Friday, February 20, 2015

الوحدة بين الألم والتأمل // ام علي




الوحدة قدر إنساني، فالإنسان يبتدئ وحيدًا وينتهي وحيدًا، والفارق أنه عند البداية تستقبله الفرحة والابتسامة وعند النهاية تودعه الدمعة والذكرى.

لكن ثمة فرق في كون الوحدة اختيارًا وحرية، وفي كونها قدرًا لا مفر منه وخيارًا لا مناص عنه.

فالوحدة عند الاختيار هي واحة خضراء غناء، ومزرعة خصبة للتأمل والتدبر والتفكر والتفكير، أما إذا كانت بالقهر فهي منفى وظلام ووحشه وحزن.

فالوحدة مؤلمة دائمًا حينما تكون بمثابة الانقطاع عن الآخر.. فقدان الآخر.. حبيبًا كان أم صديقًا، وليست بمعنى أن ينفرد الإنسان بأفكاره وتأملاته لوحده وبمفرده.

الوحدة.. التأمل..

ثمة شيئان في الحياة محتاجان للعزلة..

الكتابة والصفاء مع النفس أو التأمل الروحي، فلا يستطيع الإنسان أن يسمع لضجيج وصخب العالم الخارجي وأن يمارس تأملاته في الحياة في نفس الوقت، ولذلك نجد أن أغلب الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام - إن لم يكن جميعهم - كانوا رعاةً للغنم قبل تلقيهم الرسالة والوحي ودعوة الناس إلى الهداية وتوحيد الله وعبادته وكما هو معلوم فإن رعي الغنم فرصة عظيمة للتأمل والتدبر والتفكير في صنع الخالق وملكوته وعظمته، كما أنها تمنح النفس والحس الطيبة والرحمة والوداعة والشفافية.

وللكاتب "مصطفى العقاد" جمله بليغة في هذا السياق يقول فيها:
"ما من صاحب رسالة إلا وجد نفسه مضطرًا أن يحملها ثقيلة على قلبه وعقله ثم أنفرد بها بعيدًا يتهيأ لها قبل أن يلقى الناس".

والوحدة فضاء رحب وواسع لفهم الآخرين وقراءة أفكارهم، ففي العزلة يأتي الآخرون  إلينا ونراهم بشكل أفضل ونحبهم بشكل أعمق ونتواصل معهم ومع جراحهم حتى الالتحام..

يحتاج الإنسان في لحظات شفافة إلى الانفراد مع ذاته وإلى سماع صوته الداخلي وإلى مراجعة مشواره الطويل..

يحتاج فعلًا إلى أن ينفرد بصوت الجرح الذي يسكن بداخله لعله يجد له مهربًا من روتين الحياة ومن مشاغلها التي لا تنتهي، أو لعله يسلك طريقًا أكثر اتساعًا وأعمق بُعدًا، ويخترق آفاقًا توصله إلى ما ينسيه هموم يومه وذكريات أمسه؛ إذ كم هو جميل أن يكتشف الإنسان نفسه من الداخل وأن يسبر أعماق وجدانه ليتبين الخطوط العريضة لاتجاهاته، فلا شيء يقدر أن يتحول إلى فراغ طالما حافظت نفوسنا على عمار الحب لها.

إن الفراغ الحقيقي هو أن لا يتبقى لك شيء تفكر فيه ولا يبقى لك من تحبه ويحبك، لحظتها سيتحول الزمان إلي وقت وتكف الحياة عن الحياة..

بالوحدة والتأمل نمنح أنفسنا الفرصة الكافية للالتقاء بحقائقنا التي ضاعت منا، ونعيد لملمة ذواتنا المتمزقة تحت ركام التناقضات وزحام المخيبات..

إن للعزلة همسة ولمسة ولغة أثيريه تشعل بالقلب النداء والهتاف لكل وجه قريب من النفس والحس والروح والجروح.

إن الوحدة في لحظه التأمل هي بمثابة إقلاع حقيقي ربما يكون هربًا أو بداية جديده أو ربما عوده إلى حيث البدايات القديمة.

الوحدة .. والألم..

في ليل الوحدة والوحشة تصير المدن شاسعة وغريبة وموحشة، وفي لحظات التواصل الإنساني والحنان البشري تكون دافئة ونابضة تحتويك كرحم يكتنز طفلًا.

إن الإنسان بفطرته اجتماعي يميل إلى التواصل الإنساني والأخذ والعطاء في المودة والمحبة والعطف وليس هناك أحب للمرء من أن يجد جليسًا يستطيع أن يسكب نفسه في نفسه ويفضي إليه بسريرة قلبه، لعله يمر بهمساته فوق قارة كآبته وينزع عن روحه كمامة الصمت ليكون وجوده في حياته كالنافذة التي تمنحه الشمس والهواء والقدرة على التنفس.

إن الوحدة حينما تكون بمثابة الانقطاع عن الآخر أو فقدانه سواء كان حبيبًا أم صديقًا أم قريبًا، تكون مؤلمة وقاسيه؛ إذ يحس المرء بحزن غامض يشعر به ولكنه لا يستطيع الإمساك به أو حفظه، وهو مع ذلك يلتف حوله ويلازمه ويداعبه ويقهره إلى أن يبلغ مداه الأخير.

إن الوحدة هنا، تشعر المرء أن كل طرق العمر لديه فارغة مثل أغصان تينة يابسة أشبه ما تكون حياته بمدينة مهجورة مر بها الطاعون وغادرها أهلها إلى الأبد..

في قلبه يتجمع شيء غامض شيئًا فشيئًا..

لؤلؤةُ حزنٍ في محارة القلب، وعينان عتيقتان حزينتان كشجرة توت ميتة..

كل ما يحتاجه هو إنسان واحد فقط يتسع لجراحه ويمسح دموعه وينتشله من عمق أوجاعه ومن أشواك آلامه وأحزانه وأوجاعه.

تقرأ في رواية الطاعون (لا لبيركامي) عبارة جاءت على لسان بطلها يقول:

"ليس في طاقة المرء أن يظل دائمًا وحيدًا"..

كما أن (أورست) في الأسطورة اليونانية كان وحيدًا عندما قرر قتل أمه (كليتنمسترا) لينال حريته..

أما (هاملت) فكان وحيدًا حين أتخذ قراره بالانتقام لموت أبيه، وهو القرار الذي كان سببًا في تدميره وهلاك كل من حوله..

و(جون كنيدي) كان وحيدًا لحظه اتخاذ القرار الشهير المعروف بخليج الخنازير في (كوبا)، والذي كان سيقود العالم كله إلى حرب عالمية..

كما أن غالبية الذين يقدمون على الانتحار لا يتخذون مثل هذه الخطوة الفاصلة والحاسمة إلا في لحظه وحدة مؤلمة وقاسية.. وكذلك حالات الطلاق..

إن الغالبية منا لا تعرف - عن يقين - ثقل تلك اللحظات الحاسمة في الوحدة، ولذلك نجد أيضًا أن الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه واله) نهى عن سفر الرجل لوحده أو أشار إلى كراهيته وذلك لكون الشيطان يتقوى على المرء حينما يكون لوحده ويزرع بذرة الشك والوسواس في نفسه.

