Saturday, August 29, 2015

العلم يؤازر الدين، و لا غنى عنه // زهراء عبدالله


   
ماذا قدم المسلمون للإسلام في مقابل القوى الديموقراطية الكبرى في العالم؟ و ماذا قدم
 المسلمون للإسلام في مقابل العلم الذي نادى به رسولنا الكريم (ص) وأوصياؤه المنتجبون عليهم السلام؟ للذين يتحفّظون على كلمة الإسلام من معالم الديموقراطية والرأسمالية و الشيوعية، و للذين يؤمنون بالدولة الإسلامية التي يقيمها الإمام الثاني عشر المهدي (ع)، ماذا قدمتم لهذه الدولة الإسلامية ولكلمة الإسلام؟
لا يريد الإسلام منا هذه الصورة، بل أن نحفل رجالًا و نساءً بالإسلام على متن أسسه في جميع محافل العلم، حيث الدين هو العلّة الأولى لموجودات العلم، وفي الدين يتم برهنة حقائق علمية بإيصالها إلى العدم، العدم الذي خلقنا الله منه.
نحن و إن كنا متشبّثين بتلاوة القرآن الكريم فسنراود هذه الآية (وَ لله يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَ المَلاَئِكَةُ وَ هُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونْ)، دون أن ندرك أنها قد تكون برهانًا عظيمًا على ظاهرة الأكوان المتوازية التي هي محطّ بحث العلماء المعاصرين، إذا كانت حياة المسلمين مقتصرة على العمل و نيل المعيشة الهانئة و إغفال ميادين العلم و التطور و الدين، فمن للإسلام؟ ومن هم أهل التفكّر في موجودات و مخلوقات الإله الخالق.
المسلمون في عصرنا لا يتحسّسون المبدأ الذي وُجِدنا من أجله و مناصرة الإسلام والفناء في الإسلام، إنما نحن مسلمون لأن نحيا، لا ليحيا الإسلام.
و حيث أن العلم يؤازر الدين وأن الله لا يُعبَد بالجهل، و يُعبَد بالعلم و المعرفة (كلما تقدمت العلوم ​ضاقت بينها و بين الدين شقّة الخلاف، فالفهم الحقيقي للعلوم يدعو إلى زيادة الإيمان بالله) كما قال أوليفر وندل الطبيب و الكاتب الأمريكي، ويقول آساجرى عالم النبات: (إن وظيفة العلوم هي العمل على أن تُردّ ظواهر الكون في نشأتها الأولى إلى قدرة الله).
وإن تفحّصنا في تاريخ المسلمين، نجد العلماء ممن أسّسوا أسس العلوم الحديثة اليوم التي يتبنّاها الغرب، جابر بن حيان (أبو الكيمياء) الذي تتلمذ على يد الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، والخوارزمي مؤسس علم الجبر، و ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، و ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية، و ابن الهيثم مؤسس علم البصريات، و ابن سينا الذي اشتهر بأرسطو الإسلام و أمير للأطباء.
يقول الإمام علي (ع): (ما من حركةٍ إلا و أنت محتاج فيها إلى معرفة).
و لذلك، فإن واجبنا اليوم استنهاض العقول و تفريغ طاقاتنا لعلّة وجودنا، عبوديّة الله التي تتغنَّى بها كل المخلوقات و الموجودات، عبودية الله التي لا تكون بالجوارح فقط، و تؤدّى بالتفكّر و التشييد و البناء.

29 أغسطس 2015

أنور السميع // إدارة الحزن


 إدارة الحزن

كنت أقلب صفحات من أتابعهم في موقع التواصل الاجتماعي إنستغرام، فوجدت فيها حسابات تعودت أن أراها تعتصر ألمًا وتفيض حزنًا، فتذكرت حلقة إذاعية سمعتها في شهر رمضان المبارك للبروفسور د. طارق الحبيب يتكلم فيها عن الحزن في قصة نبي الله يوسف (ع)، وكيف استطاع النبي الكريم أن ينجح في إدارة الحزن ويحوله لمكاسب، ومن وراءها ووراء بعض الظروف الأخرى أصبح عزيزًا لمصر. وأيضًا تحدث البروفسور الحبيب عن كيفية تطبيق الإدارة الناجحة للحزن في عموم حياتنا لنتحول إلى سعداء.

