Friday, April 17, 2015

ذوي الإحتياجات الخاصة بدون احساس! // زينب المغلق

 
 
تصادفنا في اليوم مواقف عديدة، بعضها تخزنه الذاكرة ولا تنسى أن تمدنا منه بالعبر والدروس، وبعضها تذهب مع حركة الريح.. يحضرني الآن موقفًا صادفني منذ أسبوع تقريبًا ولكنني كلما أغمضت جفني رأيته أمامي.. موقف مؤلم فعلًا..
 
كنت مع عائلتي في رحلة إلى أحد سواحل البلاد لقضاء وقت ممتع، بعيدًا عن الضجيج ومشاغل الحياة.. استوقفني أحد الباعة وهو يعرض بضاعته بشكل لطيف جدًا وهو ينادي "جربها مرة وما بتنسى طعمها بالمرة.. قلاي اليوم قلاي اليوم" فقرّرت أن أشتري منه ما ترغب به نفسي.. وكان هناك صبي يبدو أنه أحد المساعدين لهذا البائع فقلت له: واحد "نقل" لو سمحت.
 
فأشار إليّ بحركاتٍ بأصابعه، فاكتشفت بأنه أصم، غير قادر على السمع والنطق.. في الوقت نفسه جاء رجل بهندام مرتب وقال له "عطني حب شمسي واحد".. لم يرد هذا الصبي عليه لأنه كان مشغولًا معي، ولم ينتبه أصلًا لهذا الرجل.. فإذا بهذا الرجل يقول له: "وش فيك أنت غبي!! ماتفهم؟؟ أقولك أبي حب شمسي!".. آلمني الموقف جدًا، فقد كان واضحًا بحركة أصابعه مع المشترين بأنه غير قادر على النطق!
 
هذا الموقف جعلني أتوقف للحظات بيني وبين نفسي وأخاطبها؛ مَن نحن لكي نستهزئ بإنسان خلقه الله به عيب خَلقي بسيط! فقد خلقنا الله مختلفين وبنسب متفاوتة جدًا، فمنا الأسمر والأبيض والطويل والضعيف والجميل والقبيح، ومنا أيضًا الأصم والأبكم والكفيف على اختلافنا.. هناك حكم وسرٌ إلهي و عدلٌ سماوي أيضًا واللهم لا اعتراض على حكمك!.. فهذا الصبي الأصم قد يكون إنسانًا حساسًا تؤلمه نظرة أحدٍ يمر جانبه وينظر إليه بنظرة سخرية.. فأنا كفرد بين المجتمع واجبٌ عليَّ أن أنشر ثقافة احتواء هذه الفئة التي يطلق عليها بعض الناس "ذوي الاحتياجات الخاصة" أو المعاقين احتوائهم بكل احترام وحب.
 
 
18 إبريل 2015

يا دي الحب!! // إيمان الحبيشي



لن تفتح رواية اجتماعية، دون أن تجد أن أحد أحداثها المهمّة قصّة حبّ، ولن تتابع مسلسلًا تاريخيًا أو اجتماعيًا إلا وكان الحبّ بطلًا من أبطال حلقاته. استمع لأنشودة أو اقرأ قصيدة، أو حتى اطلع على مشكلة مكتوبة تحت بند "أريد حلًا" لتجد أن الحبّ، هو الجاني على صاحب/ة المشكلة!

صار الحبّ كعّبة يطوف بها الرّاكعون والسّاجدون، والخائفون والسّعيدون، والحالمون والواقعيون أيضًا! هو امّا جرح لأحد، أو حلم لأحد آخر..

ما هذا الحب الذي انغرس بعمق تكويننا، وأحلامنا وخططنا وأيامنا؟

في محاورة لسماحة السّيد محمّد حسين فضل الله*، سُئل خلالها: ألا تعتقد أنّ الحبّ يشكّل حافزًا أساسيًّا من حوافز الخلق والإبداع؟

أجاب:(من الطبيعيّ جدًّا أنّ الحبّ يمثّل حيويّة التجدّد الإنساني، حيث يفتح إنسانيّتك ليحرّك العقل عندما تخطِّط لحركة الحبّ في الواقع، ويحرّك القلب في نبضاته وخفقاته، ويحرّك الإحساس والشّعور؛ إنّه يمثّل الصّفاء الّذي يحسّ به الإنسان، وخصوصًا عندما يعيش إنسانيّته في إنسانيّة الآخر. ليس من الضّروريّ أن يكون الحبّ غريزةً في الجانب الحيوانيّ للغريزة، ولكنّ الحبّ ينفتح على كلّ الكون، فنحن نعيش في صوفيّتنا الإيمانيّة، نعيش الحبّ لله، وأذكر بعضًا من قصيدةٍ لي في مناجاةٍ مع الله، أقول له فيها:
ضمَّنـي في بحيـرة الحـبّ إنّي غارق في بحيرة من دمائـي
ربِّ هبني الصّفاء في الرّوح إنّي أغرق العمر في كؤوس الصّفاءِ)

حينها خرج السيد فضل الله من شرنقة الحبّ المتداول، وهو الحبّ بين المرأة والرجل، ليشمل كل الحب في أبعاده الرّبانية والإنسانية، ليؤكّد حقيقة واضحة نعيشها وندركها، أنّ الإنسان مفردة من مفردات الحب، كما أنّ الدّين الحبّ، كما يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله: (هَلِ الدّينُ إلَّا الحُبُّ وَالبُغضُ؟! قالَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ).

وإن كان الحبّ في فكر محمّد وآل محمّد مشّروطًا، لا ينطلق إلا من الله ولا يوصل إلا لله، فحبّ الزوجين لبعضهما حبّ في الله، منتهاه رضا الله - أو هكذا وجب أن يكون - وحبّ الأمّ لأبنائها حبّ في الله، وكل حبّ وكره لا بد أن يكون منطلقه هو.. لا شئ ولا أحد سواه.

لكن على أرض الواقع، وفي حيز المجتمع، صار الحبّ بين الرجل والمرأة سببًا للوّعة كثيرين، وسببًا لألم كثيرين، وسببًا لانتهاء حلم الكثيرين، وإن كان سببًا لسعادة كثيرين أيضًا. فما هو الحب الحقيقي الذي يجب أن يجمع قلبين في مجتمع مسلم يستظل بشرع الله؟

هل هو حبّ قيّس لليلى؟ التي ملئت أشعار لوعته لها الدنيا؟
هل هو حبّ رشدي أباظة لفاتن حمامة؟ الذي تتكرر تفاصيله في كل فيلم؟
هل هو حبّ الأفلام والمسلسلات الخليجية والأجنبية والتركية؟

فجأة.. صار هذا الحب يملأ الأرجاء، فتنجح رواية للكاتبة الفلانية بناء على حبكة قصة الحبّ في روايتها، وتُقتبس كلمات تلك الرواية، وتُتداول أكثر مما تُتداول الآيات والأحاديث، وتصير دستورًا يرجع له العاشقون، فيستشهدون بكلمات الفرح حين تسير قصّة عشّقهم على ما يرام، ثم يقتبسون كلمات الحزن والغدر والخديعة حين تتعثّر قصص عشّقهم، وهكذا دواليك حتى ملّت أسماعنا تلك الكلمات - أتحدّث عن سمعي على الأقل - وصرنا نعيش بين سندان الحبّ بما هو حبّ أوّجده الله في قلوبنا، وبين مطرقة حبّ بما هو حبّ زرعه التّجار والممثّلون ليروّجوا بضاعتهم عبر غريزة الإنسان!!

