Saturday, May 9, 2015

في نصرة الولي // منصور علي الجمري

 
بطبيعة الحال فإن على الدوام الفِعل يُكسِب للفاعِل أسهُما تزيد في رصيده الدنِيوي و الأُخروي، سواءً كان فِعلاً ممدوحا أو مفدوحا، فـ هنالِكَ تَصرُفات يقوم بِها المرء يرونها معاشِر الناس أنها "فِعلٌ مجنون". هذا يحدث حينما يكون صاحِب الفعل امرءٌا من عامةِ الناس. 

الحال جداً مختلِف عند أولياء الله، فهم يُكسِبون الفعل أسهُماً من أفعالِهم ، فإن نبي الله الخليل قد وَدّع زوجته و ابنه الرضيع في أرض بلا زرع!، وغدى عنهم خمسة عشر عاما عائدا بعدها يُعانِق إسماعيل "ع" ويقول له (إني أرى في المنام أني أذبحك) فـ يرد عليه إسماعيل "ع": يا أبتي افعل ما تؤمَر. فيكون الرد الرباني " إن هذا لهو البلاء المُبين". 

إن التسليم لأمر الله سبحانه و تعالى و الامتثال لأوامِره هو ما يبتلي اللهُ بِه الفرد، فإن جماعةً من بني إسرائيل كانوا يحيطون برجلٍ صالح ، فسألوه:" أما حان وقت الفرج؟" فقال لهم عندي لكم بشارة "الفرج بعد أربعين عام من الآن"، قالوا : الحمد لله ، فقال لهم "بقولكم المحمود صارت ٣٠ سنة" فكرروا الحمد إلى أن قال لهم الآن ساعة الفرج! فانظِروا لتلِك القافلة التي تَمُر فإن صاحِبها هو المُنجي! فغدوا يتهافتون إليه يقبلون رأسه ويده ويتشبثون بملابسه أخذا للبركة مِنه وقال ثلةٌ مِنهم: إننا سَنودع فرعون وأهله جهنم الدُنيا وسنسِلُ عليهم سيف الثأر ونقطعهم وننشر بقاياهم! فرد عليه نبي الله موسى الكليم عليه السلام { قولوا له قولاً ليّنا } فردوا عليه مستنكرين يملأ وجوههم الاستنكار والغبنة "أنصبرُ بعدما صبِرنا أربع مائة عام!" فقال لهم موسى "ع" إني داخلٌ لِفرعون" و رمى بعصاه و تحولت لثعبان وكأنه سينقض على فرعون حتى أحْدَثَ في نفسه، واستمرت المفاوضات أربعين عاماً يطلب نبي الله موسى من فرعون أن يخرج بني إسرائيل من مِصر و ما كان فرعون راض بذلك، حتى قال موسى لقومِه شدوا الِرحال وتأهبوا فإننا سنخرج ليلاً عبر البحر لأن فرعون لم يوافق على خروجكم من مِصر ، فاشتاطوا غضباً  "أصبرتنا أربعين عاماً بعد أربعمائة عام لتتوسل فرعون خروجنا.. أو أنت المُنجي!" ففشل بنو إسرائيل في اختبار رِبهم ولم يصبِروا على الابتلاء ورسموا صورة للقنوط.  

إننا فِقنا الأربعمائة عام بمثلِها مرتين وكَمٍ مِن الأعوام في امتحان الصبر و التمهيد الحقيقي للمولى عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ليأخُذَ مِنا - مِن المبتلين من الشعراء و الخطباء - مأخذهم في لَومِ المعصوم و التطاوُل على غيبتِه ليرسموا صورة قنوط جديدة فالبعض تارك الواجب المطلوب مِنه في هذا الزمن ليكونوا بفعلهم هذا كُوفِيْين في النُصرة و التمهيد للحجة "عج"، فسلامٌ على أنصار الحسين الذينَ بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام فكانوا يرونَ القتل تحت رايةِ الحسين ألذُ من الحياة، فـ قال عليه السلام "يستأنسون بالمنية دوني كاستئناس الطفل لمحالب أُمه"، فَمِن أمةٍ تمخض ثلاث وسبعون، علنا نَكون مِن المتمخضين في نُصرة إمام زماننا. 

اللهم اكتبنا من أنصاره و أعوانه و المستشهدين بين يديه، فرِج اللهم لنا كل غمٍ وهم، واحصي عدد أعدائنا فإننا ﻻ نُحصيهم وافنِهِم أبدا وأجعلهم على دوام الحال في ذُلِ موقف.

 
٩ مايو ٢٠١٥

الخطبة الزينبية دلائل وعِبر // محمد يوسف العرادي




الخطابة فن وموهبة، وتزداد أهميتها عندما تجمع المنطق والارتجالية معاً، لتصوغ خطبة عصماء تهز القلوب والأسماع، فالصوت ونبرته تعطي كاريزمية قوية في التأثير على الجماهير، ولكن ليس كل شخص قادر على ذلك مهما بلغ من المواهب الخطابية، ولو رجعت للخطب التاريخية فلن تجد مثل خطبة الزهراء عليها السلام في مسجد أبيها صلوات الله عليه، فرغم إحاطتها بالأعداء والمغرر بهم إلا إنها عندما ( أنت أنة أجهش القوم بالبكاء فارتج المجلس، ثم أمهلت هنيئة، حتى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم ) لقد كانت خطبة عظيمة هزت أركان مدينة الرسول صلى الله عليه وآله، وكان لها الأبعاد الخطيرة في زعزعة الحكم الجائر على مر التاريخ، ومن هذه الخطبة الشريفة استلهم آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي معالم فَقِهيه كان نتاجها كتاب ( من فقه الزهراء عليها السلام ) في خمسة مجلدات.