ما هو الحزن ؟؟

       الحزن هو ألم نفسي يوصف بالشعور بالبؤس والعجز, غالبًا يعتبر الحزن هو عكس السعادة. وهو شبيه بالهم، الأسى، الكآبة، اليأس. من المؤكد بأن هذه المشاعر بالعادة هي مشاعر سلبية عندما يشعر بها الإنسان فيصبح الشخص هادئاً، قليل النشاط, منفعلاً عاطفياً وانطوائياً. يصاحب الحزن أحياناً البكاء ولكن ليس بالضرورة. الحزن بالعادة يكون لفترة مؤقتة ليست بالطويلة, أما الاكتئاب فقد يكون مزمنًا يمتد لفترات طويلة. ويعرف الحزن في بعض الأحيان بأنه الشعور بعدم الرضى عمّا يحدث إما لمشاكل أو ظروف خارجة عن إرادة الإنسان تجعله تحت ضغط نفسي، فلا يشعر معه بالراحة ولا بالطمأنينة [1].

هل أنا الحزين الوحيد في هذه الحياة؟

         من سنن الله في هذه الحياة أن دوام الحال من المحال، وعليه فإن السعادة والحزن يتقلبان في حياة الإنسان، ولا يكاد يخلو إنسان من مشاعر الحزن والتي قد تحدث مثلًا بسبب التسلط المستمر للأهل أو أحد الزوجين، وفاة قريب أو عزيز، شقاوة الأطفال التي لا تنتهي، قلة ذات اليد، الطلاق، والكثير من المنغصات التي تحيط بالفرد من كل جانب ليل نهار.

ولنا أسوة بأهل البيت (عليهم السلام) في تعاملهم مع الحزن، فإذا أصابت الإنسان بلايا ومصائب، فعليه أن يعمل بمقولة الإمام الرضا (ع): (يَا بْنَ شَبِيبٍ!.. إِنْ كُنْتَ بَاكِيًا لِشَيْءٍ؛ فَابْكِ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)؛ فَإِنَّهُ ذُبِحَ كَمَا يُذْبَحُ الْكَبْشُ، وقُتِلَ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ شَبِيهُونَ.. ولَقَدْ بَكَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ والأَرَضُونَ لِقَتْلِهِ) [2]؛ ونحن نقول دومًا شعبيًا (كل المصايب هونتها مصيبة حسين). وأيضًا في الشعر المنسوب للإمام علي بن أبي طالب، حيث يقول:

رأيت الدهـــرَ مختلفًا يدورُ … فلا حُزْنٌ يـدومُ ولا سرورُ

وقد بَنَتِ الملوكُ به قصورًا … فم تبقَ الملوكُ ولا القصورُ

كذلك تزخر أمثالنا الشعبية والأمثال العالمية بالكلام عن الحزن. فمن الأمثال ما يتحدث عن الحزن وآثاره على قلب الإنسان مثل (ضَاگتْ به الوَسِيْعَهْ) [3]، (يأكل الصدأ الحديد، وتأكل الأحزان الفؤاد.. مثل روسي)، (إن الحزن الصامت يهمس في القلب حتى يحطمه.. وليم شكسبير)، وهناك أمثال أخرى تتناول كيفية التعامل معه (إنك لا تستطيع أن تمنع طيور الحزن من أن تحلق فوق رأسك، ولكنك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش في شعرك.. مثل صيني) و المثل الشعبي (جَلْسَةْ لَحِبَّه تْزِيلْ الكُرْبَهْ) [4].