فما هو الحبّ الذي يجب أنّ نبحث عنه، وما هو الحبّ أصلًا؟

إجابة هذا السؤال لن تتجاوز أمرين:

كلمات حالمة سيُلقيها على أسماعك مغمور، أو
كلمات مجروحة سيُلقيها على أسماعك مفجوع..

بينما ما أجده حقًا، أننا في مجتمعنا وبناءً على تكويننا وثقافتنا، فليس الحبّ الذي يأسرنا سوى "خدعة" لحقيقة أضعْنا ملامحها، ونحتاج أن نعود لها بكل قوتنا، لعل قصص الزواج تعود لحالة الاستقامة التي فقدتها، ولعل حالات الطّلاق السريعة والتافهة تغادرنا إلى غير رجعة، ليحتفظ "علاج" الطلاق أيضًا بجدواه. 

الحب يا سادتي محتوىً في "وسيلة"، يسعى الإنسان لتحصيلها، ليحقق من خلالها عدة أهداف؛ الاحتواء والانتماء، والغريزة والصّداقة، والاسّتقرار والإنجاب، وكذلك الحبّ والاهتمام، والعديد من الحاجات، وتلك الوسيلة هي "الزواج".

ولكي يتزوج إنسان ما إنسانًا آخر، فهو يحتاج لأن يدرسّ درجة الانسجام معه، إنسان يتناسب مع أهدافه في الحياة وما بعد الحياة، إنسان يتناسب أو ينسجم مع طريقته وأسلوبه في الحياة، وهو ما قد يكون بطرق الزواج التقليدية.

ولأنّنا صرنا نعيش في مجتمع منفتح، يلتقي فيه الرجل بالمرأة في العديد من المواقع، فصار أي شعور لرجل تجاه امرأة، أو لامرأة تجاه رجل، يُشعرهما بأن هذا الإنسان الذي باتا يتعاملان معه، قد يكون قادرًا على تحقيق بعض أو كلّ الأهداف المذكورة أعلاه، فربما من الطبيعي أن يشعر تجاهه بالانجذاب.

وللانجذاب بين الجنسين أسباب غريزية أيضًا، إضافة للسبب الذي أشرت إليه، إذ أنّ الذّكر يميل للأنّثى والأنّثى تميل للذّكر - وهي حقيقة علمية ووجّودية لا يتّسع المجال لمناقشتها وليست هي موضوع المقال - لذلك فقبل أن يهتف رجل ما، أو امرأة ما بالحبّ، فالواجب أن يُنقّح الإثنان انجذابهما ذلك من العوامل الغريزية، ليتأكدا من العوامل الفكرية والمادية والشخصية والاجتماعية، دون إلغاء العوامل الغريزية والعاطفية بل بتهذيبها ثم ليسعيان للزواج، ومن كان غير قادر ولا راغب على تأسيس تلك المؤسّسة، فليحفظ وده بداخل قلبه، وليعالج سقمه بأدوات خُلقه، ولا يستخرج تلك المشاعر ليلقيها بقلب آخر، ليستميله ويشغل فكره ثم ليعتذر منه، إذ لا طاقة له على الزواج!

ما أجّمل أن يكلّل زواج بالحبّ، على أن يكلّل حبّ بالزواج.

يذكر الله سبحانه وتعالى أنه يلقي بين الزوجين "مودّة ورحمة" ويقال أنّ المودّة "فعل سلوكي" لا مجرد صفة نفسية عاطفية كـ"الحبّ" وهو قطعًا ما يحتاجه الزوجان داخل العلاقة الزوجية، عاطفة وسلوك تبني العلاقة بينهما ليكونا متحابين في الله، يودان بعضهما، ليكونا لبنة صحّية من لبنات مجتمع صحّي. 


18 إبريل 2015
___________________________________________
* من حوار لسماحة السيد محمد حسين فضل الله مع قناة العربية بتاريخ: 9/9/2004  الموافق جمادى الأولى 1425

بين الواجب الأخلاقي والعالم الجديد // منصور علي الجمري

 
 
لكل الأبعاد الدنيوية هنالِك (واجب)، وهو إلزام تأدية فِعل ما أو الإفصاح بقَولٍ، يكون هذا التحريك أو التصريح في سبيل التَنْجيّة. الأخلاق إحدى تلكَ المقوِمات فهيَ رُكنٌ أساسي من أبعاد الفعل الإنساني وتكون صادرة إما عن سلطة المجتمع - أي الإكراه الخارجي الضاغط من المحيط الاجتماعي -، أو عن شعور الإنسان ووعيه - أي سلطة صادرة عن الضمير الإنساني الخالص - والأخيرة هي التي تكون قد تأتت من وازع إنساني، فنصل إلى أن الواجب الأخلاقي يتمخّض عن إكراهٍ أو إرادة حرة ولكن بأي حال من الأحوال فإننا نتحصل على "فِعل محسوب على الواجبات الأخلاقية".
 
للواجب ضرورة حتمية ليست في تأديته وحسب، بل إلزام عدم تركه، فالواجب المُراد هو المدفوع بالوازع الأخلاقي للناحية الإنسانية من إحساسٍ بمسؤوليةِ الفِعل أو الترك، وليس ذلك المتَحصِل لغرض مخطوط في ﻻئحة الأجندة الشخصيّة أو المؤسساتية أو الفكرية.
 
اليوم في عالمٍ متنازع، يجد فيه المرء نفسه على مواقدٍ من نار، حيث تستعر النزاعات فيه بكافة اشكالها، وتجد الثنائية الأزلية ماثلة أمامك، ظالم يعتدي ومظلوم يدافع أو ربما لا يدافع، والواجب يحتم على الفرد والمجتمع - مكرهًا - تحت إحدى السلطتين - الداخلية أو الخارجية - ليتخذ موقفًا واضحًا، مع أو ضد أحد هذه الأطراف وﻻ يميل الواجب هنا إلا لنصرة المظلوم.
فلا يجوز أخلاقيًا - بالعموم - ترك الواجب عند مفترقات الطرق وتعاكس الآراء واختلاف الأشخاص، وخصُوصًا عندما يكون تَركه يترتب عليه مَضرة لفرد أو جماعة، ففي صِراع الباطِل على الحق - ﻹخماده وإزالته - وصِراع الحق على الباطِل - ﻹحياءه وتثبيته - مُحرمٌ أن يكون المَوْقِف "حِيادِية" لأنَهُ: حقٌ باطِل.
 