والسيدة زينب عليها السلام ليست غريبة عن هذا البيت المطهر فأبوها أمير المؤمنين عليه السلام صاحب الفصاحة وأمها سيدة نساء العالمين وجدها رسول رب العالمين، وأخواها سيدا شباب أهل الجنة، وجاءت كثير من الدراسات عن السيدة زينب عليها السلام لتركز على شجاعتها وصبرها، ولكن هناك جانب آخر يعكس علمها ومنطقها الذي لا يخرج من إمرأة غيرها، فخطبتها سلام الله عليها قد اشتملت على حقائق تاريخية تجلت في خطبتها الشريفة، فلقد كانت الأجواء التي ألقيت فيها هذه الخطبة أجواء مشحونة بالإرهاب، ولكنها رأت ان تكليفها الشرعي فضح الطاغية يزيد وحزبه لتكشف للعالم، جريمته النكراء على مر التاريخ والتي لن يغسل عارها (( ولا يرحض عنك عارها )) وقد اشارت السيدة زينب عليها السلام إلى عمر يزيد القصير وذلك إخبار بالمستقبل عندما قالت (( وأيامك إلا عدد )) وفعلا ان يزيد كما ورد في التاريخ عاش بعد فاجعة كربلاء سنتين وشهرين وأربعة أيام، وبعدها العذاب الشديد ومقدمة ذلك (( وجمعك إلا بدد )) والتفرق والنهاية، لقد كشفت السيدة زينب عليها السلام المجرمين الذين قتلوا سيد الشهداء عليه السلام للعالم كله بقولها (( فالعجب كل العجب لقتل الأتقياء ، وأسباط الأنبياء ، وسليل الأوصياء ، بايدي الطلقاء الخبيثة ، ونسل العهرة الفجرة )) لقد قالتها رغم السيوف المسلطة عليها وعلى أهل البيت الأطهار، لقد كانت كل كلمة في خطبتها سهما قاتلا في قلب يزيد، لانها عرَّته أمام من انخدع به (( وفعلت فعلتك التي فعلت ، وما فريت إلا جلدك، وما جزرت إلا لحمك )) و (( سترد على رسول الله بما تحملت من دم ذريته، وانتهكت من حرمته، وسفكت من دماء عترته ولحمته )) (( فلا يستفزنك الفرح بقتلهم )) فلا تفرح بنشوة نصرك الظاهري الهاوي فهو وعد إلهي (( ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله، وحسبك بالله ولياً وحاكماً ، وبرسول الله خصماً وبجبرائيل ظهيرا ))

ماذا أقول في خطبة كخطب أبيها وجدها وأمها الزهراء عليهم السلام، قد جمعت العبر والاعتبار، ولا تضاهيها في منطقها خطبة على مر الأيام والدهور، وسيكون صوت الإمام الحسين عليه السلام وصوتها يهز عروش الظالمين، وسيظل اسم زينب عليها السلام يرجف قلوب الحاقدين، وستظل كلماتها ونظراتها سهام في مجالس اليزيديين .

٩ مايو ٢٠١٥

مشروع "المشروع" .. الأستاذ أحمد الاسكافي أنموذجا // أبو مقداد



 
مجتمعٌ كالمجتمعِ البحراني، مجتمعٌ مليء بالطاقات والإمكانيات والفعاليات والأنشطة وغيرها، لدرجةِ أنك قد تزدحمَ في الليلة الواحدة أو في اليوم الواحد بأكثر من نشاطٍ وفعالية ولا تتمكن من إدراكها جميعها، وتتنوع الفعاليات في العديد من مجالاتها الدينية، والثقافية، والاجتماعية والرياضية، والعلمية والتربوية وما شابه ذلك من المجالات الغير محصورة، وحقيقةً فالمجتمع مبدعٌ ومنتجٌ في مجالاته، المشكلة التي تقع فيها الكثير من فعالياتنا وأنشطتنا والكوادر، هي غياب المشروع الحاضن للكثير من هذه الأعمال وعشوائية التنظيم، مما يفقدها روح استمراريتها، ويؤول مصيرها للانتهاء سريعًا رغم إبداعها وانطلاقها الجيد، فتضيع للأسف الكثير من نتاجات هذه الطاقات، وتتحول لتاريخ قد لا يُذكر أصلا، فقد نملك الكوادر وقد نملك المواد الأساسية لبناء أي لبنة لتأسيس نشاط ما، ولكن قد نفتقد التخطيط بعيد المدى والخطة الاستراتيجية التي تضمن لنا استمرارية المشروع وإثماره لأطول مدة ممكنة، وإيصاله لأجيال قادمةٍ بشكلٍ أوسع.

نملك في المجتمع بعض الأمثلة والشواهد للفعاليات والأنشطة التي كتب لها أن تنجح وتتحول بإذن الله لمشاريع ناجحة، ولكن في المقابل نملك العديد من الأمور التي وللأسف لم تكلل بالنجاح وكان مصيرها أن تندثر بسبب غياب المشروع والتنظيم، لذلك فإن ما أدعو له من خلال هذا المقال هو أننا نحتاج لأن نحول كل أفكارنا وتخصصاتنا لمشاريع جادة نعمل عليها ونؤسس من خلالها لقيام مشاريعٍ ضخمة تساهم في بناء المجتمع وصناعة جيلٍ متقدمٍ عن السابق.





 
أتطرق لفكرةٍ ربما بدأت صغيرة في حجمها ولكن لأنها كانت فكرة مشروعٍ لا فعالية فقط، فقد كُتب لها أن تستمرَّ لحد الآن لما يقارب الثلاثة عقود من الزمن، وهي فكرة مشروع تعليم الصلاة في قرية السنابس، والذي بدأه الأستاذ أحمد الإسكافي رحمة الله عليه في عام ١٩٧٧، وهو مشروعٌ لا يعنى فقط بتعليم الصلاة لأطفال المنطقة كما هو حال الكثير من المشاريع المشابهة إنما هو مشروع لإعدادهم منذ طفولتهم لأن يكونوا جيلا إسلاميًا، مثقفا، منغمسا في العمل التطوعي، ومشروع إنتاج كوادر لامحدودة في العديد من المجالات، فقد بدأ هذا المشروع في أحد مآتم السنابس وشيئا فشيئا انتقل للمآتم الأخرى رجالا ونساءً ثم انتقل للعديد من مناطق البلاد في حركة رسالية راقية. الطلبة الذين ينضمون لهذا المشروع عادةً ما يتم احتوائهم منذ البداية، عبر برنامجٍ شيق لتعليم الصلاة بما يناسب تلك المرحلة العمرية، وبنظامٍ تربوي خاص بهم، وبعد انتهائهم من دروس تعليم الصلاة يتم إدخالهم للمرحلة التعليمية الثانية، التي تشمل التعليم الديني والثقافي والاجتماعي، كما يتم صقل مواهبهم وهواياتهم، ليتم قبل انتهائهم من هذه المرحلة تهيئتهم للانخراط في اللجان المرتبطة بالمشروع الأساسي،  أو استثمارهم في عملية التدريس في المشروع، أو في أقل التقديرات فهم يُنتجُونَ كوادرا للعمل التطوعي الاجتماعي الإسلامي بشكلٍ عام.