إن الوحدة التي يشعر بها المرء لافتقاده لأحبائه وأصدقائه وأهله إنما هي وحدة لا تحتمل، يشعر المرء فيها أن الكآبة تغمره كالبحر ويحس أن كل شئ زائف وعبث، وأن الفرح لا يدوم وأن كل الطرق تؤدي إلى الحزن ويشعر بأنه جسد بلا روح وشجرة بلا ماء، وبيت دون سقف..!

وقد كتب شاعر فرعوني قديم منذ أكثر من أربعه آلاف سنة يشكو فيها من الوحدة والزمن والناس فقال:

لمن أتحدث اليوم
والإخوان أشرار
والأصدقاء هجر الحب قلوبهم؟
والإنسان الطيب يتأخر
والإنسان الصفيق يتقدم الصفوف

إن الوحدة تشعر الإنسان بالعجز والضعف والملل وتسلمه إلى مدينة الاغتراب فيحس أنه غريب رغم أنه يعيش بين البشر، ووحيد رغم كل الأماكن المكتظة بالوجوه، فيغترب بمرور الزمن عن ذاته ويصير عاجزًا عن ممارسه المحبة أخذًا وعطاءً..

كما أن بعض البشر كما وصفتهم الكاتبة (أجاثا كريستي) يزيدون وحدتك عندما يأتون لإنقاصها!!

لكن هذا لا يمنع من وجود الرأي الآخر الذي يرى أن هناك أحباب من غمام وأسراب من حمام حينما نتذكرهم في وحدتنا نشعر بابتسامة من عفو الخاطر وفرحه لمرور طيفه العابر، ونجد أنفسنا نردد مع الشاعر نزار قباني:

في اللحظات التي أتسكع فيها على طرقات الحزن وحدي
أفكر فيك لبضع ثواني
فتغدو حياتي حديقة ورد


21 فبراير 2015

المبادرة ليست مسؤوليتي // أبو مقداد



 
وليست مسؤوليتي، وليست مسؤوليته، وليست مسؤوليتك.. إذًا هي مسؤولية من؟!
 
يمتلئ المجتمع بالسلوكيات والأفكار والعادات، التي تحتاج بالضرورة لمن يحمل زمام المبادرة لتغييرها وتصحيحها، لكن قد تقفز بعض العقبات التي تعيق عجلة التغيير، أحاول أن أذكر بعضها، وأركز على البعض الآخر،،
 
- الاعتــــــــراف (بأننا مجتمعٌ يُخطئ) هو اعترافٌ صعب أن يصل لمرحلة البوح به وإن اقتنع الغالبية بهذه الأخطاء، ربما يتذمرون منها، ربما يتضررون أكثر من تذمرهم، إلا أن ملاحظتهم للخطأ، والبحث عن منشأ الخطأ، وتحليله لمعالجته أمرٌ غالبًا ما يقتربُ من المحظورات التي لا يجب أن يمسها أحد، سيما إن كانت هذه الملاحظات تمس جانبًا يتعلقُ بالعقيدةِ أو الدينِ.. ولعن الله الشاك!!
 
أرجو أن لا تفهم هذه دعوة للتشكيك في الدين أيضًا، فأكون من ضمن الملعونين، إنما هي دعوة لمراقبة السلوكيات بشكل عام لمعرفة منشأ الخلل وإصلاحه، ومكمن القوة وتحصينه!
 
- بعد نقاش هادئ، قد يعترف أن فعلًا هناكَ مشكلة ما، (لا بد) من ملاحقتها اجتماعيًا، و(نحتاج) أن نقضي عليها ونستبدلها بأمرٍ سليمٍ يتوافق مع فطرتنا كبشر، ودينٍ كالإسلام، (ويجب) أن نغيرها مهما كلف الأمر، و(ينبغي) علينا أن نوجد الحلول، والكثير من الإنشائيات من قبيل يجب وينبغي، قد تكون صحيحة لا مشكلة في ذلك، إنما بقاؤها حبيسة هذه الكلمات الوديّة هي المشكلة، فحين تطرحُ سؤالًا: يجب أن نغيرها، طيب، كيف نغيرها، وماهي الآلية، ومن سيغيرها، ويغيرها لماذا؟!

غالبًا لن تحصل على إجابة، لأن الأمر وكما يبدو تحولَ لأمرٍ جاد، قد تكون مخاطرةٌ فكرة الخوض فيه، لا تنسوا اللعنة المخيفة المصاحبةُ للشاك!

أيضًا أؤكد أني لست ضد عملية التنظير، بل أجدها مهمة وضرورية وأساسية، ولكن إن لم يكن التنظير خطوة تسبقُ خطوات عمليه، فسيكون إسراف

- في الجلسات الشبابية، كما أجربها وأحب أن أكون جزءًا منها، قد تثار قضية ما، دينية، عقائدية فكرية اجتماعية، أيَّا كانت القضية، وعلى فرض اجتياز المرحلتين السابقتين بنجاح، الاعتراف والتنظير، قد تشعر فعلًا بأنك أمام طاقات من الممكن أن تغير الأرضَ وما فيها، هنا تتساءل، هذه الطاقات، الإمكانيات، العقول، لِمَ تندثر وتتوارى عن عمليات التغيير؟!

في رأيي، أن مشكلةً من المشاكل التي تعطل ما سبقَ ذكره، هي ضعف عنصر المبادرة، والشعور بالمسؤولية عند الكثير، مما ينتجُ مجتمعًا اتكاليًا بامتياز، قد يكتشف الخطأ، وقد يتمكن من تحديد نقطة التصحيح، لكنه لا يملك حس المسؤولية الذي يدفعه للمبادرة، بل ينتظر أن يتبرع أحدهم لتحريك المياه الراكدة، فتشملهُ رياح التغيير. الأمر الذي سيوفر عليه أن يساهم في دفع تكلفة التغيير هذه، ويجني فوائدها بالمجان، وإن لم يتبرع أحدٌ ويغيرها، فلا حول لا قوة الا بالله ولا سبيل سوى الاستسلام!!

 
مثالٌ وشجون :-
 
نعاني في البحرين من عدة مشاكلٍ تجعل مستوى المعيشة والدخل للفردِ غالبًا في حالةٍ ضعيفة، كالبطالة وتدني مستوى الرواتب وغلاء الأسعار بشكلٍ عام، هذه مشكلة لا تخفى على الكثير فالغالبية يعانون منها، المشكلة أنه ورغم تدني مستوى المعيشة، إلا أن زيجاتنا تكادُ تمتلئ بمعاني الإسراف والتبذير بشكلٍ لا يجعلك تصدق أن فكرة الضعف المادي ممكنة.. فزيجاتنا ممتلئةٌ بالكماليات والشكليات بلا معنى ولا أهمية.

تبدأ المسألة من المهور، فالمتفق عليه اليوم أن مهر الفتاة لا بد أن يكون 1500 دينار، لا تقبل المساومة، ثم يتلوه طقمُ ذهبٍ قد يتراوح بحدود الألف دينار، ثم الفستان وبعضهن تريدُ أن تحتفظَ بفستان زفافها للذكرى فيكون سعره أكثر مما تستأجره الفتيات، ولا ننسى أهم نقطة وهي أن يكون حفل زفافها في صالةٍ فارهةٍ وبوفيه راقٍ وطاقم تصويرٍ خاص ووووو..