فالظاِلم والباطِل كِيانان عديما الضَمير مسلوخا المبادئ؛ يجْرِمانَ و يعتَدين، يظلِمانَ وينْهبان، وللمُحايِد طِباعٌ أقبح، يَملِكُ المبدأ وفَراسة التشخِيص ليُدرِكَ في تَعمُقِه للحالة مَنِ الظالِمُ ومَنِ المَظلوم ليُضفي بنفسِهِ قرارًا يتخلى فيه عن المظلوم أو الحق ليُشجعَ الباطِل والظالم في عَدمِ نُصرةِ الحق أو المَظلوم.
 
عجَباً عَجبا! العالمُ المَذكور أعلاه يُصَفِقُ للمُحايِد لظُلمِهِ المُستَتِر مُتناسِيًا و ليسَ بِناسٍ أنهُ فرّطَ بالواجِب و تَركَهُ، فالإنسان بما يحمِلُ في طيّاتِهِ من إنسانية يُمارِس المَوقِف أو يُفصِح بِهِ قَولًا - إن لم يلزِم تَحرِيكُ الجَوارِح لترجَمَتِهِ - فلا مُقامة للحِياديّة أمام مَنْطِق رَفضِها عِلمًا بأنها أمْست تُجسّد شمّاعة التارِك المُتخاذِل، أخشى أن يكون تمهيدًا أيديولوجيًا لنشهَدَ العالَمَ المُقَدِس للظالِم لِظُلمِهِ الظّاهِرِ القِليل، حيثُ غَفيْنا يُثنى على صاحِب الفعل الحَسن وفِقْنا نَثني على تارِك الفِعل القبيح، فالثْناءُ شكّلَ النَمطَ السلبي في وقت الغَفوةِ لليَقضة.
 
 
18 إبريل 2015

Friday, April 10, 2015

على ضفاف الذكريات (18) // ز.كاظم

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

دقائقٌ مرت عليّ وأنا جالس أحدّق في لوحة المبنى.. أنظر إلى يميني تارة، وإلى شمالي تارة أخرى.. تعصف بي الأفكار من كل جانب.. هل صحيح ما قاله نبيل أن الشاعر معتقل! ماذا فعل الشاعر لكي يُسجن! هل كان مسرعًا! لا بد أنه كان مسرعًا فمنذ خروجنا من مدينتنا وهو الذي كان يقود السيارة في أكثر الأحيان، والمسافات طويلة جدًا مما تغري السائق بأن يُسرع ليقطع تلك المسافات الشاسعة.. لكن، ألم نتعظ من درس نبيل وسرعته التي كادت أن تودي به إلى السجن!! وكيف يُسجن على مخالفة سرعة!! في العادة يتم إعطاء المخالف مخالفة ولا يتم سحبه إلى مركز الشرطة إلا إذا قام بفوضى تستدعي الشرطي بأن يلقِ القبض عليه!! لا.. لا يمكن أن يقوم الشاعر بذلك!!

وبينما أخاطب نفسي وأحادثها وإذا بنبيل قد أقبل.. ركب السيارة على عجل وقد بدى عليه الانزعاج والاضطراب.. سألته، ماذا حدث!! قال: نحتاج إلى مبلغ ثلاثمائة دولار لكي يتم إطلاق سراح الشاعر! في هذه الساعة المتأخرة من الليل وفي منطقة لا نعرفها جيدًا ذهبنا نبحث عن جهاز صراف آلي.. وجدناه بعد بحث حثيث، وتم سحب المبلغ المطلوب.. رجعنا مرة أخرى إلى مركز الشرطة.. دخل نبيل لوحده..

عُدتُ إلى دوامة أفكاري.. ما الذي حدث!!

مضت تقريبًا حوالي الساعة وإذا بهما يخرجان من المبنى.. ركِبا السيارة، فسألتُ الشاعر متلهفًا ماذا حدث؟!

قال الشاعر: كنتُ مسرعًا والشارع يكاد يكون خاليًا من السيارات.. بعد فترة وعلى بُعد مسافةٍ أمامي رصدتُ سيارة على جانب الطريق، خفضت السرعة قبل أن أصل إليها حذرًا أن تكون سيارة شرطة.. كان الشارع مظلمًا وغطاء السيارة الأمامي مرفوعًا مما يوحي بأن السيارة معطلة.  لكن لم أتمكن من التحقق من السيارة جيدًا.. بعد أن ابتعدتُ عنها قليلًا لاحظتُ أن السيارة دخلت على الخط لكن واضح عليها أنها سيارة عادية بل إن إحدى الأنوار الأمامية كانت معطلة - وهذه مخالفة - ولا يمكن لسيارة شرطة أن تكون كذلك.. فأسرعتُ..
 
 

بعدها بدقائق وإذا بأنوار السيارة من خلفي تتلألأ.. كانت وللأسف سيارة شرطة..


أوقفنا الشرطي وطلب رخصة القيادة فأعطيته رخصة قيادتي الإنترناشيونال، فحرّر مخالفة سرعة بمبلغ ثلاثمائة دولار تُدفع حالًا وإلا يتم القبض عليّ ويتم عرضي على القاضي صباحًا. سأل نبيلُ الشرطي عن هذا القانون الغريب الذي لم نسمع به من قبل فقال الشرطي: إن الكثير من السائحين لا يدفعون مخالفاتهم ولا يمكن ملاحقاتهم على قضايا المخالفات المرورية متى ما خرجوا من الولاية. وولاية ميسيسبي تُعدّ من الولايات الفقيرة، ولذلك تم إصدار هذا القانون لتأمين استلام مبالغ المخالفات. ولك الخيار إما المبيت ليلًا في زنزانة السجن والمثول أمام القاضي صباحًا أو دفع المبلغ حالًا وتمضي في سبيلك. كل ذلك حدث وأنا نائم في الكرسي الخلفي!
 
 لم نكن لنترك الشاعر يقضي ليلته في السجن ولا أن ننتظر لكي يبرز أمام القاضي صباحًا.. انطلقنا من ولاية ميسيسبي هربًا منها بعد أن كرهناها خصوصًا وأنها كلفتنا ذلك المبلغ الكبير بالنسبة لنا كطلبة.. ثلاثمائة دولار ليست بالمبلغ السهل الهين علينا نحن الطلبة خصوصًا أننا في رحلة سفر.. خرجنا من حدود المسيسيبي فرفعنا أصواتنا مهللين بالصلاة على محمد وآل محمد.. دخلنا بعد ذلك ولاية ألاباما ومن ثم جورجيا وبعد مضي أكثر من عشر ساعات دخلنا فلوريدا "ولاية أشعة الشمس".. 

