ الظروف من أجل العلم // محمود سهلان

 
 
نتعرّض أحيانًا لبعض الظّروف القاسية أفرادًا وجماعات، خصوصًا في الجانب المعيشي على المستوى الفردي، وجانب ضيقِ الوقت وفرص الالتقاء على مستوى المجموع، فتشكِّل هذه الظّروف عائقًا أمامنا، ونواجهها بطرقٍ وحالاتٍ مختلفةٍ فنقف أمامها بحيرةٍ أحيانًا، وبيأسٍ أخرى، وبهمَّةٍ وعزمٍ في غيرها، ولكلِّ ما نواجه الظروفَ به نتائجَه الخاصّة، فنفشل مرّةً، وننجح أخرى.
 
قد يستسلمُ بعضنا للظروف ويقف يائسًا أمامها، فترى من لديه الكثيرَ من مقومات الارتقاء والنجاح والإبداع جامدًا مكانه أمامها، فبسبب الفقر أو غيره تراهُ يتوقّف عن طلب العلمِ مثلًا، بل أنَّ بعضَ من يتعلَّم يجعل دراسته طريقًا للمعيشةِ فقط، فيبتعدُ بالعلمِ عن مساره ـ اللّذيذ الممتع ـ المطلوب، فيحدُّ من تلك اللّذة والنّشوة التي يجلبها العلم، ويقيد إبداعه وتقدمه لوهمٍ يسيطر على الكثيرين، خوفًا على الرِّزق والمعيشة، بينما يحدِّثنا أميرُ المؤمنين عن الرِّزق فيقول أنّه مقسوم.
 
البعضُ قد يتكاسل في طلب العلم، فهو يعرف أهميَّته، ويتمكّن من كسبه، ولو بالقراءة والمطالعة، والاستماع للدروس والمحاضرات، ومشاهدة الأفلام العلمية والوثائقية، فيعطِّلُ عقله مصطنعًا الكثير من الأسباب، وعلى رأسها: أنّه لا يملكُ وقتًا للقراءة، والمطالعة! بينما نراه يجد وقتًا لكلِّ شيء، حتى لو كان ـ الشيء ـ تافهًا.
 
انظر للمثال التالي:
مجموعةٌ من أفراد المجتمع العاملين، أرادوا أنْ يتعلّموا بعض العلوم التي وجدوها مهمَّةً بالنّسبة لهم كمجموعة، ورغم الظروف والصعوبات التي واجهتهم، ولا تزال تواجههم، فإنّهم ابتكروا لهم طريقًا لذلك، فقبل أيامٍ فقط قرَّروا أنْ يدرسوا عن طريق الواتس أب، وبطريقة جميلة وحيوية جدًا، وقد لمسوا لذَّة كبيرةً فعلًا.
 
والمثال الآخر على المستوى الفردي:
كثيرًا ما نجد بعض أفرادِ مجتمعاتنا يعملون ويدرسون في ذاتِ الوقت، بل ويُضيفُون أمورًا أخرى لحياتهم، وهذا مثالٌ متكرر.
 
الآن.. بعض الظّروف قاهرةٌ حقيقة، فلا مجال للخروج منها بشكلٍ تام، فمَن يقع فيها فهو معذور، ولكنّها قليلة، وبعضها الآخر ليس قاهرًا في الحقيقة، إنّما نحن نتوَّهم قاهريَّتها، فقد تكون صعبةً أحيانًا، لكنّ سبل التّغلب عليها موجودة، فلا ينبغي أنْ نرضخَ لأوهامنا، وما أكثرها.
 
إذن فالمطلوب منا دراسة الظّروف بعقلانيةٍ ووعي، وتخليصها من الأوهام والزّوائد، ثم نحاول أنْ نجدَ طريقًا لنقارعها ونصل لمطلوبنا، بدلًا من التّكاسل واليأس، ولا بد من نتيجةٍ لسعينا في النّهاية، وإنْ لم تكن على المدى القريب فعلى المدى البعيد.
 
كذلك، فالمطلوبُ من العوائل، ومؤسّسات المجتمع أن تعمل على مواجهة الظّروف التي تحيط بها وبالمجتمع بجدية، وبعقلانية، فإنّ بإمكانها فعلَ الكثير لأفرادها، وللمجتمع أجمع، وهناك الكثيرُ من الطُّرق المتاحة أمام المؤسّسات الثّقافية والخيرية، وكمثالٍ على ذلك أطرح مشكلةً قائمة، وأطرحُ حلًّا مختصرًا:
 
يسعى الكثير من أفراد مجتمعاتنا للدِّراسة بشكلٍ عام، لكنّ حاجتهم للعمل وتحسين معيشتهم تأخذ وقتهم، فلا يتمكّنون من الدّراسة صباحًا، وربما طوال ساعات النّهار، فلا يجدون فرصةً للدِّراسة إلا في المساء. هنا يأتي دور المؤسّسات الثقافية، وبكلِّ بساطة يمكن لهذه المؤسّسات إعداد بعض البرامج التّعليمية على مختلف طرقها، ومجالاتها، مما يتيح الفرصة أمام هؤلاءِ المحرومين من لذّة العلم.
 
وأختم بقولي أنّ أغلب الظّروف يمكننا التّغلب عليها، أفرادًا وجماعاتٍ، فلا عذر لأكثرنا..
 
 
٣ ربيع الثاني ١٤٣٦ هـ

Friday, January 16, 2015

اخترنا لكم




دراسة بعنوان :
حقوق الانسان عند الامام علي بن ابي طالب(عليه السلام)‏ / رؤية علمية‏ 

تأليف
د.غسان السعد‏