فتكلفة كل هذه المقدمات تعني أن على الشاب أن يدفع على أقل التقديرات 5000 دينار حتى يتمكن من الوصول لزوجته، نعم، سيدفعها رغمًا عنه حتى يحقق حلمه وحلم كل رجل، سيُسرفُ بلا تفكير حتى يكمل نصف دينه، وإن فكر سيكون بخيلًا في نظر أهل زوجته، سيدفع كل هذه المبالغ رغم أن راتبه الشهري لا يتعدى ال300 أو 400 دينار، حتى يبدأ في سيلٍ من الديون للبنوك وغيرها.

طبعا ليست كل الزيجات بهذه الطريقة، إنما أتحدث عن الغالب والمتعارف عليه، والمشكلة أن غالبية الرجال يشكون من هذه التكاليف التي حتمًا يرونها بلا فائدة، وربما بعد الزواج ستفهم النساء بأن زواجهم وديونه ساهم في تضييق معيشتهم كثيرًا، ولكن هذه المرأة حين يرزقها الله ببنت وتُقبل على الزواج، سيُفعل لزوج ابنتها ما فُعلته بزوجها!

الجميعُ يتأذى من هذا الإسراف والتبذير، وحين تفكر البنت في معاناة الرجل هذا حين يخطبها، فمن الصعبِ جدًا أن تكون هي نقطة بداية التغيير، بعضهن يفكرن أنهن إن بدأنَ بتقليل المهر، وتنازلن عن الرقم المتعارف عليه، سيقل شأنها عند الناسِ أو عند زوجها، والبعض يفكر "سأكون رخيصةً وسهلة عليه إن لم يكن مهريَ غالٍ"، أما مَن تتجرأ وتعلنها، لن أُسرفَ في زيجتي وسأراعي هذا الشاب الذي سيكون زوجي وشريك حياتي وسأتنازل عن المهر الغالي والكماليات، فببساطة ستثور عليها الأخريات "أنت لست أقل من بقية الفتيات، وهذه ليلةٌ في العمر، فافرحي بها"!

طبعًا الأمر يبدأ من قضية المهر، ولا ينتهي في صالح الأفراح، وأحسب أن لا أحد يتضرر من هذه المشكلة سوى المجتمع، كل المجتمع، وربما الجميع يعي لهذه المشكلة، ولكن من يملك حس المبادرة لتغييرها، ومن سيستجيبُ لمن يحاول التغيير فعلًا؟!

هذه مشكلة لا أظن أحدًا لم يعاني منها.. أو يعاني حاليًا منها.. أو سيعاني في المستقبل، والغريب فيها أنها في كل فترةٍ يُضاف إليها ما يزيدها تعقيدًا، ويضاف إليها أمرًا ما يتحول فيها لضرورةٍ دونَ مبادرةٍ حقيقيةٍ لعلاجها.

في حديث لي مع إحدى الأخوات المقبلات على الزواج، كنت أطرحُ هذه الفكرة ذاتها، وكانت تتفق معي في ما أقوله، إلا أنها علقت على الكلام بجملة أكاد أسمعها من لسان غالبية المقبلات، تقول: "أتفق معك أن هذه حالة موجوده وغالبة، ومشكلة حقيقية يعاني منها المجتمع، ولكن لا أستطيع أن أكون ضحية هذا التغيير وأن لا تكون حفلتي بمستوى حفلات صديقاتي".

إن مسألة الزيجات هذه، كالعديد من المشاكل التي نعاني منها، وكما قالت الأخت نعي بوجودها وأنها مشكلة حقيقية، ولكن لا نريد أن نكون ضحايا تغييرها، وفي رأيي أن علاج مشكلة الأنانية هذه، والتحلي بحس المسؤولية كفيلٌ بأن يعالج الكثير من مشكلاتنا الشخصية والمجتمعية.

ختامًا أقول: لأن من سيعاني من أمراض ومشكلات المجتمع.. هو أنا..  وأنت.. وهو بلا استثناء.. فعلاج هذه المشكلات لن يتم إن لم نبادر.. أنا.. وأنت.. وهو بلا استثناءٍ أيضًا!



21 فبراير 2015

المؤمنُ القويُ خيرٌ.. حقا! // إيمان الحبيشي

 
 

مَنْ منّا لم يسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((المؤمن القوي خيرٌ وأحّب إلى الله من المؤمن الضعيف)) ومَنْ منّا لم تطّرق أذنه وصّيته صلى الله عليه وآله: (عَلِّمُوا أبنَاءكُم السِّبَاحَةَ والرِّمَايَة)، ومَنْ منّا لم يمر أثناء قراءته للقرآن الكريم على الآية الشريفة: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ)..

نعتقد وهو اعتقاد حق، أن الإسلام لم يترك صغيرة ولا كبيرة إلا طرقها، كل جوانب الحياة الشخصية للفرد، والجماعية للمجتمع، والتنظيمية للدولة، وهندسة العلاقات والمعاملات، وكل مجال مما لا يتسع له مقام للذكر. وأحد أهم هذه الجوانب هي عوامل القوة في المجتمع، وأول ما يتبادر للذهن عند الحديث عن القوة، هو ما يمتلكه الفرد أو المجتمع من قدرات قتالية وأسلحة حربية يدفع بها عن نفسه ومجتمعه ودولته المخاطر.

تاريخيًا فإن المجتمع العربي وقبل ظهور الإسلام، كان يُلحِق الحق بالأقوى، من الناحية القتالية والعسكرية، فردًا كان أو قبيلة، فكان الأكثر قوة -أَصارَعَ حقًا أم باطلًا- يَذيع صيته بين العرب، وتخشى قبيلته بقية القبائل، ويصبح أحقُّ بالاتَّباع!!! وحين ظهر الإسلام، ألقى هوس العرب بالقوة العسكرية ثقله، مؤثّرًا في عملية الدخول للإسلام من قبل بعض القبائل العربية. وهو ما شرحه الدكتور علي الوردي في حديثه عن التاريخ الإسلامي، معتبرا أن الكثير من القبائل العربية لم تدخل الإسلام إلا حين قويت شوكته، وحقق انتصارات عسكرية مشهودة، فاكتسب الحق بالاتبّاع فاعتنقته لا معرفة به، بل توافقًا وطبيعتها النفسية والاجتماعية في نظرتها لعامل القوة.

اليوم تماهت الدولة الإسلامية، بل تلاشى الإسلام المحمدي الأصيل من مجتمعاتها، أمام هيمنة ثقافات الدول العظمى، وصارت تُحكُم بالنار والحديد من قبل من يدين لهذه الدول بالطاعة والولاء، فاختلفت دوافع الحاجة لتحصيل القوة بين الشعوب وبين حكوماتها. ففي الوقت الذي تنفق فيه تلك الدول ميزانيات ضخمة من ثروات البلاد من أجل تحصيل القوة العسكرية، للإمساك بزمام الأمور داخل البلد، كانت جماعات انفصالية أو ثورية تسعى لتحصيل القوة من أجل التحرر من سلطات بلادها، أو من سلطات الحاكم الحقيقي لحكومات بلدها، نتيجة الحيف والظلم مثلًا.