لفت انتباهنا جمال الطبيعة في ولاية فلوريدا بمجرد دخولنا داخل حدودها.. فالنخيل الباسقات الجميلات تتراقص سعفاتها على أنغام الرياح الهادئة الساحرة، واقفات في طابور منتظم ممتد على قارعة الطريق.. 
 
فلوريدا؛ يقع خليج المكسيك على الغرب منها، وولايتا جورجيا وألاباما على الشمال، وعلى الشرق المحيط الأطلسي الذي يعزل أمريكا عن العالم.. وصلنا مدينة ميامي صباحًا بعد أن قطعنا حوالي الثمان ساعات مذ دخلنا حدود فلوريدا.. الملفت لانتباهنا في الحال كان طغيان العنصر الأسباني عليها ذلك لكون الكثير من النازحين إليها من دولة "كوبا"، هذه الدولة الصغيرة التي كانت شوكة في بلعوم أمريكا. دولة كاسترو الشيوعي الذي مع 80 من مناصريه - من ضمنهم جي جيفارا - دخلوا هذه الدولة في عام 1956 على يخت "جرانما" لقيادة الثورة الكوبية ضد حكومة الدكتاتور باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة. بعد ثلاثة أعوام سيطر كاسترو على العاصمة وهرب باتسيتا إلى خارج كوبا وتحوّلت تلك الدولة التي كانت إلعوبة في يد الولايات المتحدة إلى خنجر شيوعيٍ روسيٍ في خاصرتها. الملفت في هذه الثورة أنها قامت ضد دكتاتور لتنصب من بعده دكتاتورًا جديدًا!  
Che Guevara and Fidel Castro, photographed by Alberto Korda in 1961.

  

لم ترق لنا مدينة ميامي، فبعد أن أمضينا في شوارعها عدة ساعات وعلى ساحلها عدة دقائق والذي كان واضحًا عليه القذارة الأخلاقية وانعدام النظافة على رماله قررنا أن نرحل عن هذه المدينة إلى مدينة أورلاندو التي تبعد قرابة الثلاث ساعات..

 
 تتميز مدينة أورلاندو بأنها مدينة المعالم السياحية إذ يزورها أكثر من 57 مليون سائح سنويًا، وهذه المعالم هي: منتجع والت ديزني العالمي، يونيفيرسال ستوديوس، سي وورلد، إبكت سنتر،.. إلخ..
 
قضينا تقريبًا ثلاثة أيام زائرين لثلاثة من الأماكن السياحية: ديزني وولد، يونيفرسال ستوديوس، والإبكت سنتر.. يعلوك العجب من تلك المساحة لكل من هذه الأماكن السياحية والذي تحتاج أن تقضي في كل واحد منها عدة أيام، كما يذهلك أعداد الزائرين.. طوابير من الناس، صغارًا وكبارًا تنتظر الدخول. أعجبنا الإبكت سنتر حيث أنه مؤسَس للاحتفال بالإنجاز البشري، والابتكار التكنولوجي والثقافة الدولية.. كلمة إبكت مختصر للنموذج التجريبي لمجتمع الغد.. وكأنه عالم مصغر، إيطاليا، بريطانيا، كندا، وكانت دولة المغرب من ضمن البلدان المصغرة فيه.
 
 
في آخر ليلة لنا في أورلاندو قررنا أن نزور مدينة صغيرة بالقرب منها اسمها "كيسيمي" وبينما نتجول بالسيارة فيها وإذا بلافتة على مبنى معزول مكتوب عليها ليالي العرب "Arabian Nights"..
 
  
 
يتبع في الحلقة القادمة..

 
11 إبريل 2015

مبررات الانحراف // أبو مقداد

 
 
لكلٍّ فعلٍ قيمتُهُ الإيجابية بالنسبة للفاعل، بغض النَّظرِ عن ما إذا كان هذا الفعل صالحًا أم فاسدًا!
فمثلًا مَن يتصدق ويبذل من ماله الخاص لوجه الله دون فائدة مادية تعود عليه، هو ينتظرُ أمرًا إيجابيًا بالنسبة له، وهو رضا الله وثوابه، ومن يسرقُ من أحدٍ مالًا، فهو ينتظرُ أمرًا إيجابيًا بالنسبة له أيضًا، وإن لم يكن أمرًا إيجابيا في أصله، وهو أن يحصل على المال الذي يحتاجه ليسد فراغه بواسطة هذه السرقة.
 
من هذه النظرية، أقول إن أراد صاحب فعلٍ ما أن ينشر ويعمم فعلته كحالة ثقافية، ينبغي عليه أن يتبع آلياتٍ معينه، يتمكن من خلالها صنع ثقافة وخلق واقعٍ جديد مختلف، فمثلًا حين يريد صاحب الصدقة أن يحول الصدقة لثقافة تكافلية للمجتمع، وسمةٍ يُعرف بها، وثقافة يمارسها، ينبغي عليه أن يعمل وفق آليات وتقنيات خاصة، لا أن تكون عشوائيةً أو متخبطة، إنما يحتاج - مثلًا - لمخاطب الناس بلغتهم ولغة عصرهم واحتياجاتهم، أن يحاول أن يشعرهم بضرورة وأثر هذه الثقافة، لا أن يكتفي بقول: من تصدق فله حسنة وأجر، إنما بالطبع هناك آثار ونتائج لنشر مثل هذه الحالات في المجتمع، وهذا مثال للتوضيح لا للتفصيل. الحالة الثانية هي حين ترغب في نُصح السارق بأن يتّقِ الله، وأن ينتهِ عن هذا الفعل القبيح، ينبغي الحذر الشديد في التعامل معه كي لا ينفر من ناصحه، فهو كما أسلفنا يعتقد في بواطن عقله أن ممارسته لهذا الفعل أمرًا إيجابيًا، وتركه لهذا الفعل أمرٌ سلبيٌ بالطبع، لذلك فمن غير المعقول أن تحاول حث سارقٍ على أن يتصدق مثلًا، لهذا أقول كذلك تحتاج لتقنية خاصة تخاطب بها هذا الإنسان أو هذا النموذج.
 