هنا تأتي مسألة إدارة الحزن وكيفية التعامل مع تلك السحابة السوداء التي تنشر ظلالها علينا وتسير حيثما سرنا، انطلاقًا من حقيقة أن الحزن محيط بالبشر. فقد يقول قائل بأنه منذ صغره وهو يعاني بشكل مستمر من متاعب ومصائب تتوالى عليه حتى ظن أنها شقيقته التوأم، وأصبح عنده يقين بأنه مهما مرت لحظات سعيدة فإنه يترقب حلول المنغصات عليه!.

           فلو أننا تبنينا تلك النظرة السوداوية القاتمة وحزنّا يومًا ويومين وثلاثة وسنة وسنتين، ثم ماذا؟ هل نستمر بالتوجع طول العمر مع التشبث باليأس؟ أم نبحث بابتسامة عن الأمل بالعمل؟!. وكنت أتناقش مع صديق حول هذه النقطة بالتحديد، فقال لي: هل نخدع أنفسنا ونحمل قناع السعادة على وجوهنا وسط الناس ونحاول أن نكون أقوياء وكأننا لا نعاني من شيء، وعندما نختلي بأنفسنا تتفجر منا ينابيع الأحزان؟!. فالكأس ما أن تنشرخ فلن يمكن إعادتها كسابق عهدها أبدًا مهما حاولنا!.

كلام ذلك الصديق صحيح ولا أحد يختلف عليه، ولكن إن كانت تلك حقيقة، فهناك حقائق تساعد على تجاوز تلك المحن أو التخفيف منها قدر الإمكان. فلو كنتُ متيقنًا بأن الحزن سيأتي، فلماذا أحزن فوق حزني، وقد أعطل كل حياتي، ولا أسعد بباقي اللحظات. ولمَ لا أهيئ نفسي لتلك الدقائق القاتمة بأن أتعود على ذكر الله(الذين آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [5]، وأتيقن بأن ما حدث وسيحدث هو بعين الله، فالإمام الحسين (ع) في كربلاء لما أحاطت به الأعداء وأصابته المصائب قال ((هوّنَ عليَّ ما نزل بي أنَّه بعين الله))، فهنا يظهر الإيمان القوي بالله سبحانه وتعالى والذي بشّر الصابرين بقوله (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [6].

كذلك لو أن ذلك المبتلى بحزنه الدفين، والذي يظن أنه لا حزن فوق حزنه، قد التفت يمنة ويسرة، لوجد الحُزانى من حوله، في المنزل، العمل، الشارع وحتى في البلدان ذات المناظر الخلاّبة التي يقصدها الناس للترويح عن النفس وتفريج همومها، وسيتفاجيء فيها بالحزن مختبئًا تحت الأحجار وخلف الأشجار ويجري مجرى الأنهار!. وقد يرى في بعض الحالات أن وضعه أفضل من الكثير من الناس، وأنه حتمًا سيندم على وقته الذي أضاعه وهو مستقل بتفكيره عن الواقع الطبيعي للإنسان في الحياة الدنيا، وأنا متيقن بأنه حينها سيشكر الله لحسن حاله.

             ومن أهم الأمور بعد الاستيقاظ من صدمة الواقعية، هي استعادة الأمل بالجد والعمل، والبحث عن مسببات السعادة مهما صغُرت. فإعادة البناء سيكون شاقًا في البداية، ولكن بالإصرار والرغبة لتعويض ما فات، وبارتفاع لبنات وعي الإنسان، أدرك مساره الصحيح في الحياة، والذي يحتاج لأن تكون نفسه مطمئنة هادئة، رغم ما قد يتعرض له في المستقبل من مسببات للأحزان يجب أن لا يعطيها أكبر من حجمها وأن يحتويها بأقصر فترة زمنية، فسيرى الأثر عاجلًا في تقاسيم حياته وحياة من حوله وبالخصوص من له تأثير عليهم، والذين كانوا يحتاجونه وما زالوا يحتاجونه باسمًا قانعًا معطاءً، وقد يكون له دور كبير في انتشالهم هم أيضًا من وحل الأحزان إلى بهجة السعادة والرضا بما قسمه الله. وفي النهاية ستكون المحصلة واضحة على المجتمع والذي يحتاج لكل فرد فيه ليساهم في بناءه، بعد أن خسر المجتمع تلك الابتسامة فترة من الزمن.