إذًا تعيش أغلب المجتمعات الإسلامية والعربية، حالة انفصال شديد بينها وبين الحكومات التي تحكمها، وهو ما يعني أن السلطة الحاكمة تسعى لتحصيل القوة مقابل نزع كل فرصة يمتلكها شعبها في تحصيله للقوة، وذلك من أجل أن تحافظ على بسط سيطرتها في عموم البلاد، ليس في المجال العسكري فحسب بل في كل مجالات الحياة، وأهمها تحصيل العلم لما له من دور كبير جدًا في تحصيل بقية جوانب القوة، فيسود الظلم والفساد والجهل دون وجود فرصة لتصحيح الوضع فضلًا عن القضاء عليه من قبل الشعوب التي صارت ضعيفة وواهنة. وهو ما ساهم في انتشار حالة من الشعور بالعجز في عموم تلك المجتمعات، فكيف يحارب الفساد ضعيف واهن فقير معوز جاهل؟

في رأيي فإن المشكلة التي تواجه تلك المجتمعات، هو تجمّدها في مفهوم القوة عند جانب وحيد، هو الجانب العسكري والقتالي، وتركها لبقية جوانب القوة التي من شأنها أن ترفع الحيف عنهم، وتمنع استهدافهم وضربهم وإن تدريجيًا، لتنقلهم لموقع التأثير الحقيقي في بلدانهم ومجتمعاتهم، ربما لاعتقاد توارثوه جيلًا بعد جيل.  بينما لم تتجمد عند ذلك تلك الحكومات الظالمة، فمن جانب صارت تقوَّي نفسها علميًا واقتصاديًا بل وحتى تاريخيًا، بوضع سيرة  تاريخية بحسب تفصيلها، ومن جانب آخر لاحقت المتعلّمين ممن يعارضها، وحرمت أفراد المجتمع من حرية التفكير والإبداع، ودفنت قدرات أبناء البلاد بتهميشهم وقتل الأمل في أرواحهم. وبمراجعة سريعة للدول الأكثر إنفاقًا على الجانب العسكري ستجد تلك الحكومات في أوائلها لكنها تقع في المراتب الأخيرة في قوائم الإنفاق على مجالات البحث والتطوير. فبلد مثل السعودية يقع في المرتبة الرابعة من حيث الإنفاق العسكري، ستجد أنه يقع في المرتبة الثانية والستين في الإنفاق على مجالات البحث والتطوير!! (1)
 
على عكس الدول التي تعنى حقًا بتنمية الإنسان في مجتمعاتها، وتهتم بالعنصر البشري وتعتبر دول ذات درجة من العدالة في التعامل مع الشعب، فبلد كأمريكا يحتل المرتبة الأولى في الإنفاق العسكري ستجد أنه أيضا يحتل المرتبة ذاتها في الإنفاق على برامج البحث والتطوير، وكذلك يفعل كيان غاصب كإسرائيل التي تقع في المرتبة الثامنة عشر في الإنفاق العسكري والمرتبة السابعة عشر في الإنفاق على مجالات البحث والتطوير. الهند وإيران والصين دول يتساوى فيها الإنفاق في المجال العسكري مع الإنفاق في مجال البحث والتطوير. (2)

اليوم ليس أمام الشعوب المستضعفة في الأرض أن تُحصِّل جوانب القوة العسكرية، كما أن الصراعات الداخلية المسلَّحة، ما بين حكومات وشعوب الدولة الواحدة، لم تثمر إلا مزيدًا من الظلم والقتل والدمار، والشواهد على ذلك حديثة ويمكن ببساطة وضعها أمامكم.

فهل يعني ذلك أن تستسلم الشعوب للسيوف المسلّة على رقابها؟ هل يعني ذلك أن تتجمد عند الطابع الاجتماعي والنفسي للإنسان العربي منذ ما قبل الإسلام؟ فتقف عند القوة العسكرية إما لتواجهها بصدر عار، فيسقط كل يوم مظلوم ثائر أتعبه حال البلاد والعباد، أو لينحني أمامها مطأطأ الرأس ليَسلَم من طلقاتها، غارقا في وحل العبودية والفقر والظلم؟!

أترك الإجابة لكم آملة أن أتمكن من مواصلة ذات الموضوع في مقال آخر ..


هوامش:

(1) قائمة بالدول حسب قيمة النفقات العسكرية بحسب أرقام وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية :
http://ar.m.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%82:%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84_%D9%85%D9%86_%D8%AD%D9%8A%D8%AB_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%82_%D9%81%D9%8A_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%A7%D9%84_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A#.D8.A5.D8.AD.D8.B5.D8.A7.D8.A6.D9.8A.D8.A7.D8.AA_.D9.85.D8.B9.D9.87.D8.AF_.D8.B3.D8.AA.D9.88.D9.83.D9.87.D9.88.D9.84.D9.85_.D8.A7.D9.84.D8.AF.D9.88.D9.84.D9.8A_.D9.84.D8.A3.D8.A8.D8.AD.D8.A7.D8.AB_.D8.A7.D9.84.D8.B3.D9.84.D8.A7.D9.85


(2) قائمة ترتيب الدول حسب الإنفاق على مجالات البحث والتطوير (مجمع من عدة مصادر):



21 فبراير 2015

لحظةُ انقلاب // محمود سهلان




في جلسة مفتوحة اليومَ (الخميس) كان الحديث يدور حولَ ما يحصل من انقلابٍ في الشّخصيات، وعدولٍ من منهج لآخر، ومن عقيدة لأخرى، ومن شخصية لغيرها بشكل تام، وكان الهدفُ هو محاولة الوصول لأسباب هذه الانقلابات، واقتراح بعض الحلول للانقلابات السّيئة، سواء كانت حلولا وقائيّة أو علاجيّة، بشكل أو بآخر.

وموضوع النقاش ليسَ ببعيدٍ عن الواقع أبدا، وأمثلته ممّا نعلم في التّاريخ عديدة، وإلا فهناك الكثير الكثير ممّا لا علمَ لنا به، فتجد إنسانا ضدّ التّيار الفلاني، فينقلب عاشقا له، وترى إنسانا عاش عابدا زاهدا، لكنّه يموت كافرا ومشركا!

لذلك فمن المستغربِ جدا أنْ ترى بعض الأفراد ينقلبون للجهة المقابلة تماما لما كانوا عليه، وقد يحدث هذا الأمر في سنّ متأخرة، بل عند الاحتضار، حتّى أنّ الشّريعة الإسلامية جعلتْ بعض الأعمال والأدعية الخاصّة، لغرض الحفاظ على المؤمن من مثل هذا الانقلاب، وهو ما يسمى بالعديلة.

الانقلاب الحاصل قد يكون محمودا، وفي الاتّجاه الصّحيح، وقد لا يكون، بل قد يكون لأبعدِ الجهات عن الحق، وهنا تتّضح الخطورة، لذلك يجب على كلّ عاقل أْن ينتبهَ لمثل هذه الأمور الدّقيقة، وأن لا يتجاهلها، فإنّ انقلابا ما، في الطّريق غير الصّحيح، قد يؤدي بالإنسان لأشدّ المهالك، بل للهلاك الأبدي، والعياذ بالله.

من هنا كان هدفُ الحوار هو البحث عن أسبابِ هذه الحالة، ثم إيجاد الحلول المناسبة لها، وهذه بعضُ الأسباب التي طرحها الحاضرون، أختصرها في نقاط:

الأولى: أنْ يكونَ الفردُ ضعيف الاعتقاد، وإيمانه ظاهريّ فقط، سواء كنّا نتكلّم عن الدين أو غير ذلك.
الثّانية: ضعف النّفس الإنسانية، واتّباع العاطفة في التّعامل مع الأمور.
الثّالثة: الأسباب تتنوّع، فمنها ما يكون عاطفيّا مثلا، ومنها ما يكون برهانيّا عقلائيّا، وغيرها.
الرّابعة: لحظة ضعف منَ الإنسان، يستثمرها الشّيطان فينقضّ عليه.