الكثير من المغريات قد يتعرض لها الفرد، وتحرفه عن الحق بالباطل، ولتعذر وجود المعصوم بيننا، وغياب صاحب الزمان عنّا، فإن مسؤليتنا تجاه الأمر والباطل على مستويين:-
الأول: أن نسلم بأحقية أمر ما أو بطلان أمر ما، لوجود نصّ عليه، كوجوب الصلاة وحرمة الزنا!
الثاني: أن نحتاط في حكمنا بأحقية وبطلان أمرٍ ما، لعدم وجود نصٍ ولتعذر المعصوم كما أسلفنا، وفي الاحتياط مستويين، مستوى نقلد فيه فقيهًا ونعمل بحكمه، ومستوى لا تقليد فيه، فنبقيه على حال الاحتياط. وفي وجه هذه المغريات وسوء ظروف المعيشة وصعوبة الحياة، قد ينجرف البعض لاهثًا خلف لقمة عيشه فيخسر مبادئه، وقد يبحث عن منصبٍ فيبيع مجتمعه، وقد يطمع في جاهٍ فينقلب على دينه، لا أغفلُ طبعًا أثر ودور الغزو الثقافي الذي يمارس ضدنا لحرفنا عن أي طريقٍ قد يوصلنا للحق. هنا لا أبرر أبدًا للمنحرف انحرافه ولسالك طريق الباطل سلوكه، إنما أشير لأمر مهمٍ جدًا ينبغي أن نلاحظه، ألا وهو أن لهذا المنحرف أو لمن يتخذ الباطل طريقًا له، أمور عديدة سببت له هذا الانحراف، ولو تمكنّا من علاج وإصلاح هذه الأسباب، سنتمكن من إنقاذه أولًا وحماية الكثيرين منها.
 
يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رض) في كتابه مجتمعنا:
"الهاربون من مسرح الحياة اﻻجتماعية، المنعزلون عن الناس زهدًا وتعففًا وتقوى (كما يدّعون) هم في الحقيقة هاربون من المسؤولية."
 
لذلك فإن مسؤلية نشر ثقافة الحق، وإصلاح الثقافات الفاسدة وإنقاذ الناس وحمايتهم منها، هي مسؤوليتي أنا، وأنت، وهم، ونحن، وكل أفراد المجتمعِ معنيون بأن يساهموا في أن ينتشر الحق وينزهق الباطل، وإلا فلا عذر لهم على هروبهم من هذه المسؤولية، ويجب أن لا يتكل أحدنا على الآخر بل أن روح المبادرة تحتاج لأن نتقلدها جميعًا كمجتمع، لنتمكن من صناعة واقعنا المثالي الراقي.
 
الفئة المنحرفة ليست فئة منبوذة بيننا، ولا يجب أن تكون كذلك، بل هي أكثر فئة تحتاج لأن نتصالح معها، ونتعايش معها ونتآلف، وأن نفهمها حتى نتمكن من فهم دواعي انحرافها فنساهم في إصلاحها على أقل تقدير إن لم نستطع أن نصلح هذه الفئة، وأساسًا أجد تصنيف المجتمع وفق معادلة الفئة المؤمنة والفئة المنحرفة تصنيف ظالم تافه، وأول ما يصنعه هذا التصنيف هو بناء حاجز بين فئات المجتمع وطبقاتهم وعزل مجموعة عن أخرى مما يُصعب لغة التواصل بين الفئات لاحقًا، ولكن تسامحًا، وحتى تصل فكرتي أستخدمها هنا. لهذه الفئة التي توصف بأنها منحرفة - كما ذكرنا في بداية المقال - قيمة إيجابية لما تقوم به، ولو اخترقنا صفوفهم وحياتهم وشاركناهم همومهم لربما اتضحت لنا مبررات كثيرة تدفعهم ليكونوا ما يكونوا عليه، فمثلًا، السارق حين يسرق ونعزله عن المجتمع ونشير له فلان اللص، لا نعتقد بأنا بشكل الأشكال نساهم في توعية والارتقاء به وبمجتمعه، إنما ندمره مع الإبقاء ع مسببات حالته، بينما لو بحثنا في مبررات سرقته، واكتشفنا مثلًا أنها الفقر والحاجة، أو مشكلة في تربيته وتأسيسه، لتمكنّا بشكل من الأشكال إصلاح هذا الخل أو محاولة عدم حدوثه لآخرين من حولنا!
 
الكثيرون ممن يتخذون خيارات، وسلوكيات خاصة بهم، تختلف مع منهجيتنا أو أفكارنا، أو الحق الذي نحتاط و نعتقد بأننا نلتزم به وبحذافيره، نبدأ تلقائيًا في عزلهم عنا وعن مجتمعنا وعن بيئتنا، ونحرمهم حتى من أن نفترض لهم أسبابًا جعلتهم يسلكون هذا المسلك، وبشكل عاجل نطلق حكمنا عليهم بأنهم أناس سيؤون ومنحرفون، نعم.  ربما يكونون كذلك، ولكن السؤال هنا، ما هي وظيفتنا تجاههم، وطريقهم الذي اختاروه؟ ننبذهم، نحاول إصلاح ما نتمكن منه؟ نستفيد من تجربتهم على الأقل؟

#تأمل!

في مجتمعنا، وقبل أن نطلق أحكامنا على الآخرين هناك صنفان من الناس والحالات التي سنتعامل معها، الأول هو الصنف القريب منا، من بيئتنا أو القرية أو مجتمعنا الضيق، والصنف الثاني هي من المجتمع العام على مستوى واسع قد يصل على مستوى الوطن البحراني أو أكثر من ذلك، أقول أولًا أنه لا يوجد فرد في أي مجتمعٍ أنتمي له يقع خارح دائرة مسؤوليتي، فـ"كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته" سواء أكان هذا الفرد في الدائرة الضيقة أم المفتوحة في المجتمع، ثانيًا، إن موقع كل فرد بالنسبة لي تفرض عليَّ آليات وأساليب مختلفة في مخاطبته، فمثلًا إن كان هذا الفرد ابني أو أخي فالعملية أسهل من إن كان شخصيةً عامة في المجتمع!

أحدهم يكفي لمخاطبته اتصال، وربما أحدٌ آخر يحتاح لتعميم حالة ثقافية حتى يُصلَحُ حالُه، المهمّ في الأمر أن كليهما في دائرة المسؤولية، وبالطبع تختلف مسؤوليتنا تجاه كل فرد.

أن نطلق أحكامنا على أحد ما لا ينبغي أن يكون أولًا من باب الحسم بأن فلانًا على باطلٍ إن لم يكن من المحسومات كما ذكرناه أعلاه، فشارب الخمر يمارس رذيلة بلا شك، ولكن الكثير من الممارسات لا بد لأحكامنا فيها أن تأخذ منحى الاحتمال والاحتياط، وثانيًا لا ينبغي أن تُتخذ الأحكام قبل فهم دواعي ومبررات ومؤسِّسات السلوك الذي دفعنا لأخذ هذه الأحكام، لنتجنب ظلم الآخرين ولإيجاد مساحةَ إصلاحهم أو غيرهم، بعد إصلاح أنفسنا طبعًا.