ويذكر في اللائحة الداخلية للمشروع أنه "بعد انهاء الطالب جميع المستويات في الحلقة الثانية، ينتخب الإشراف الإداري بالتعاون مع مجلس إدارة المشروع الطلاب المتميزين لتشكيل فرقة التخرج، والتي تعتبر أنها مرحلة تدريب كادر تدريسي جديد مؤهل للعمل في سلك التدريس بالمشروع، وعلى صعيد آخر يتم ترشيح الطلاب الذين يمكن الاستفادة من خبراتهم للانخراط في المجموعات العاملة بالمشروع كالثقافية والترفيهية والإعلامية".
 




لو تمعنا في مثل هذا المشروع وتتبعنا أسباب نجاحه لوجدنا عدة أمور ساهمت في نجاحه واستمراره لهذه المدة الطويلة وبهذه الجودة وبهذا المقدار من التطور وهي عدة نقاط حريّ بنا أن نتأمل فيها و نفهمها ونمارسها:

أولا: بدأ المشروع في عام ١٩٧٧ على يد الأستاذ أحمد الإسكافي رحمه الله، وكان عمره آنذاك حوالي ٢٢ عاما فقط، وبدأهُ مع مجموعةٍ من شباب القرية الذين كان يدرس معهم واستطاع أن يبني الكثير منهم بناءً إسلاميًا، أي أن المشروع تأسس وبدأ واستمر دائمًا على أيدي الشباب، ولم يخضع لسيطرة كبار شخصيات المجتمع والمخضرمين، بل كان أحد سِمات هذا المشروع، أن يبدأه الشباب، ويستمر على يدهم، ولهذا فإن إيماننا بالطاقات الشابة والكوادر الفتية كبيرٌ جدًا على إحداث عملية التغيير، ولا استغناء بالطبع عن خبرات الكبار وأصحاب التاريخ والباع في المجال، ولكن في تصوري أن غالبية هذه المشاريع تحتاج لأن تعتمد على العقول الشابة والفتية لتنجح، وتستمر، وتثمر، فكهول اليوم هم شباب الأمس وقد أخذوا مساحتهم الكافية للانخراط في مختلف الأنشطة، ولا بد أن نعي كشباب بأن أطفال اليوم هم قادة المرحلة القادمة والجيل القادم ولا بد أن نهيأهم للقيادة، ونفسح لهم المجال حينها.

ثانيا: لم يكن همّ المشروع منذ البدء بأن يعلم الأطفال الصلاة وينتهي دوره، بل كان يؤمن بأن للعمل الرسالي دورة حياة لا تنتهي، ولا بد أن يسلمها كل جيلٍ للجيل الذي يليه، لذلك فقد وضع المشروع نقطة الانطلاقة ولم يضع نقطة الختام، حتى يضمن استمراره لأطول مدة ممكنة، فمن كل دفعةٍ تتخرج من المشروع، لا بد وأن تخرج لها عدد لا بأس بهِ من الكوادر والطاقات التي ستحمل همّ المشروع وتسلمه للجيل التالي.

ثالثا: لم يضع المشروع خطة تُحصدُ ثمارها في العام الأول من تنفيذها، بل كان خطته بعيدة المدى، وأتحدث هنا عن حوالي ٣٠ سنة من انطلاقه، وألاحظ عن قربٍ نتائج هذه الخطة وآثارها في المجتمع الذي انطلقت فيه الخطة والمشروع، وربما للآن مازالت في المشروع ثمارًا لم يحن موسمُ حصادها بعد، مما يعني أن طول مدى خطة المشروع وعدم آنيتها سرٌ من أسرار نجاحها واستمرارها.

رابعًا: لم يعتمد البرنامج على شخصية ورمزيتها فحسب، بل كان المشروع روحًا وهما يحمله جميع من ينتسب له، سواء أكانت الشخصية المؤسِّسة ( الأستاذ الإسكافي) موجودةٌ بينهم أم لم تكن، فهمّ المشروع قد زُرِع في روح كل فردٍ وسيحمله بكل أمانة ومسؤولية لمن يليه في الحياة الاجتماعية، بل وسيتعدى جدران المآتم ليدخل - أي همّ المشروع - لداخل المنازل ليساهم في العملية التربوية للأبناء.

خامسًا: استهدف المشروع أطفال المجتمع ليصنعهم ويؤسسهم من طفولتهم على أن يؤمنوا به وبفكرته وبمبادئ الدين الإسلامي ويحملوا همّ المشروع وروحه الرسالية في دمائهم. يقول أحد الأصدقاء الذين بدأ مع المشروع مبكرًا ولم ينتهِ مشواره معه لهذا اليوم: "لفَت انتباهي في المأتم مجموعة من الأطفال في مثل سنِّي يقفون للصلاة جميعا في صفوف متراصة ويؤدّون الصلاة بصوتٍ جماعيّ واحد، فأحببت مشاركتهم وتوقعت أن تنتهي المسألة بانتهاء الصلاة، ولكن فرحت عندما قال الأستاذ في النهاية، نلقاكم غدا في نفس الموعد وسنقرأ لكم قصةً بعد انتهائنا من الصلاة، فعدت لوالديّ أطلب منهما تسجيلي مع هؤلاء الأطفال لأشاركهم تعليمهم، وبالفعل حدث ذلك، وأصبح لي المأتم بيتًا ثانٍ، لدرجة أنني عندما كنت طفلا وأتشاجر مع أهلي، أهرب منهم وأتسور المأتم لأنام فيه، من شدة إيماني بأنه فعلا بيتي الثاني، وأكملت مشواري معهم حتى كبرت وأدمنت التواجد في المأتم والمشاركة فيه وأصبح المأتم هو أوكسجيني الذي أتنفس به الحياة، فصقل المشروع شخصيتي واكتشف مواهبي وأعطاني الثقة حتى انتهى بي الحال اليوم لأن أتسلم منصبًا مهما جدًا ورئيسيًا في أحدى اللجان وأكون أحد قادة المشروع"