أُضيفُ شيئا بسيطا، فأقول: أنّ تنوعَ الأسباب ممكن، بحيث أنّ الجهة التي تجعل الإنسان ينقلب انقلابا تاما تختلف من فرد لآخر، ودون أن أحصرها، فأرى أنّ لكلّ فردٍ اعتقادات ومبادئ معينة، بُنيت على أساس مّا، قد يكون عقليا، وقد يكون عاطفيا، وقد يكون وراثيا، وهكذا، فالانقلاب أو التّغيّر أيضا قد يكون من هذا الباب، فالبناء على الأدلّة البرهانية مثلا، قد يتزلزل، أو يتغير، فيتضح أن الدليل لم يكن برهانيا، فتجد هذا الفرد يمكن تغييره عن طريق برهان جديد، أو من كان بناءه نفسيّا عاطفيّا، فتغييره على الأغلب يكون من هذا الباب، وهكذا، وإن لم يكن ما سبقَ تامّا، فمن جهة أخرى قد يكونُ الإنسانُ في نشأته يعتمد على عاطفته وموروثاته كثيرا، لكنه مع تقدّم العمر ونضجه، يبدأ باستعمال عقله أكثر، فينقلب حاله بتغيّر أُسسه ونظرته للأمور، وهذا قد يكون تدريجيا.

طُرحت بعض الحلول لمواجهة هذه الحالة، إذا كانتْ في الاتجاه السلبيّ، بعضها قد يكون أكثر خصوصيّة من غيره، ومن أهمّها:

١/ مراقبة النّفس الدائمة، وعدم الغفلة.
٢/ عدم كشف نقاط الضعف لدينا أمام الشّيطان ما استطعنا ذلك.
٣/ تقوية الفرد لنفسه فكريًّا وعلميًّا.
٤/ محاسبة النّفس.

هذه بعض الحلول، وليس كلّ الحلول، وبإمكان كلّ فرد أنْ يبحث عمّا يحصّن به نفسه، وأنْ يجد ما يقيه شرّ المنزلقات، والتي لا تخلو سيرة فرد من مواجهتها له، وكذلك أُضيف أنّ السعي الجادّ نحو الحقّ، يقينا الكثير من المهالك، خصوصا وأنّ هناك من يرعى الباحثين عن الحقّ.

نقلت ما دار بشكل جزئي ربّما، وهو من أجل الإستثارة، ولما أراه من أهميّة كبيرة لهذا الأمر في حياتنا، ولخطورته البالغة..

21 فبراير 2015

Friday, February 13, 2015

على ضفاف الذكريات (11) // ز.كاظم

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

حينما قررتُ أن ألتحق بالكلية للدراسة الأكاديمية، كنتُ أعيش حينها حيرة لم أبُح بها لأحد.. كانت أمنيتي أن أدرس الطب وعلى هذا الأساس جئت إلى أمريكا، ولكن هل كانت تلك أمنيتي بالفعل، لا.. وألف لا.. بل هي أمنية يعيشها أغلب الطلبة.. جئتُ وأنا أحمل أمنيةً تم غرس بذورها فيّ منذ نعومة أظفاري، لكن لم تكن تلك الأمنية إلا صدىً لصوت المجتمع الذي يرى في الطب منزلة اجتماعية مرموقة تدل على نبوغ الطالب وذكائه.. وكما تصطدم هذه الأمنية بواقع تمييزي في وطني، اصطدمت أمنيتي بواقع دراسة الطب في أمريكا للطلبة الأجانب والذي لا يتجاوز نسبة ضئيلة جدًا تصل إلى 3% أو أقل، بل أن بعض الجامعات تنصح الطالب الأجنبي بأن يفكر مليًّا قبل العزم على الالتحاق بكلية الطب. كذلك فإن دراسة الطب تتطلب أن يُكمل الطالب دراسة البكالوريوس - 4 سنوات منها ثلاث سنوات طب تمهيدي - قبل أن يتم قبوله في كلية الطب والتي تستغرق أيضًا 4 سنوات أخرى، ثم 3 إلى 7 سنوات دراسات عليا طبية أو دراسة تخصصية تدريبية. 

كانت الحيرة مسيطرة عليّ لكني تذكرتُ حديثًا لأخي الأكبر قبل ساعات من سفري نصحني بأن أتخذ قراراتي بنفسي وأن لا أعتمد على أحد من أهلي في اتخاذ القرار، إذ سأكون أكثر قُربًا وإحاطة بظروف القرار وظروف الدراسة في أمريكا أكثر منهم، كما أنه نصحني قبل ذلك مرارًا بأن أدرس ما أحبه ويناسبني من تخصصٍ. تذكرتُ حديثه وحسمتُ أمري في دراسة الهندسة.. كان القرارُ مريحًا بالنسبة لي بعد قلقٍ استمر لسنة كاملة.

كنتُ قد قررتُ أن ألتحق بالكلية القريبة من سكني، لكنها أصدرت قرارًا جديدًا بجعل اختبار التوفل من المتطلبات للالتحاق بها، ولم أكن قد قدّمتُ اختبار التوفل في تلك الفترة، بل لم أكن أنوي تقديمه خوفًا منه. يحمل اختبار التوفل هيبة ورهبة في قلوب الكثير من الطلبة العرب حيث يقوم الكثير منهم بالتحايل من أجل اجتياز هذا الاختبار. كان أحد الأصدقاء عبد الرسول من الأحساء وهو من الطلبة الذين هاجروا إلى أمريكا بفترة طويلة يقوم بتقديم اختبارات التوفل للكثير من الطلبة العرب وكان يتقاضى مبلغًا باهضًا من أجل ذلك. مع أن تقديم الاختبار يتطلب أن يجلب المختبِر جواز سفره كبطاقة تعريفية به، إلا أن عملية التزوير كانت سهلة بالنسبة له.    

عزمتُ أن ألتحق بكلية كلارك في مدينة فانكوفر - شمال بورتلاند-، وهي كلية أنشئت في عام 1933 وتقع على مساحة قدرها 0.41 كيلومتر مربع. تميزت هذه الكلية حين التحاقي بها بقلة الطلبة العرب، وربما كان دخولي فيها بداية لالتحاق الكثير من الطلبة العرب الذين جاؤوا بعدي. في البداية، يقوم الطالب بتقديم عدة اختبارات في اللغة الإنجليزية والرياضيات وغيرها لتقييم وضعه الدراسي. تم وضعي في مادة اللغة الإنجليزية English Writing المقررة على الطلبة - أمريكان وأجانب -، واخترت عدة مواد أخرى من قبيل الرياضيات والكيمياء والفيزياء. وبالرغم من مكوثي في دراسة اللغة لمدة عام كامل، إلا أنني استشعرتُ الغربة في الفصل في بداية الأمر، فكانت لغة المدرس والطلبة وكأنها لغة أجنبية عني.. كنتُ أشعر وخصوصًا أول أسبوعين أن هذه المادة - اللغة الإنجليزية - غريبة عليّ ربما نظرًا لاختلاف طبيعة الدراسة من اللغة في المعهد إلى الدراسة الأكاديمية في الكلية. لكن بعد الأسبوعين تأقلمت مع الوضع الدراسي، وبعد فترة اكتشفتُ أن الأمريكان يجدون صعوبة أكثر في الكتابة باللغة الإنجليزية. أذهلتني هذه الحالة عند الطلبة الأمريكان. كيف لهم وهم من ترعرعوا على اللغة الإنجليزية أن يجدوا صعوبة في الكتابة بها! ثم تداركتُ نفسي حين قارنتُ حالهم بحال أغلب الطلبة العرب الذين يواجهون نفس المشكلة في لغتهم العربية الأم.  
 