ختامًا أقول.. كل نفسٍ أمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي، وكل نفسٍ تحتاج لبقية الأنفس للتتعايش معها، لتؤثر فيها، وتتأثر منها، ليبقى المجتمع في حركة دائمة ضد الجمود..
"يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى، وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم"



11 إبريل 2015

على ضفاف الذكريات (17) // ز.كاظم

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

إِيلافِنا رحلة الصيف:

في صيف 1991 زارنا أحد أصدقاء نبيل (علي الشاعر) من القطيف وقد قررنا أن نقوم برحلة سفر إلى ولاية فلوريدا.. كانت تلك هي الرحلة الثانية لي بين الولايات بعد رحلة المؤتمر في عام 88. تأجرنا إحدى السيارات وانطلقنا ليلًا من فانكوفر متوجهين إلى فلوريدا، من أقصى الشمال الغربي إلى أدنى الجنوب الشرقي، وكانت الفكرة أن نلتقي بالشباب (الطلبة) الذين نعرفهم في الولايات المتفرقة..


أول محطة لنا بعد خروجنا من ولاية أوريغون كانت مدينة مانهاتن في ولاية كنساس.. كان لي أحد الشباب البحرانيين يدرس هناك وقد تعرّفتُ عليه سابقًا عن طريق أحد الأصدقاء - نسيبه - في رحلة سفر إلى دبي قبل مجيئي لأمريكا، وكنتُ أعرف والده السيد إذ كان مواظبًا على حضور صلاة الجماعة في مسجد مؤمن. استغرقت الرحلة تقريبًا يومًا كاملًا إذ تبلغ المسافة بين المدينتين حوالي الألف وسبعمائة ميلٍ. استلم السياقة الشاعر فقد كان يقوم بالسياقة لمسافات طويلة بين السعودية وسوريا، وكل ما يحتاجه كيسًا من الحب الشمسي فهو زاده الذي يعينه على قطع الطريق.. قطعنا عدة ولايات (أيداهو، يوتا، وايومنج، نبراسكا) لنصل إلى ولاية كنساس.. كانت المسافة طويلة جدًا وهذا ما تتميز به ولايات القسم الغربي على خلاف الولايات في الجزء الشرقي فالمسافة بينها قصيرة جدًا.. قضينا الوقت في قطع المسافة الشاسعة بين الولايات الأربع في الأحاديث المتفرقة والاستمتاع بالطبيعة الخلابة. لم نكن نتوقف إلا لتزويد السيارة بالبترول، وهناك نأكل ونقوم بالصلاة عند محطة البنزين إذ نتخذ مكانًا جانبيًا ونضع سجادة الصلاة ونصلي.. 


وصلنا إلى مدينة مانهاتن ليلًا وكان السيد محمد بانتظارنا، وهو شاب تتفجر الطيبة منه، وكان قد أعد لي مفاجأة كما أخبرني بالهاتف.. كانت المفاجأة أنه دعى عادل عباسي، وهو أحد الذين هاجروا من البحرين قبل مجيئي لأمريكا، وكان من حيِّنا وله صداقة مع أخي الأوسط. تفاجأت بوجوده عند السيد فهو كان يقطن في ولاية ميزوري الولاية المجاورة لكنساس. كنتُ سعيدًا برؤيته فهو من الذين خرجوا من البحرين منذ فترة الثمانينات ولم نسمع عن أخباره شيئًا. جلسنا وتحدثنا معه ولكن للأسف لم يتمكن من المكوث معنا طويلًا ورجع في نفس الليلة التي التقانا..

مكثنا مع السيد محمد حوالي فترة يومين، تفقدنا فيها أحوال الرعية وقد كانت مدينته عبارة عن مدينة جامعية متوسطة الحجم، لكن لم يكن فيها تواجد كبير للجالية الشيعية كما هو الحال عندنا.. قام السيد بضيافتنا على أكمل وجه، وقد ذهبنا لجامعته وهي من الجامعات المعروفة في أمريكا Kansan State University وأمضينا فيها بعض الوقت..




لكن الحدث الأهم والذي ظل راسخًا في ذهني طوال هذه السنين هو قصة ذكرها السيد لنا حينها.. ذكر السيد أن طالبًا كويتيًا للتو جاء للدراسة في جامعتهم، وبعد فترة قصيرة اختفى لعدة أيام.. بعدها عُلِم أنه قتل برصاصة في خلف رأسه!!!


كيف حدث ذلك؟!

هنا في أمريكا، عندما يوقفك الشرطي فالعُرف أن تمكث في سيارتك ولا تخرج، وأن لا تتحرك بحركة تثير الشكوك بل تضع يديك على مقود السيارة.. تقف سيارة الشرطة خلف السيارة الموقوفة مع تركيز الأنوار، وفي الليل فإن سيارة الشرطة تسلط ضوءًا ساطعًا على السيارة الموقوفة ليتم كشفها بسهولة، ولتعشي عين السائق قليلًا.. بعد إيقافك يقوم الشرطي من سيارته بالاتصال بالشرطة ليتحقق من سيارتك، ثم يخرج ويأتي إلى جهة السائق إذا كان لوحده، أما إذا كان مع السائق آخرون، فهو يحاول أن يستكشف الآخرين حذرًا من أن يكون ضحية من ضحايا الإجرام. يأتي الشرطي من الخلف واضعًا يده على مسدسه، ويطرق النافذة الزجاجية لتفتحها ومن ثم تتحدث معه. ويحق للشرطي أن يقوم بالقوة اللازمة الرادعة إذا ما ساوره الشك من السائق!


هذا الطالب أوقفه شرطي المرور، وهو لا يعلم طريقة التعامل مع الشرطة، وكان واضعًا بطاقة القيادة في الدرج الأمامي من السيارة. وبمجرد أن أوقفه الشرطي، مد يده إلى الدرج ليستخرج بطاقة القيادة، مما دفع بالشرطي من خلفه لأن يظن أنه سيقوم بإخراج مسدسًا من الدرج!! فأطلق عليه رصاصة جاءت مسرعة متهورة لتستقر في جمجمته!!! تصوّر أن تبعث ولدك للدراسة الجامعية في أمريكا فيرجع لك مقتولًا برصاصة في رأسه سببها تصرف داثر وحظ عاثر وعُرف مغاير! درس قاسي أودى بحياة هذا الطالب الذي لم يبلغ العشرين، وفي نفس الوقت كان درسًا لنا لنعرف أهمية وخطورة هذه الأعراف القانونية وكذلك مدى الصلاحية (الخطيرة) التي يتمتع بها الشرطي في أمريكا!!!