هكذا يصنع المشروع نفسه، وتلك لمحات من ملاحظاتي الشخصية وأثق بأن هناك الكثير من العوامل التي لم أذكرها هنا. وددت أن أشارككم هذا المشروع أولا لنستفيد جميعا من قصة نجاحٍ لمشروعٍ ضخم جدًا ومهم جدًا، ثانيا لأقول لي ولكم، بأن تأسيس وإنجاح هذه المشاريع في غاية الإمكان، فقط نحتاج أن نريد ذلك!

هوامش:-
 
الأستاذ أحمد الإسكافي مؤسس مشروع تعليم الصلاة في قرية السنابس في سطور:
http://www.alsalat.org/upgrade/?page_id=41

نظام الدراسة، الذي يمثل اللائحة الداخلية للمشروع:
http://www.alsalat.org/upgrade/?page_id=46

موقع مشروع تعليم الصلاة - السنابس / للاطلاع والفائدة
http://www.alsalat.org/upgrade/

 

٩ مايو ٢٠١٥

Friday, May 1, 2015

نكتة ! / أبو مقداد

 
 
ربما هي جزءٌ غير بشري في المجتمع، ولكن لحضورها مساحة واسعة ومستمرة، هذه هي النكتة.. والمراد بها أنها كلامٌ يسرِدُ موقفًا ما أو حدثًا ما، بطريقة كوميدية مضحكة، بسبب غرابة الموقف أو سذاجته أو ما شابه، وتتنوع النكات بحسب المواقف، فأحيانا تكون سياسية، وأحيانا تكون رياضية، أو اجتماعية أو ثقافية وما شابه، وتشترك جميعها في الإضحاك!

لا يُنكَرُ بأن لاستماع وقراءة وتبادل النكات الأثر الجيد في الترويح عن النفس وتوزيع الابتسامات على وجوه الناس، ولكن.. ماذا إن ساهمت النكات في خلق مشكلة اجتماعية ما؟ أسيظل للابتسامة معنى؟

وصلتنا من التأريخ قصصٌ كثيرةٌ عن أفراد ومجتمعات وشعوب، على هيئة نكات مضحكة، واستأنسنا بها وتبادلناها، بعد أن طبعت في أذهاننا صورة معينة عن ما تعبر عنه، ومن الصعب أن نتخلص من تلك الفكرة بسهولة بعد أن ترسخت في الأذهان عن طريق النكت..
فهذا جحا وأشعب مثلا، يعبران عن حالة معينة من البخل أو الغباء أو السذاجة، هذا ما وصلنا عن تلك الشخصيتين وببحثٍ سريعٍ حولهما لم أجد عنهما ما فهمتهُ من النكت المتداولة عنهما بيننا، أما بالنسبة لتيمورلنك، القائد الذي أسس الأمبراطورية التيمورية، والذي حاول أن يسترجع الامبراطورية المغولية، وصاحب الحروب العظيمة، تُختصر لنا سيرته بنكاتٍ حول مواقفه الوهمية مع جحا والتي تظهره في هيئة شبه المجنون!

إن لم تسمع بما سبق من النكات، فلا يمكن أن تفوتك النكات حول الهنود الأغبياء، أو الصعايدة الحمقى، أو السودانيين الكسالى، النكات التي طبعت هذه الصفات في أذهاننا حول هذه الشعوب، بينما الحق كان في أن في الهنود عباقرة اخترعوا رقم الصفر،  وفي الصعايدة طاقات هائلة من علماء وأساتذة وشعراء ومثقفين وفي السودان طاقة عاملة هائلة، والملفت هو أن من الكثير ممن أطلق وابتدع هذه النكت كانت الجبهة المقابلة لهؤلاء بالحسد!

اليوم، في البحرين وبعض دول الخليج، يتنافس الكثير في ابتكار النكات وإطلاقها، مستغلين في ذلك برامج التواصل الاجتماعي، لا أنكر أنها تصاغ بطريقة مضحكة في العادة، ولكن تضحك من؟ على من؟

تنتشر هذه النكات بسرعة البرق بين البرامج المذكورة، وغالبا ما تصب في أقوال معينة مع ابتكارات متجددة، فبعض هذه النكات يعتمد على الاستهزاء من بعض اللهجات المختلفة في القرى كلهجة أهل المحرق أو أهل المنطقة الغربية أو أهل سترة أو المنامة وغيرها، والبعض الآخر يستهزء ويسخر من سلوكيات معينة قد تكون حقيقية أو تكون مبتكرة من خيال القائل، كفكرة (أم مشمر) و (أبو صروال وفانيلة)، وأما أحد أسوأ النكات حسب رأيي، هي نكات(خف علينا) و (قصاف الجبهة) فلماذا أشير هنا لخطورة هذه النكات وأركز عليها؟!