بدأ الاختلاط قليلًا بغير العرب في هذه الكلية، إذ كان الاختلاط في السنة الماضية مقتصرًا على الطلبة العرب في المعهد وفي المركز الإسلامي.. كان هذا الاختلاط محدودًا بعدة زملاء وأغلبهم ليسوا أمريكان.. في مادة الكيمياء، كانت القاعة كبيرة جدًا وممتلئة بالطلبة، أما الرياضيات فكانت بداية العشق لهذه المادة التي تقوم عليها معظم مواد الهندسة.
 
في الكلية، أثار انتباهي حالة غريبة، إذ توجد نسبة ليست بالقليلة من الطلبة كبار السن تتعدى أعمارهم الأربعين عامًا. كانوا يحضرون الفصل وهم أكثر انتباهًا واستيعابًا للمادة من الطلبة صغار السن من أمثالي. كان أحد الطلبة من كبار السن فيتناميًا، إذ شكّلت فئة الفيتناميين نسبة ليست بالقليلة من الطلبة وأغلبهم كانوا لاجئين.. كان الطالب الفيتنامي يجلس في آخر الفصل، ويضع حقيبته المدرسية الكبيرة نسبيًا على الطاولة أمامه. لم أعرف سبب وضعه للحقيبة في البداية، إلا أنه وبعد فترة وجيزة التفتُ إلى أنه يضع جريدة خلف حقيبته ويقوم بحل الكلمات المتقاطعة، وبين فترة وأخرى يُلقي بنظراته إلى السبورة.


في بادئ الأمر كنت أضحك من تصرفه، إذ ما الذي يدعوه لأن يحضر ويُتعب نفسه في التسجيل للدراسة، وهو لا يولي اهتمامًا للدرس، بل ينصرف بحل الكلمات المتقاطعة. في إحدى المرات وبينما البروفيسور يحل مسألة رياضية وقد ملأ السبورة بخطوات الحل وصاحبنا الفيتنامي منشغلٌ ولاهٍ بحل كلماته المتقاطعة، وإذا به يلتفت إلى السبورة ويرفع يده. بعد أن انتهى البروفيسور من كلامه، التفت للطالب وسمح له بالكلام، وإذا بصاحبنا الفيتنامي يقول للبروفيسور إن حله للمسألة الرياضية خاطئ. كانت كلماته قصيرة وحادة تغلب عليها اللكنة الآسيوية.. نظر إليه البروفيسور مستفسرًا متعجبًا، فأشار الفيتنامي إلى إحدى خطوات الحل وبيّن الخطأ فيها ونوّه إلى أن الخطوات اللاحقة خاطئة بناءً على خطأ تلك الخطوة. نظر البروفيسور إلى السبورة وهز رأسه قليلًا متذمرًا وأخذ الممحاة وقام بمسح السبورة بالكامل وبدأ بالحل من جديد.

كوّنت مع الفيتنامي علاقة صداقة استمرت طوال مكوثي في هذه الكلية وهي فترة عامين دراسيين.. كنّا معًا في معظم المواد الدراسية، ونقضي الكثير من الأوقات في حل الواجبات أو المذاكرة للامتحانات. كان الفيتنامي يعمل بالإضافة إلى الدراسة، وذلك حال معظم الطلبة الأمريكان والمقيمين، أما الأجانب، فقد كان غير مسموح لهم العمل إلا في الكلية أو الجامعة، أو يقوموا باستخراج تصريح من إدارة الهجرة والجوازات. تبدأ حياة العمل عند أغلب الأمريكان منذ بلوغهم السادسة عشرة من أعمارهم في مرحلة الثانوية العامة. الملفت للانتباه أنك تجد الأمريكي في كل المهن والأعمال، فهو مدرس، وطبيب، وصاحب محل، وعامل، وأجير، وطبّاخ ونادل إلى آخرها من الأعمال والمهن.



رحيل الإمام:

في يوم 3 يونيو عام 1989 كنتُ جالسًا مع الأخ أبو عبد الله من الكويت في شقتي نتسامر أطراف الحديث، والتلفزيون كان موجهًا على قناة الهيدلاين نيوز.. وإذا بالخبر الصاعق.. وفاة آية الله روح الله الخميني (قدس سره).

    
كنا نتابع في تلك الأيام أخبار صحة السيد الإمام، ومع توقعي بقرب وفاته إلا أن الخبر كان فجيعًا.. قد أفل نور السيد الإمام، وصعدت روحه الطاهرة إلى بارئها.. انهار أبو عبد الله بكاءً، وجلستُ صامتًا والغصة في حلقي لا أستطيع أن أنطق بكلمة واحدة. اسودّت الدنيا أمامي فلم أعد أُبصر. كان الإمام الخميني (قدس سره) بالنسبة لنا نبراسًا أعاد للإسلام وهجه.. أتذكر عندما كنتُ صغيرًا وقبل انتصار الجمهورية الإسلامية، كنّا قلة نحضر صلوات الجماعة وندرس في المكتبة الإسلامية في وقتٍ كان التديّن يعدّ رجعية وتخلفًا. وجاء انتصار روح الله الخميني على شاه إيران ليقلب المعادلة رأسًا على عقب.. شاع التديّن وساد.. وأصبح الإسلام عزًا يفتخر أبناؤه بالانتماء إليه. كنا ننتظر الانتصارات المتوالية لدولة الإمام المنتظر رغم وقوف كل قوى عالم الاستكبار ضدها..



عشر سنوات عشنا أحداثها مع بروز نجم آية الله الخميني قائدًا رهبريًا لا يهزه مكر كارتر ولا زئير ريغان.. عشرٌ لم يقضَ لها أن تطول، وقد تمدد جسده الطاهر على فراش المرض بعد أن تجرّع السم.. كانت صوره وهو يؤدي الصلاة في آخر ساعات عمره متكئًا تبعث في قلوبنا الحزن والوجل من قرب رحيله، وها نحن نستمع خبر وفاته. لا أعلم كيف مرّ ذلك اليوم العصيب فهول المصيبة كان فادحًا، إلا أننا تسمّرنا على التلفاز نتابع الأخبار بحزن وأسى لعدة أيام.. انتظرنا ثلاثة أيام حتى شيّع جنازته الملايين ووري جثمانه في جنة الزهراء.

 
كان لذلك الرحيل الأثر الكبير على النشاط الديني والسياسي في أمريكا، فقد بدأت مرحلة الوهن والضعف بعد رحيله. أصبحت الحالة الدينية بعد وفاته تحتاج إلى تنشيط بعد أن كان وجود الإمام يمدها بالنشاط والحيوية.. ربما ملّ الناس من الانتظار.. ربما أحبطت الآمال في الانتصار على قوى الاستكبار.. ربما انهكت الحرب العراقية الإيرانية العزائم والهمم.. ربما تغيّرت القناعات والأفكار.. لكن الأكيد أن رحيله قدس سره نهاية لمرحلة وبداية لمرحلة أخرى.. مرحلة جديدة اتسمت بعزوف الكثيرين عن النشاط الديني والسياسي وخصوصًا الإخوة الإيرانيين.. 
     