ودّعنا السيد ولم نكن نودّ مفارقته، وبعد ذلك توجهنا لولاية أوكلاهوما وهي الولاية الملاصقة لكنساس جنوبًا.. كان يدرس في هذه الولاية أحد الطلاب لنبيل معرفة بسيطة بأهله فهو من نفس المنطقة التي جاء منها نبيل، وقد كان العزم أن نمكث عنده فترة قصيرة أيضًا ومنه ننطلق إلى وجهتنا.. وصلنا مدينة تلسا في ولاية أوكلاهوما الثالثة عصرًا أي بعد خمس ساعات منذ خروجنا من مدينة مانهاتن، وكان الجو ممطرًا قليلًا.. أتذكر جيدًا تلك العمارات الشاهقة وحبات المطر تهطل بحنان على زجاجة السيارة.. توجهنا بعد ذلك إلى المنطقة (Fort Smith) التي يدرس فيها هذا الطالب.. وصلنا إليها بعد ساعتين تقريبًا، وهي منطقة حدودية بين ولايتي أوكلاهوما وآركنسا.. المدينة صغيرة جدًا ولا يوحي مظهرها بأنها مدينة جامعية.. ظللنا ندور في شوارع تلك المدينة حتى دارت رؤوسنا وانتفخت.. كانت وسيلة الاتصال حينها الهواتف العامة، ولكن لم لدينا رقم الطالب الذي لا أتذكر اسمه.


بعد فترة من البحث في شوارع تلك المدينة توقف نبيل عند إحدى محطات البنزين القديمة ليسألهم عن الجامعة.. دخل المحل وبقينا أنا وعلي في السيارة.. بعد فترة قصيرة جاءني نبيل وهو يضحك ليقول لي: "روح تفاهم وياهم ما يتكلمون انجليزي"! استغربت من ذلك، وذهبت إلى داخل المحل، وسألتُ الكاشير عن الجامعة، وبالفعل كانت اللهجة التي يتكلم بها ثقيلة جدًا هي لهجة الجنوبيين Southerns والتي تكون عادة بألفاظ معينة فيها الكلمات مطاطية ذات نغم مختلف جدًا.. تقريبًا لكل ولاية لهجتها الخاصة بها، ولكن في الولاية نفسها قد تجد اختلافًا في اللهجة بين أهل المدن وأهل الريف. وجدتُ صعوبة في التفاهم مع الكاشير، لكنه أخبرني أنه لا يوجد جامعة في هذه المدينة، بل توجد كلية صغيرة جدًا..  

رجعتُ وأخبرت نبيل بذلك.. وطفقنا ندور في شوارع تلك المدينة مرة أخرى حتى قاربت الشمس على المغيب.. قلتُ لنبيل اعطني عنوان الطالب، فمد يده إليّ بورقة نظرتُ فيها مليًا ثم قلت: "غربلكم الله.. جايبينا مدينة غلط، كنّا في تلك المدينة قبل عدة ساعات!!". دعني أوضح:

ينقسم العنوان هنا في أمريكا إلى النحو التالي:

1234 اسم (اسم الشارع)
المدينة، الولاية (الرمز البريدي)

(الرقم في السطر الأول هو رقم المبنى)

كانت العنوان على الورقة التي ناولني إياها نبيل هكذا:

1234 Fort Smith
Tulsa, OK74101

الجامعة التي يدرس فيها الطالب في مدينة تلسا، وليس مدينة فورت سميث، وقد كنا في تلسا قبل عدة ساعات، وفورت سميث ليس اسم المدينة وإنما اسم الشارع. غضب نبيل على تضييع كل ذلك الوقت في الذهاب إلى هذه المدينة، وقام بالسياقة رجوعًا مرة أخرى إلى تلسا وقد كان مسرعًا جدًا.. بعض شوارع أوكلاهوما تأخذ رسومًا على السائقين، وهي ظاهرة لم نكن نعرفها قبل رحلتنا هذه. وصلنا عند محل دفع الرسوم Toll، لكن قبل وصولنا بقليل وإذا بسيارة الشرطة من خلفنا والأنوار تضيء منها.. لم يكن نبيل يتصور أنه خالف، مع أنه كان مسرعًا، لكنه خفف السرعة عندما جاءت سيارة الشرطة خلفه فكانت سرعته على النحو المطلوب. دفعنا الرسوم.. 


ثم أوقف نبيل السيارة على الجانب، وبعد لحظات وبينما نبيل يسألنا عن رخصته، قال علي إنها في الدرج الأمامي، وأراد أن يمد يده، فقلتُ له: "امسك إيدك ولا تتحرك لا تودينا في داهية".. ثبت علي في مكانه، وفي تلك اللحظة وإذا بالشرطي وهو بجانب نافذتي واضعًا يده على مسدسه. 

     
طرق الشرطي على النافذة وسأل نبيل الخروج فورًا.. خرج نبيل وذهب معه إلى سيارته.. عشنا لحظات قلق شديدة - تقلّ بدرجة واحدة عن قلق الأمين العام للأمم المتحدة على قضايا الشرق الأوسط - خصوصًا أنه أخرج نبيل من السيارة وفي العادة لا يتم ذلك إلا للتفتيش أو لإلقاء القبض، وأيضًا مكث نبيل قرابة النصف ساعة مع الشرطي في سيارته.. ماذا سيحصل مع نبيل؟ وهل سيعطيه مخالفة كبيرة، أم سيلقي القبض عليه؟ رجع نبيل مبتسمًا وقال أنه لم يحصل على مخالفة، بل مجرد تنبيه!!!



لم يكن الشرطي هو الذي رصد سرعة السيارة، وإنما الطائرة فهناك طائرة ترصد السرعة المتهورة وتقوم بالاتصال بشرطة الهايوي.. سألنا نبيل إذا كان كذلك، فكيف لم يحرر الشرطي له مخالفة! قال أنه سأله من أين، فقال له من السعودية، وكانت أحداث حرب الخليج لا تزال طرية وقد استثمر نبيل الحدث فحدثه عن حرب الخليج فترة مكوثه معه.. كان الشرطي في البداية غاضبًا جدًا لكن بعد الحديث مع نبيل عن أحداث الخليج يبدو أنه هدأ وقام بتوجيه تنبيه له في عدم السرعة مستقبلًا.

وصلنا إلى صاحب نبيل في مدينة تلسا، وكان الطالب يسكن في السكن الجامعي، ومعه أحد الطلبة الآخرين ولم يكن عربيًا.. كانت مدينة تلسا تضج بالطلبة العرب وخصوصًا الخليجيين.. أتذكر في تلك الرحلة أنه تم دعوتنا في بيوت الكثير من الطلبة لوجبات طعام، كما أيضًا ذهبنا إلى الشباب وهم يلعبون كرة الطائرة فكان العدد كبيرًا جدًا.. مع أن الأخ الذي زرناه كان طيبًا إلا أن وضعه لم يكن يسمح لنا بأن نمكث معه أكثر من تلك الليلة، لكني أتذكر أن أحد الإخوة الآخرين دعانا للسكن معهم الليلتين التاليتين.