أنور السميع

28/7/2015م

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] ويكيبيديا.

[2] العيون 1/299، أمالي الصدوق مجلس 27 رقم 5

[3] و [4] سنوات الجريش

[5] (سورة الرعد: 28)

[6] (سورة البقرة : 155-157)

Friday, July 31, 2015

على ضفاف الذكريات (25) // ز.كاظم





بسم الله الرحمن الرحيم

ذات ليلة باردة من ليالي الشتاء القارس طُلب منّا الحضور إلى المركز الإسلامي.. لم نتعوّد أن نحضر إلى المركز في ليالي الأسبوع العادية، وبالذات في أسبوع اختبارات نهاية الفصل الدراسي، لكن الدعوة كانت ملحة على أن نحضر كون إحدى الشخصيات زائرة المركز وستقوم بإلقاء محاضرة، وليس من اللائق أن لا نتواجد أو أن يكون الحضور قليلًا.. حضرتُ – وحضر الكثيرون – على مضض.. أقيمت صلاة المغربين جماعة، فاختلست البصر بعد الصلاة أتفحص الوجوه لرؤية هذا الزائر.. مَن يا تُرى هذا الزائر! نعم، بسهولة عرفته.. رجلٌ غريب عنا يبدو أنه في الأربعين من عمره، لم يكن لابسًا لباسًا مميزًا، لا عمامة ولا بشت، بل قميص وبنطلون.. رجلٌ ذو نظرات حادة تعلو على محياه لحية كثيفة يخطها بعض الشيب.. يبدو من شكله أنه إيراني.. ماذا يُريد؟! ولماذا في هذا الوقت؟! ألم يجد وقتًا أنسب من وقت امتحانات الفصل الدراسي!

جلس على الأرض بعد أن رفض أن يجلس على كرسي المحاضر.. جال ببصره في وجوه الحاضرين بتلك النظرات الحادة.. ثم بدأ كلامه.. كانت محاضرته عن المناسبات الدينية كمحطات إعدادية للإنسان المؤمن ابتداءً بالإعداد لشهر رمضان المبارك تهيئة للإعداد لمحطة الحج الأكبر، وكل ذلك إعدادًا لليوم الأكبر.. يوم عاشوراء.. يوم الحسين عليه السلام.. لم تكن محاضرته عادية أو روتينية.. لم يكن الربط بين هذه المحطات واضحًا من البداية، بل استغرق وقتًا لكل محطة من المحطات الثلاث التي لم يخلو حديثه فيها من نقدنا وبجرأة قلّ نظيرها.. انتقد نظافة المركز، بل انتقد نظافة المرحاض.. في مقارنة يخجل منها الإنسان المؤمن.. أيكون مرحاض بيته أنظف وأفضل من مرحاض مكان عبادته! كيف لا يلمع ذلك المرحاض! انتقد وجودنا في قاعة كانت كراجًا للسيارات.. الحمد لله، قال واستطرد، أنكم حوّلتم ذلك الكراج إلى صالة ولكن لماذا تقفون عند هذا الحد.. يخاطبنا وتخاطبنا عقولنا وضمائرنا، أليست بيوتنا أجمل وأفضل من هذا المكان! لماذا لا نحضر إلا مرتين للمركز كل أسبوع! المركز مغلق، وصلاة الجماعة تشكو من هجراننا لها! هكذا كانت محاضرته.. ألا نخجل!