 
يتبع في الحلقة القادمة..


14 فبراير 2015
 

القانون لا يحمي الـ ... ـمواطنين!! // أبو مقداد

 
 
يخلقُ اللهُ عز وجلّ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، وحيثُ أنّهُ يولدُ بقدراتٍ عقليةٍ ضعيفةٍ، جديدًا على هذهِ الحياة، فإنّ ما تقودهُ أوَّلَ أَيامِ حياته هي (الفطرة)، وتبقى الفطرةُ ذاتها التي دلَّتهُ في أول يومٍ على مصنعِ غذائه من أمه، هي التي تقوده طوالَ حياته، الفرقُ في أنها حين تُولد معهُ تكونُ سليمة إلا أن الإنسان نفسهُ، أو بيئته ومحيطه الذي يعيشُ فيه، قد يشوهُ هذه الفطرةَ لتعمل بشكلٍ مختلفٍ عن حالتها السليمة والأصلية. أتت الأديان السماويّة على مرِّ التأريخ لتهذيب هذه التشوُّهات الطارئة على الفطرة، ولو أمعنّا النظر في أحكامِ الإسلامِ، لوجدنا الكثيرَ مما يُثبت بصورةٍ واضحةٍ أنَّ غاية التشريعات الإسلامية بتفاصيلها هيَ أن تعودَ الفطرة الإنسانية لجادتها، فلكل فعلٍ حرامٍ ما يُكفرُ عنه ولم يكن حرامًا إلا لما يؤثرهُ سلبًا إما على الفرد أو على المجتمع، ولكل واجبٍ ومستحبّ ما يؤثرهُ في السلوك الفردي أو في الحياة الاجتماعية. كما أن الإسلام وضع لنا قواعدَ مهمة كقاعدة: التائب من الذنب كمن لا ذنبَ له، وضرورة توافر أربعة شهود لإثبات إدانةٍ ما، أو وجوبَ الإفطار إن كانَ الصَّائمُ على سفرٍ، وغيرها من الأحكامِ والتشريعات التي تراعي وتُهذِّب الفطرة الإنسانية. ذلك لأن الإسلامَ جاء مُصلِحًا لحال الأمة والمجتمع، لا معاقبًا له، إلا حين يضطر لذلك وقف آليات محددة تحددها نوع المخالفة.
 
اليوم ومع تقدُّمِ الزمان، وبانتهاء الحكومات الإسلامية الحقيقية، فإن الدول عامَّة تلجأُ لسنِّ القوانين الوضعية الخاصة بكل دولة، وبغض النظر عن الحديث حول طريقة سنّ هذه القوانين، وموقف الإسلام منها، ومدى صحتها، نناقش اليوم إمكانية أن تكون هذه القوانين تصب في مصلحة الإنسانِ وإصلاحه، وهل تؤدي الدور الذي من شأنه أن يحفظ المجتمع أم مجرد اختزال نفسها كآلةٍ تعاقب من يخالفها ويشذ عنها؟!
 
يقول الكاتب في مدونة ارتقاء الأخ زهير كاظم في مقاله الأسبوع الماضي تحت عنوان (على ضفاف الذكريات 10) :" .... جاء دوري ونودي علي.. وقفتُ أمامها صامتًا وهي تنظرُ لأوراقي، لم ترفع بصرها إليَّ بل خاطبتني وهي لا تزال تنظر للأوراق. زهير كاظم، أراك قد حصلت على رخصة القيادة، وجددت التسجيل وأمنت السيارة، فماذا تريد أن تقول؟ قلت: لا شيء يا سعادة القاضية. رفعت ببصرها نحوي وابتسمَت وقالت الحكم فلم أسمعه جيدًا لأني كنت مرتبكًا.
 
خرجتُ لأدفع قيمة المخالفات، فقال لي كاتب المحكمة في قسم المخالفات: ثلاثة عشر دولار. قلتُ: كم؟ قال 13 دولار، فقد قامت القاضية بإسقاط مخالفاتي الرخصة والتأمين، وخُفِّضت مخالفة التسجيل من 31 دولارٍ إلى 13 دوار. دفعت قيمة المخالفة وخرجت من المحكمة مسرورًا."
 
وقفتُ عند هذه القصة لوقتٍ طويل، وأنا أفكر.. لأن المتهم عندهم ( في أميركا ) قد صحح خطأهُ وحصل على رخصة قيادةٍ وسجَّلَ السيارة وأمنها، قد أُسقطت بعض التهمِ عنه، وخُففت الأخرى، ماهوَ الهدف؟ وكيفَ هو الحالُ عندنا؟
 
اضطرتني هذه الحادثة أن أخوضَ مع صاحب القصة نقاشا خاصًّا حول وضع القضاء والمحاكمات هناك، محاولًا تفكيك معادلات القضاء بيننا وبينهم، وفهم الخلفيات القانوينة بين الحالتين، وما توصلت له، بأنه - رغم وجود العديد من الثغرات والمساوئ والأخطاء في القانون والقضاء، إلا أنه وكما اتضح لي أن هناك مساحة لا بأس بها من الثقة بين القضاء والمواطنين، أنهم يُفعِّلون مبدأ (المتهم بريء حتّى تثبت إدانته) بالمعنى الحقيقي مما يعزز الثقة الموجودة أًصلًا، ففي أي قضيةٍ، يكون المتهم هناك بريئًا حتى يتمكن الإدعاءُ العام من إثباتِ التهمة على نفس المتهم بلا أي احتمالٍ أو شكٍّ أو تردد، وأي إخفاقٍ من الإدعاء العام في إثبات التهمة، يعني أن المتهم بريء!
 
بينما في دولنا المسلمة، فأنت متهمٌ حتى إشعارٍ آخر، قد تثبت التهمة، قد لا تثبت، - أساسًا - قد توجد تهمة وقد لا توجد، إلا أن حكمك سواء بإخلاء السبيل أم بالإعدام عائدٌ لمزاجِ القاضي ولإجراءات لم يكشف لحد الآن آليةً لها سوى أن (المتهم مجرمٌ حتى تثبت براءته.. وربما حتى لو ثبتت)، كما أن القانون هنا (غفورٌ رحيمٌ) على بعضِ الأسماءِ، وهو (شديدُ العقابِ) على البعضِ الآخر، وهذا ما يعدمُ أي فرصة للثقة بينَ القضاء والمواطنين، فحتى لو أصدرت السلطة القضائية القوانين التي تصبُّ في مصلحة المواطن، فلن يتفاعل معها المواطنونَ تفاعلًا إيجابيًا، ولن تكسب احترامهم!
 
هذا ما وجدناهُ في (قانون المرور) الأخير، والذي أحدثَ ضجةً مؤخرًا في الأوساط الشعبية، بينَ مؤيدٍ يخشى على سلامة الناس، وبينَ معترضِ بسببٍ المبالغة في مبالغ العقوبات على المخالفات، وبين مستهزئٍ بالقانون وكأنه يعلمُ بأنه بعد فترةٍ سينساه الناس، ورجال المرور..!
 