إن إطلاق هذه النكت بهذه الطريقة وتحت هذه العناوين - في تصوري - سيستمر في التسبب في خلق مشكلات اجتماعية حقيقية، بالإضافة لكونها ستكون مادة إعلامية تكتب تاريخ (البحارنة) للأجيال القادمة، لنُسمى  فجأة أغبياء كالهنود والصعيديين مثلا، فاستمرار السخرية من اللهجات البحرانية الخاصة، أشعَر شريحةً لا بأس بها من الناس بالعار والخجل من أن تستخدم لهجاتها بأريحية كما هي، وجعلتهم يتصنعون ويقتبسون من لهجات غيرهم الـ أخف من لهجاتهم، والبعض يستعير لهجاتٍ مغايرة تماما، كي يهرب من لهجته الأم، وربما مارَس ذلك دون قصدٍ وإدراك، بل حرّكه له عقله الباطن اللاواعي، لذلك تجد الكثير اليوم ممن يستحي أن يتحدث بلهجته (الشينية) في مخاطبة الأنثى، ويستبدل مثلا كلمة (شحوالش) بالشين التي نُعرف بها نحن البحارنة بجيم غريبة عليها فتتحول لـ (شخبارج). أيضًا بسبب تكرار نكات أبو صروال وفانيلة وأم مشمر، صار الكثير في عقله اللاواعي معتقدا بأنه إن لبست زوجته أو لبس زوجها هذا الزي، فيعني أن هذا الرجل فاشل أو هذه المرأة فاشلة، وتبدأ الأمور تترتب سلبيا بناءً على هذا الأساس، وغالبا سيكون من غير قصد.. كما أن هذه النكت صورت المجتمع البحراني بأنه رجلٌ خالٍ من المشاعر والأحاسيس همه الأكل وملذاته ومتعجرفٌ لا يحمل أي شعور بالمسؤولية تجاه المرأة مثلا، وحولت المرأة البحرانية، لكائنٍ حي لا تحسن الطبخ ومهملة غير متمكنة من أداء واجباتها المنزلية وفاشلة  ورجعية ومتخلفة ومتصفة بمواصفات العجائز ووو.. كل هذه رسائلٌ ترسل من خلال هذه النكات!

أما قضية (خف علينا) فهذه أداة وجدت لتقتل كل إبداع وطاقة بطريقة تجعل القاتل والمقتول يضحك!!

فمثلا اليوم لو حملت كتابا ورقيا، وجلست في مقهى شعبي لتقرأة، فببساطة قد يقول لك أحد معارفك، خف علينا يالمثقف، واستمرار هذه الحالة ستجعل كمًّا لا يستهان به من أبناء المجتمع يخجلون من أن يحملوا معهم كتابا ليقرؤوه مما يساهم بالطبع في تخلف المجتمع، وعلى هذا المثال قس عشرات مئات الأمثلة.. خف علينا!

أيضا عبقرية قضية (قصف الجبهة) التي وجدت – حسب فهمي – فقط للافتخار والضحك على إحراج الآخرين والاستهزاء بهم، تحت مسمى نكتة من أجل الإضحاك، والمصيبة أن هذه باتت تصرفات عادية جدا متوقعة من الجميع!

قد يبدو الأمر مضحكا في بدايته إلا أن ما يترتب عليه، قد يصح ان أطلق عليه أنه كارثة!

فهذه الصور والرسائل التي تصنعها هذه النكات سترسم لوحة قبيحة تتركها في تاريخ البحارنة وسنكون نحن مسؤولون عن تلوين هذه اللوحة بواسطة نكتة، كما أنا ستساهم في التحكم في الكثير من السلوكيات التي أيضا ستبني مستقبل هذا المجتمع بواسطة.. نكته!

الأمر تطور كثيرًا حتى أصبحت هذه النكتة تحيط بكل جوانب حياتنا، فلا يكاد حدث يمر في أسماعنا إلا وبادر ذهننا في صنع نكتة حوله، ولا يهم إن كانت هذه النكتة قد تجرح أحدا ما، أو تؤذيه، فكل شيء صار قابلا للاستهزاء والسخرية، حتى أسماءنا، فاسم جعفر الذي ينسب لإمام المذهب الشيعي الذي نفتخر بانتسابنا إليه، صار بفضل نكت (جعفرو) اسمًا خاصًا للنكت والضحك، ولا عجب لو انقرض هذا الاسم من بين أسماء الجيل القادم أو ما بعده بسبب النكت!

حتى المناسبات والأمور الدينية لم تسلم من هذه المشكلة، ففي ليلة القدر العظيمة التي يصفها القرآن بأنها خيرٌ من ألفِ شهرٍ، أتفاجأ العام الماضي بعدة رسائلٍ تصلني من بعض الأشخاص مفادها (لا تقولون لي أسامحكم لأن الليلة القدر.. وبكره ترجعون تغتابوني) أو (سامحوني الليلة وابرو ذمتي.. وبكرة بنرجع مثل قبل) وما شابه أو أن يتحول هلال شهر رمضان المبارك لقضية ضحك واستهزاء من الصيّام، مما يمس أصلا في قدسية المناسبة، أيضا كما صار الحديث أو القراءة حول الأمور الدينية مدعاة للاستماع للعبارة السخيفة (خف علينا يالمؤمن يا آية الله يا شيخ زمانه)!
نعم.. كل هذه المشكلات ستنتجها لنا النكت التي ضحكنا عليها كثيرًا، المقال هذا لا يدعو لتعميم النكد والحزن وضيق النفَس في المجتمع، ولكن ما أقوله أنه لا يمكن أن نساهم نحن في صنع هذه المشكلات كي نضحك، بينما يتدمر المجتمع نتيجة لضحكنا!

يقول الجاحظ" إذا أردت أن تقتل خصمك، فاجعله أضحوكة للآخرين" ونحن إذ نجعل أنفسنا أضحوكة للآخرين، فلا نتوقع أن ينهض المجتمع من جديد ليعيشَ بعنفوانه ونشاطه وإبداعه.
2 مايو 2015

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (27) "رُؤى من القرآن والعترة (8)/ سلوك الوصاية / محمد علي العلوي




نَقْدُ الثقَافَةِ أكْثَرُ مشَقَّةً مِنْ نَحْتِ الجِبالِ قُصُورًا للسَلَاطِين..