في العادة ما إن تمرّ خمسون دقيقة على أية محاضرة حتى ينتابنا السأم والملل وعلى وجوهنا تعلو تعابير تكاد تصرخ في وجه المحاضر “متى تنتهي من محاضرتك وتريحنا!”.. لكن مع هذا المحاضر كان الوضع مختلفًا، ثلاثة ساعات وأنظارنا لم تفارق نظراته الحادة.. استحوذ على انتباهنا أيما استحواذ.. كأننا أطفالًا بين يديه يحكي لنا حكاية مشوقة.. تشعر بمحاولاتنا الحثيثة على خفض صوت أنفاسنا لكي لا يفوتنا صوت حرفٍ من حروف كلماته.. لم تكن اللغة الإنجليزية – مع اتقانه لها – هي السبب.. لم يكن الموضوع ومادته هو السبب.. وإنما على هذا الرجل هالة غريبة جعلتنا مشدوهين إليه.. ثلاثة ساعات جالسون على الأرض اليابسة لا نكاد نتحرك لئلا تفوتنا كلمة يتفوه بها..

ما العلاقة بين شهر رمضان والحج الأكبر! وما علاقتهما بيوم عاشوراء! في مهارة المحاضر وبهدوء، يلقي الفكرة ثم ينظر إلينا بنظراته.. يخيّم الصمت، وكأنه يسمح للفكرة أن تدخل عقولنا وتجول في أذهاننا، لتُعمل عملها وتقوم بتوليد أفكار أخرى.. ما علاقة الذبيح (إسماعيل) بالذبيح (الحسين)! ما علاقتنا نحن بهما! أمجرد حدثان تاريخيان نُحيهما كل عام، أم لذلك علاقة بكياننا ووجودنا.. ما لنا لا نقف لله مثنى وفرادي!

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46) / سورة سبأ

وقف بعد قراءته تلك الآية.. ونظراتنا إليه تائهة.. رددها، قوموا لله مثنى وفرادى، وأشار بيده إشارة القيام.. بعد عدة مرات فهمنا أنه يدعونا للقيام لله.. قُمنا ننظر إليه تارة وننظر إلى بعضنا البعض تارة أخرى..

إن لم أتعلم شيئًا في تلك الليلة، فقد تعلمّتُ معنى الأولوية في وجودي.. لا أتذكر ذلك الأسبوع الدراسي ولا اختباراته، لكني تلك الجلسة ظلت راسخة في ذهني لما لها عندي من عظيم الأثر..  

لا أتذكر كل تفاصيل تلك الليلة، لكنها ليلة ليست كباقي ليالي العمر أيقظ فيها ضمائرنا وجعلنا نخجل من أنفسنا..


علي تضارفي بعد أكثر من عشرين عامًا على محاضرته في المركز الإسلامي في بورتلاند

من أين أتانا هذا الرجل؟!

جاءنا من مدينة رينو ولاية نيفادا! مدينة معروفة بصخب الكازينوهات في ولاية صحراوية مقفرة.. وُجد وحيدًا في تلك المدينة، فأبى إلا أن يكون مؤمنًا بالله، وقام يدعو.. من رحم الفسق والفجور آمن رجل بالله وانطلق يدعو له.. لا أعلم بالظروف التي اضطرته للجوء أو البقاء في تلك المدينة، إلا أنه لم يخضع لتلك البيئة، لم تسيطر عليه بزينتها وزخرفها، لم يركن لها، لم ييأس.. بل منها انطلق في جعل رقعة منها مكان عبادة وعلم وعمل.. كانت محاضراته الأسبوعية التي هي عبارة عن تدبر في القرآن الكريم وأحاديث أهل بيت العترة الطاهرة تدبرًا معاصرًا يمس الواقع تستمر لأكثر من ثمان ساعات.. يا لله.. ثمان ساعات تدبر وتعلّم وقراءة وتفكّر!! ثمان ساعاتٍ ونحن نضجر من محاضرة تزيد دقائقها عن الساعة الواحدة.. 

علمتُ بعد ذلك أنه انصب على تعليم الكثيرين، وهؤلاء ممن كان يحضر محاضراته الأسبوعية توجهوا للحوزة في قم بعد أن انتهلوا من رحيق العلم..  إنه رجل آمن بربه، فتعلَّم وعلَّم وعمل.. هكذا كان بكل بساطة وبدون أي رتوش..