لا أستغلُّ هذه المساحة للإشادة بالحالة في أمريكا، أو الانتقام من الحالة في البحرين، إنما أودُّ ان أوصلَ فكرةً مهمةً بأن سنَّ القانون يحتاجُ لأمرينِ مهمينِ جدًا:
 
الأول: هوَ أن يصب القانون في مصلحة المجتمعِ بصورةٍ حقيقيةٍ لا صورةٍ شكلية يتم من خلالها التفريق بين طبقات المجتمع، وأن يبدأ بتطبيق القانون من سنَّهُ لا أن يكون هو فوق القانون لصفتهِ الرَّسمية.
 
الثاني: أن يكون القانون وتطبيقهُ بالدرجة الأولى يحملُ هدفًا إصلاحيًّا وتصحيحيًّا، لا انتقاميا وعقابيا!
 
بهذين الأمرين سيتمكن واضع القانون من كسب الثقة من الجميع فيتم التعاطي مع القانون والنظام تعاطيًا إيجابيًا سيصب في نهاية المطاف لمصلحة المجتمع وأهداف القانون. بينما  الأمر الحاصل هو أنه وإن لم يختلف اثنان حول خطورة استخدام الهاتف مثلًا أثناء قيادة السيارة، إلا أن الكثير لا يستجيب لهذا القانون وإنما يخفي هاتفه لو مرت به سيارة شرطة المرور كي يُجَنِّبَ نفسهُ المخالفة فالمحاسبة، وهذا بالطبع ما لا يهدف له القانون !
 
طبعًا قانون المرور هو مجردُ مثال نعيشه اليوم، والفكرة المطروحة متعلقة بفكرة سن القوانين ككل، وأقولُ ملفتًا النظرِ لمسألة مهمةٍ في هذا الشأن، بأن سنَّ القوانين إن لم يكن منسجمًا مع العدالة السماوية والإنسانية والفطرية، فلا غرابة لو تمرَّد الناس عليه، فالإنسانُ السويُّ متحيِّزٌ لفطرته، ومن يخالف أو يتمرَّد على القانونُ العادل المنسجم مع فطرة الإنسانِ، فهو بالطبعِ ممن ذكرناهم في بداية المقال الذين تشوَّهت فطرتهم.
 
وفي رأيي بأنه لدينا هنا مشكلة أخرى، وهي مشكلةٌ سلوكية أخلاقية، ثقافية. فبالإضافة لانعدام الثقه وما ذكرناه أعلاه، إلا أنه لا يمكن تقويم سلوك وثقافة مجتمعٍ عبر سن القوانين والعقوبات فحسب، بل المسألة تحتاجُ لعلاجٍ ثقافي ربما يُعني هذا العلاج عن الكثير من القوانين، فمثلًا إن كانت ثقافة مجتمعٍ ما أنه لا يرمي الأوساخ في الشارع أبدًا، لن تحتاج لسن قانونٍ يُجرِّمُ من يرميها، وإن وضعت قانونًا بهذا الشأنِ فسيكونُ على الرَّفٍ قد لا تستخدمه أبدًا.
 
إذًا فهنا مسؤوليتان، الأولى أن يكسب صاحب القانون ثقة من سيُطَبَّق عليه القانون، والثانية مساهمة الجميع في المعالجة الثقافية لمناشئ وأسباب المخالفات قبل أن يعاقِب عليها القانون.
 
ختامًا أقول:
 
الخطاب في هذا المقال موجهٌ لك.. كدولة..  منظمة.. جهة ما.. مديرٍ في شركة.. رب أسرة.. كفرد في المجتمع.. كإنسان..
 
#فتأمَّــل!!
 
 
14 فبراير2015

ليس أنا أنت، ولست أنت أنا // أم علي

 
 
نُلام كثيرًا على صمتنا بين ضجيج فضول الكلام، فنحن نكتفي فيه بكلمات بسيطة، تحكي مشاعرنا، ووجهات نظرنا، أو رُبَّما حركة عفوية تُترجِمُ أحاسيسنا.
 
نستطيع أن نتحدث ونُكثِر الكلام والنقاش لإثبات رأينا ورُبَّما إثبات صوتنا..
رُبَّما يكونُ ذلك وفقط.
 
ومع هذا نلتزم الصمتَ خوفًا من مضايقة الغير، أو التسرع في الحكم عليهم، أو من باب احترام رأي الغير..
فهذا الغير.. ليس أنا.
 
ليس التغافل غفلة، وليس التجاهل جهل، قد نُغمِضُ العين عن أخطاء غيرنا، ليس لكمالنا، ولكن على أمل أنْ يكون صمتنا، مؤدِّبًا لنا، ولغيرنا.
 
ورُبَّما كان الصمتُ سيفًا مداويًا لتمادي الآخر في إزعاجه.. طيشه.. استهتاره بمشاعر الغير..
 
لذلك، قليلُ الكلامِ يغني عن كثيره، بل قد يكون قليله كثيرًا..
ومن هنا نحتاج إلى الوقوف على إنَّ التجاهل لا يعني دائمًا (التسفيه)، ولكنَّه أحيانًا صيانةٌ للنفس وحماية لها من الوقوع في حبائل السوء وشِراك السقوط!
 
قد نصمتُ لوقت، وسوف يأتي بعد حين وقتُ الكلام، ولكنَّ الخوفَ أنْ يكون الكلام حينها بصوت مرتفع يُخفِّفُ من حِدَّة غضبٍ يريد (البعض) حشرنا فيها، والصراخ حينها وسيلة لإثبات الوجود!
 
لذلك احترمْ صمتي، قبل أنْ تُستصرخ مشاعري وبوضوح تقول:
 
"ليس أنا أنت، ولست أنت أنا"
 
هذه القاعدة لو اتُّبِعَت، لاتّقَدْنَا فِكرًا مُبدِعًا وَإبدَاعًا مُفَكّرًا.
 
نحن بحاجة لأفق رحيب لنفهم معنى أن تكون ذاتُ الإنسانِ مستقلةً بطباعها وخلالها عن ذوات الآخرين، فهي لها "خصائصها"، "أطرها"، "احتياجاتها"، .... الخ
 
إن استوعبنا ذلك أمكننا حينها أن نُحدِّد دوائر كل ذات وحدودها، وحينها بلا شك سنفهم مقولة : "لستُ أنا أنت ولستَ أنت أنا"
 
الاختلاف طريقٌ لا يؤدي إلا للحياة، ولو تشابه الكون لفسُد.
فما بالنا لا نتوافق إلا مع من شابهنا!
 
هب أنّك استمريت بالنظر إلى المرآة وأنت تشاهد نفسك، فإمّا أنْ تقذفك المرآة، وإمّا ان تُدير ظهرك لترى غيرك، لن يكون هناك طريقٌ لجمودك المستمر..
عند (أنا أنا) بعنجهيتها وثباتها، وحين تأخذها العزة بالإثم، هي من تحول بيننا وبين الإيمان بـ "ليس أنا أنت، ولست أنت أنا"
 
أيضًا..
"عندما تقيّد حبك لي بشبهي بك، فأنت توشك أنْ تقتلني، وقتلي، لا مفرَّ قاتِلُك..
 
أنْ نختلف، يعني إنَّنا نتَّفِق فكرًا، وليس الضرورة، فكرةً..
فالجذر واحد (الفكر)
والأغصان تتعدّد: (الأفكار)
عندها فقط تُجنى الثمار، وحينما نتشابه بالفكر والفكرة لم ندع للثمار مِقطَف."
 
لذلك:
"ليس أنا أنت، ولست أنت أنا"
 
 
14 فبراير 2015