مكثنا عدة أيام في مدينة تلسا ثم توجهنا إلى ولاية آركنسا مدينة ليتل روك.. كان في تلك المدينة شابًا من القطيف اسمه محسن (أبو عضلات) يعرفه نبيل.. وصلنا إلى مدينة آركنسا ومكثنا عند الشاب وكان معه طالب آخر من القطيف.. 

الملفت في هذه الرحلة أن الطلبة الذين قمنا بزيارتهم قد قاموا بضيافتنا لمجرد معرفة بسيطة، فهم يأنسون لذلك ويقوموا بدعوة شباب المنطقة ليتعرفوا علينا..

بعد ذلك توجهنا إلى فلوريدا ولم نكن نعرف بها أحدًا..


كانت المسافة بين ليتل روك (آركنسا) وميامي (فلوريدا) حوالي أربع ساعات نمر من خلالها على ثلاث ولايات (ميسيسبي، ألاباما، جورجيا). خرجنا من ليتل روك ليلًا، وكنتُ نائمًا في الخلف.. انتبهت من نومي بعد فترة وإذا بالذي يسوق نبيل وقد كان علي يسوق عندما خلدتُ للنوم، ولم يكن علي موجودًا في السيارة. قلتُ لنبيل أين علي؟ فقال إنه في السجن. وضعتُ رأسي من جديد لأكمل نومي ظنًا مني أن نبيل يمزح. أوقف نبيل السيارة وخرج. قلتُ في نفسي لا بد أننا توقفنا عند محطة البنزين. بعد دقائق رفعتُ رأسي، وإذا نحن بموقف للسيارات ويوجد مبنى أمامي مكتوب عليه "السجن"..

 
 
يتبع في الحلقة القادمة..

 
4 إبريل 2015

ظلمتُ نفسي // حنان محمد

 
 
(تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر)
(بات مظلوم ولا تبات ظالم)
 
،،
 
عبارات رنانة لطالما ترددت في أوساط مجتمعاتنا ، تعايشنا معها ونرددها في كل حين وعند كل موقف.
انغمست في عقولنا وألسنتنا ولكن للأسف بسطحيّة مفهومها؛ بات كل منا قد يقبل بأي ظلم قد يقع عليه متمسكًا بهذه العبارات، ولكن..
 
هل فكرنا يومًا بعمق ومغزى هذه الكلمات؟
هل أدركنا ماهيّة أبعاد هذه العبارات؟!
أم هي مجرد موروثات مقيته تداولناها وحفِظناها لمجرد ستر ((ضعف)) سيطر على دواخلنا؟ ضعف أنفسنا، ثقافتنا، إيماننا، وما إلى ذلك..
 
والآن؛ هل تساءل أحدنا يومًا قبل أن يردد إحدى هذه العبارات،، هل الحسين كان مظلومًا فانتصر وهو قاعد؟!
أم كان يحارب جورًا وفسادًا وظُلمًا فاستشهد مظلومًا روحي له الفداء؟!
فخلد بذلك أعظم مفاهيم ودروس الحياة..
 
هل فكرنا يومًا حين نردد ((بات مظلوم ولا تبات ظالم))، أيّجب أن أكون في إحدى الكفتين إما مظلوم وإما ظالم أو لا أكون؟
ولو كنت مظلومًا هل حاولت رفع الظلامة عن نفسي؟!
 
للأسف نحن مجتمع ظلمنا أنفسنا كثيرًا بسطحية ثقافتنا وإدراكنا للكثير من مفاهيم الحياة سواءً على الصعيد الديني أو الاجتماعي أو السياسي أو.. أو..
 
وعلى ما يبدو بأن هنالك غطاءً ما نستتر به وهو ما يدفع بنا نحو هاوية المجهول، حيث جعلنا من مفاهيم وأعراف توارثناها تسيّطر على عقولنا بإسلوب ضحل جدًا، إلى جانب الظروف والبيئة المحيطة بنا، فنقبل بالعيش بمظلوميّة قد نستطيع بكل سهولة رفعها قبالة أن نتمرد على مثل هذه المفاهيم الخاطئة؛ ونستمر بالعيش لمبدأ الاستمرارية فقط مهما كانت الظروف!!..
 
ولكن يجب التنويه هنا بأن هذه ليست دعوة للتمرد على الظلم بالأساليب والصور السلبية اللاعقلانية والتي من خلالها قد أخسر أصدقاء أو أهل وأطحن خلالها علاقات تحت مسمى الانتصار على الظلم.
فكما قيل : لا تحاول الانتصار في كل الخلافات ولو كنت محقًا!!
فأحيانًا كسب القلوب أولى من كسب المواقف.
لذا، إن أهم ما في ذلك كله هو ثقافة التمرد على كل المفاهيم الخاطئة وتطوير الذات وتوسيع حيّز الوعيّ للفرد والمجتمع.
فمثل هذه المفاهيم قد تكرّس الشعور بالمظلومية بمنظورها السلبي فتنعكس على الفرد والمجتمع وتحوله لمجتمع متباكي متقاعس ينتظر مَن يأتي له بالنصر والظفر دون حراك أو عمل يؤول به نحو أن يكون قوة لا يمكن أن تُظلم أو تتزعزع أو تنهزم، ولنا في أهل بيت النبوة أسوة حسنة تتجلى فيها أوضح مفاهيم الانتصار على الظلم والظالم، فهل يمكن أن نتجاوز ما تعرض له نبي الرحمة (ص) من ظلم وما لاقاه بشتى أنواع الأذى خلال نشره الرسالة الإسلامية فنجد هناك أنواع الأذية التي حصل عليها من قبل المشركين، في بداية الدعوة الإسلامية وبعدها، منها تكذيبه ووصفه بالساحر والمجنون والكذاب وضربه وكسر رباعيته المباركة وتهجيره من مكة وغيرها الكثير الكثير وأعظمها عليه ما جرى على أهل بيته عليهم السلام من بعده والتي دعته (ص) لقول: (ما أوذيّ نبي مثلما أوذيت)..
ولكن استمر نبينا (ص) بنشر الرسالة السماوية ولم يتوقف عند ظلم تعرض له أو أذى فكانت الاستمرارية على أيدي أهل بيته (ع) بنفس النهج والخُطى..
 
وكذلك لا يمكن أن ننسى ثورة روح الله الخميني (قدس سره) وما لاقته هذه الشخصية العظيمة من ظلم ونفيّ وغيرها، ولكنه انتصر وجعل من إيران دولة قويّة عُظمى لا يمكن أن يُستهان بها؛ وما زال امتداد هذا النصر مستمرًا ليومنا هذا واضحًا جليًّا.
 
 
11 إبريل 2015