ليست المسألة مسألة إصرار، ولكِنَّها أصل من الأصول التي تقوم عليها الفكرة الماركسية مقدِّمة انحصاريَّة للشيوعيَّة باضمحلال وتلاشي الطبقات في طبقة واحدة، فتحريك البروليتاريا باستبداد مقرَّرٌ أدبيًّا، هو في الواقع مرحلة يتوقَّف تحقُّق الرؤية الشيوعية عليها توقُّف النهار على طلوع الشمس، ولذلك، فإنَّ مَنْ لا يؤمن بالحراك (الثوري) للبروليتاريا، عليه الصبر بصمت تام؛ فهو لا يعرف مصلحته، وعليه التسليم للتعقلات الماركسيَّة، وإلَّا فهي قاضية بعزله إن لم يكن القضاء عليه!

فالماركسيَّة وعلى المستويين النظري والعملي قائمة على فكرة (أرى ما لا ترون).

إنَّه وبالرغم من القطع الجازم اليقيني، بأنَّ الحقَّ مع علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإنَّ مصلحة الناس في بيعته والتسليم له، إلَّا إنَّه (عليه السلام) لم يفرض نفسه خيارًا على أحد..

ينقل السيد مرتضى العسكري في كتابه (عبد الله بن سبأ/ ج1 ص143) عن أنساب الأشراب (ج1 ص591)، وعن الجاحظ في العثمانية، أنَّ سلمان الفارسي قال حين بويع أبو بكر: "كَر داذ وناكَر داذ، أي: عملتم، وما عملتم، لو بايعوا عليًّا لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم".

ولكِنَّه..

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ: "دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ، فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟

فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا.

فَقَالَ (عليه السلام) وَاللَّهِ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ، إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّا أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا".

عندما يُعرِضُ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عن إمْرَةِ المسلمين، فهذا لا يُصحِّحُ خياراتهم كما يظن البعض فيقول: لو كانت الخلافة حقًّا لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ولم يسعى لانتزاعها لكان متخاذلًا في ما لا يحق له التخاذل فيه، وبما أنَّه لم يسعى، بل وعمِل بإيجابية من غاصبي حقَّه في الخلافة، فهذا دليل ناقض لدعوى الشيعة الإمامية.

أقول: لا شك ولا شبهة –في نظري- في صعوبة تغيير هذه النظرة، فهي متشربة متغذيَّة، يقوم صلبها على جوهر وروح الانتزاع وإقصاء الآخر متى ما أمكن، والحاكم هو (أرى ما لا ترون)، وهذه العقليَّة لا تتمكن من استيعاب معادلة الاتصال بين الشهود والغيب، فهي لا ترى (قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ)، وكذا يصعب عليها الانسجام مع (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ).

أمَّا عليٌّ (عليه السلام) والخِلَافة، فلو كان الناس بمستوى التسليم له بها، لكان ذلك وتمَّ، ولكِنَّ عدمه يعني أنَّهم لم يصِلوا بعد للمستوى الثقافي المُغيِّر للمعادلات، وبالتالي، فإنَّ سعيه (لانتزاع الخلافة) لا معنى له في حكم العقل وموازين المنطق؛ وهذا لأنَّ الإسلام دينٌ يقوم في أتباعه على القابليات العلمية، ولذلك خاطب الله تعالى المؤمنين فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً)، وهي دعوة تحتاج في تلبيتها لكثير علم ومعرفة، وذلك لعَطفِ (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ).

إنَّني لم أقف على نص فيه أنَّ المعصوم يتحدث باسم (الشعب) أو (الأمَّة)، ولكِنَّ هذه السياسة ختمت سيرة المستبدِّين على مرِّ التاريخ، حتى أظهرتها الشيوعيَّة واضحة وفي خطابات قويَّة، امتدَّت في التوجُّهات القوميَّة وغيرها من حملة رايات التصدِّي، ولذلك فإنَّ أغلب الأحزاب في البلد الواحد تدَّعي النيابة عن الشعب، ومثلها نظام الحكم في نفس بلدها، فالظالم والمظلوم والمتعاكسون والمتضادُّون، كلُّهم يتحدَّثون باسم نفس الشعب، وبنفس القوة والثِقة، ولذلك ساغت المواجهات والصدامات، وأصبحت كلُّها من أجل الحق وإحقاقه، فهذا يفعل ما يفعل قربةً للقضية وإخلاصًا ووفاءً للشعب، وهذا يُعَذِّبُ في سجونه حفاظًا وصيانة لأمن الشعب، والمُعَذَّبُ يخرج بعد حين بطلًا لأنَّه صبر صامِدًا لخلاص الشعب!

المشكلة ليست فقط في ادِّعاء النيابة عن الشعب، ولكِنَّها في استحالة العمل بسلام؛ إذ أنَّ الآخر ضِدٌّ بالضرورة، وهذه مسألة تحتاج لتأمل طويل جِدًّا من القارئ الكريم..

ومن جِهَةٍ أخرى، فإنَّ كُلَّ حاملِ راية يرى لنفسه الحقَّ في تحميل (الشعب) مسؤولية قراراته، ولا يتمكَّن من تصور المخالف في غير خانة الضِدِّ الذي لا مفرَّ من ضرورة تجاوزه أو حرقه!

وبالتالي، فإنَّ الشعب –في حقيقه الأمر- يتحمَّل مسؤوليَّةَ قرارات وأفعال كُل رايَةٍ في الساحة، وكُلَّما وقع في ضرر، فإنَّ كلَّ راية تُحمِّلُ غيرَها مسؤوليَّةَ ما وقع فيه (الشعب)، وهكذا تدور الطاحونة، وكُلٌّ يدَّعي تحمُّل المسؤولية، وفي الواقع، لا يتحمَّلها غير الشعب.

هذا بعيد عن الإسلام..

الإسلام في أحد أربع:

الأولى: قيادة المعصوم (عليه السلام)، ولا كلام.

الثانية: التأييد المطلق من الشعب، وهذا في الغالب متعذِّرٌ.

الثالثة: التوافق بين أطياف الشعب، وهذه ثقافة عالية، يرفضها أصحاب الرايات، فهي تعتمد الأناة في التأسيس والبناء، وتلك تريد حرق المراحل وإعادة حرق الحرق والمحروق، وفي أدبياتها، فإنَّ هذا هو قمَّة الحنكة السياسيَّة، وفي نفس الوقت، رأس الهامة (الثورية).

الرابعة: الاحتياط.

وبيان الثالثة يأتي في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

ويبقى سؤالان أطرحهُما الآن وفي خاتِمَة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:

بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَ المعصومين (عليهم السلام)؟

هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟

نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى..


 
2 مايو 2015

براءة طفل / محمود سهلان




 
 
بينما كنت جالسًا بمكتبي، طرقتْ إحدى الموظّفات الباب، طالبةً منّي مساعدة أحد الأطفال، في حدود الثّانية عشرة من عمره، من إحدى الجاليات الأوروبيّة، وما إنْ دخلت حتّى دخل خلفها، وقد أعطاني نظّاراته الشّمسية ظنًّا منه أنّها مكسورة، وكان خائفًا جدًّا أنْ يعلم والده بذلك، إذ كان قد اشتراها منّي قبل سويعات من الآن، وهي غالية الثّمن..

ألقيت عليها نظرةً فوجدتها ليست مكسورة، إنّما من نوع النّظارات التي يمكن تفكيكها، فطمأنته بأنّني على الأغلب سأتمكّن من إصلاحها (تركيبها)، ومع ذلك كان متوتّرا، ومستعجلا، وبعد دقائقٍ قليلةٍ أعدت تركيبها كما كانت، وقد خرج من المكتب ينتظرني مع أصدقائه، فوضعت النّظّارة على رأسي خارجا أبشّره، وإذا به يُسرع نحوي ليأخذ النّظّارة ويحتضنني، وما أجملها من لحظة تغذّت ببراءة الطّفولة، ففرحت جدًّا لأنّه خرج من عندي سعيدًا بعد أنْ طلب مساعدتي، ولم أخذله، وإنْ كان الأمر سهلا..

هناك بعض الملاحظات، أطرحها عليكم:

- سخاء الأب مع ابنه، بشرائه لنظّارات غالية الثّمن، ومشتريات أخرى له.
- خوف ـ بل رُعب ـ الابن من أنْ يعود لأبيه، وقد كُسرت نظّاراته (كما كان يظن).
- لجوء الطّفل للمكان الذي اشترى النّظّارات منه، لا لأبيه، ولا لأمّه (وهما موجودان بذات المكان).
- براءة الطّفل واحتضانه لي مباشرةً بعد استلامه للنّظّارات.

بحكم معرفتي بوالديه، وجفافهما الغالب على شخصيتيهما، وسخاء والده معه من جهة أخرى، أجد أنّ ذلك جعله إمّا خجلًا منهما لكسره للنّظّارة، وإمّا خائفًا من ردّة فعل والديه، ما جعله يضطر لأنْ يختار غيرهما لمساعدته، أمّا الخجل فلم يكن هو المنعكس من تصرّفاته، وإنْ كان محتملا، وأمّا الخوف فهو ما كان ظاهرًا لي من توتّره الشّديد، خصوصًا مع إصراره على عدم الخروج دون إصلاح النّظّارة، واستعجاله ذلك كثيرا..

ما أستفيده من الحدث، هو أنّنا بالتفاتٍ أو عدم التفات، نجعل بعض الحواجز بيننا وبين أبنائنا، بل المقرّبين منّا جميعا، وقد نعالجه بطريق غير صحيح، فنقصِّر من جانب، ونُفرِط من جانب آخر، سعيًا منّا لتدارك تقصيرنا، ممّا يؤدي لنتائجٍ عكسيّةٍ أيضا، وبالتّالي فإنّهم يبتعدون عنّا شئنا أم أبينا، وعلى الأغلب يكون خوفًا من أمرٍ ما، كما أظنّ في القصة السّابقة الذِّكر.

لذلك ينبغي للآباء والأمّهات أنْ يلتفتوا جيّدًا لتصرّفاتهم مع أبناءهم، بل يمكنهم قياس مدى ارتباط أبنائهم بهم من خلال هذه المواقف، فإنّ الطّفل إذا أحسّ بالخوف فإنّه يتجه لجهة آمنة تحتضنه، وتجعله يحسّ بالأمان، أو لا أقل، إلى جهةٍ لا يخافها، وليس أقرب من الأبوين للأبناء أحد، لذلك فإنّ قرب أبنائك وابتعادهم أنت من يحدّده، بكلماتك وتصرّفاتك معهم.

أمّا احتضان الطّفل لي فجعلني أحسّ بإنسانيّة وبراءة الأطفال فعلا، وكيف أنّنا نعبث بذلك الصّفاء، وبتلك البراءة، والإنسانيّة، فنقلب كيانها بأفعالنا.. كما جعلني أفكّر في حال الإنسانيّة، لو استطعنا تنشئة الأجيال تلو الأجيال على الفطرة، ولم نعبث فيها، ماذا سيكون حال البشريّة جمعاء؟

يا بنيّ.. أنا مدين لك باحتضانك لي، فإنْ أعطيتك أمانًا مؤقتًا بفضل الله، فأنت وهبتني دروسًا وعبرًا بهذا الموقف البريء..

2 مايو 2015

شجعان من أجل التغيير / ايمان الحبيشي


 
 
 
الحياة في مجتمع كمجتمعنا، تستلزم أن يكون الإنسان شجاعا جدا، جريئا جدا، ومقداما جدا. ليس بالضرورة أن يكون شجاعا فيواجه تيارا ما، فمجرد بقائه حيا شجاعة! وليس بالضرورة أن يكون جريئا لأنه أذاع أمرا ما، فأحيانا مجرد أن يكون قادرا على الصمت جرأة، وليس بالضرورة أن يتقدم ليقوم بانجاز ما، فحين يقرر التوقف عن أمر يتجه اليه المجتمع، فذلك يعني أنه مقدام جدا.

يعتقد كثيرون أن تصحيح السلوك يكون بتغييره، والواقع أن خارطة الطريق لتصحيح أي سلوك، يكون عبر الأفكار لا الأفعال. فحين يتحول مجتمع روحاني لمجتمع مادي، فذلك لا يعني أبدا أن هذا المجتمع قد جرى تحول في سلوكه فحسب، انما كان تجلّي تغيير أفكار ذلك المجتمع تغيّر سلوكياته.  

اليوم نعاني من الكثير من السلوكيات والعادات الدخيلة والمضرة بالمجتمع، والتي نحتاج من أجل تغييرها، لتبنّي أفكار تختلف عن الأفكار التي صرنا نستقبلها من مجتمعنا باستسلام مؤذ. فعلى سبيل المثال؛ يتحدث كثيرون عن ظاهرة الاسراف بمختلف جوانبه، وقد يكون أبرزها، الاسراف الاجتماعي. فالزيجة التي يشار لها بالبنان، هي الزيجة التي كلّفت صاحبها ما كلفته، من مأكولات وزينة وقصائد وجلوات، وربما طرب! وصلة الرحم الممدوحة، هي تلك التي يجري خلالها تبادل لكل ما خف وزنه وغلى سعره من هدايا، حتى صار تقدير الإنسان للإنسان قيمته كائنة، بالقيمة المادية لتلك الهديه! 

هل نتمكن من تغيير سلوكيات الإسراف الاجتماعي، للتخلص من الويلات التي صارت تجرها علينا هذه الظاهرة، محوّلة ايانا من مجتمع قيمي لمجتمع مادي، عبر القدح في ظاهرة الاسراف؟ وعبر سطر الآيات والأحاديث التي تذمها، وتؤكد على الاعتدال؟ قطعا نحتاج لتلك الآيات وتلك الأحاديث لأنها العمود الفقري للقيم التي نحملها، كوننا مجتمع إسلامي موال، لكن لن تتمكن تلك المأثورات من تغيير نَحوِنا اتجاه الاسراف وحيدة منفردة، ذلك أن "حلاوة" الظهور الاجتماعي، وكذلك قسوة التيار الاجتماعي، مرتفعة جدا وستتألم الوحدة الاجتماعية حين تحاول منفردة الوقوف ضدها أشد الألم، اذ لن تأمن الهمز واللمز والاتهام، لذلك فما نحتاجه حقا، هو التأسيس الفكري الصحيح مقابل هذه الظاهرة بل كل ظاهرة سلبية لا تتناسب وطبيعة ثقافتنا وديننا وهويتنا. 

نحتاج لاستحضار القيمة الحقيقية للاعتدال، نحتاج لتوضيح نتائج الاسراف، نحتاج لإعادة ترتيب الأولويات، وكذلك نحتاج لإبراز الأثر المترتب على الإصرار على الظاهرة موضع الاهتمام. فالإسراف عند الثري قد يكون من لوازم وجاهته الاجتماعية، لكن تغير فكرة الناس تجاه "ضرورية" أمر غير ضروري، أثقل كاهل بقية الفئات الاجتماعية، حتى صار الخروج من شرنقة العزوبية، عبأً ثقيلا يفر منه الشباب، وتقع ضحاياه الفتيات. 

وعلى ذلك نستطيع القياس، حول مختلف الظواهر الاجتماعية والسلوكية السلبية، والتي صارت تؤرقنا، وتمتلأ منتدياتنا ومنابرنا بالحديث عنها، دون أن نلحظ انحسارها، بل على العكس نراها تتفاقم وتتسع وتختلف أشكالها ومجالاتها. 

نحتاج لاتباع طريقة علاج مثمرة، نواجه بها السلوكيات المرضية، بحيث تأخذ المجتمع نحو تصحيح بعض الانحرافات التي قد يتسبب بها، التطور المادي والالكتروني والاجتماعي، ونحتاج حينها لنماذج فريدة لا يخلو منها مجتمع متطور قابل للتغيير، هي نماذج لأفراد أو جماعة أو فئة، جريئة وشجاعة ومقدامة، تكون قادرة على تشخيص المشكلة وطرح حلولها، لا نظريا بل عبر جرأة التنفيذ. لذلك فلا يمكنني المرور ببساطة على واقع فتاة آمنت بالزواج كمؤسسة وجودية، أكبر من حفلات باذخة يرمي الشاب على أعتاب صالتها ما يكفيه الحياة لسنوات قادمة، فأخذت على عاتقها الوقوف بقوة، أمام همسات اللمز والاتهام بالبخل بل والذل لكونها "فلتت روحها هالفلتة"! لا يمكنني أن أقف دون تصفيق لشاب واجه مجتمعه حين قرر الارتباط بفتاة قيمتها "ما تحمله من أخلاق" لا من جمال أو لقب، غير مكترث بما عاشته من ظروف اجتماعية سبقت زواجه منها ككونها أرملة أو مطلقة!

من الملاحظ في دول الغرب، أن وسيلة تغيير المجتمع، تكون عبر ضخ ملايين الأفكار وبمختلف الوسائل، المقروءة والمسموعة والمرئية، للدفع اتجاه رؤية محددة. لقد تحولت المجتمعات لتكون سوقا استهلاكية ضخمة عبر تغيير أفكار الانسان، وعبر اشعاره بحاجته للمزيد من المنتجات الكمالية، حتى تستمر الأسواق الاقتصادية بالانتعاش. فكانت الملعقة أداة الطهي الرئيسية ترافقها طنجة الطبخ، فتحولنا لملاعق خشبية، وبلاستيكية، وملاعق وأواني طبخ سهلة التنظيف، قاعدتها مصنوعة من معدن خاص، ومقابضها مصنوعة من عازل حراري، وهكذا تحولت مطابخ الانسان لمستودع أوان وأجهزة الكترونية من أجل طهو ما لذ وطاب من الطعام. لا أقصد من خلال مثالي، تقييم الحاجة لتلك المنتجات، لكن الهدف هو توضيح كيفية تغير أفكار الناس وبالتالي أنماطهم السلوكية. 

الحديث عن الظواهر والسلوكيات الاجتماعية، من الممكن اسقاطه على السلوكيات الفردية، يستطيع كل فرد فينا أن يغير الكثير من سلوكياته المؤذية بسلوكيات صحيحة ليست على مستوى الاخلاق والتدين فحسب بل حتى على مستوى العادات الصحية والحياتية.


 
2 مايو 2015