 جاء هذا الرجل عن طريق أخ إيراني – أحمد رجب – كان يسكن في مدينة يوجين التي تبعد عن مدينتنا قرابة الساعتين.. أحمد رجب مدرس لمادة الرياضيات في إحدى الكليات في مدينة يوجين.. بعد تلك المحاضرة دأبنا أنا ونبيل على الذهاب إلى تلك المنطقة لنشارك في جلساتهم الأسبوعية التي كانت مختلفة عن جلساتنا.. كان القرآن وتدبره هو مادة المحاضرة.. هذا القرآن الذي هجرناه فصرنا غرباء عنه.. لا نكاد نعرفه إلا في المناسبات، ولا نقرأه إلا للبركة.. ساعتان ذهابًا ثم نجلس عدة ساعات في تلك الجلسة، ثم نعود بعد منتصف الليل بعد أخذ جرعات من الزاد الروحي والمعنوي.. 

أصبحنا لا نأنف من المسافات الطويلة طلبًا للعلم والفائدة.

أتذكر جيدًا أنه في نفس العام لتلك الجلسة قررنا أن نحضر مخيمًا أقيم في إحدى مدن كاليفورنيا – ساكرامنتو – وكانت المسافة قرابة الستمائة ميلٍ وتستغرق تسع ساعات بالسيارة تمر بها على جبال أوريغون وكاليفورنيا.. استأجرنا باصًا صغيرًا ورحلنا.. كان المخيم في فصل الصيف ومن إعداد المنطقة الخامسة للجماعة الإسلامية في أمريكا وكندا، وكان أغلب الحضور من الإخوة اللبنانيين وكان المحاضر عالمًا من لبنان.. وصلنا ليلًا ولم يمض وقتًا طويلًا من صباح اليوم التالي إلا وقرر الإخوة المرافقين للشيخ أن يرحلوا نظرًا لقيام اضطرابات خطيرة في مدينة لوس أنجلوس التي جاء منها الإخوة اللبنانيين على أثر الحكم الذي صدر ببراءة الشرطة الذين اعتدوا على الأسود رودني كنج بالضرب المبرح والذي تم تصويره من قبل أحد المواطنين وبثته جميع وسائل الإعلام (ذكرت خبر الاعتداء سابقًا في: على ضفاف الذكريات (16)).

أربعة من الشرطة تم توجيه الاتهام لهم باستخدام القوة المفرطة ومع وجود شريط الفيديو الذي لم تتوقف وسائل الإعلام عن بثه لمدة عام من المحاكمة، يتم تبرئتهم من استخدام القوة المفرطة! هيئة المحلفين وهو “نظام يشرك المواطن في عملية تطبيق العدالة الجنائية، ذلك أنه يكفل تمثيل المواطنين في تشكيل هيئة الاتهام أو المحاكمة – أو كليهما – بصفتهم مواطنين وليسوا متخصصين. وللتأهل للمشاركة في الهيئة التي تعرف عادة باسم هيئة المحلفين، يتم اختيار مواطنين وفحصهم بواسطة عملية اختيار المحلفين التي تسمى عملية الاستجواب للتحقق من الأهلية في المشاركة”. اشتملت هيئة المحلفين لقضية رودني كنج على تسعة من البيض، واحد ثنائي العرق، واحد لاتيني ، وواحد آسيوي. بعد صدور حكم البراءة اشتعلت لوس أنجلوس لمدة سبعة أيام بالمظاهرات وانتشر النهب على نطاق واسع، وحدثت اعتداءات وعمليات الحرق والقتل التي وقعت أثناء أعمال الشغب، و كانت تقديرات الأضرار في الممتلكات أكثر من 1 مليار دولار أمريكي. 53 شخصًا قتلوا وجرح أكثر من 2000 شخص. اضطر الجيش أن يتدخل لإيقاف الشغب بعدد 4000 جندي.

لم نتمكن الاستفادة من المخيم وطفقنا راجعين بخفي حنين.

في إحدى جلساتنا الشبابية – في بيت أحد الأصدقاء – تداولنا أمرًا تم تداوله سابقًا عدة مرات، وكانت الإجابة دومًا معروفة.. لماذا لا نشتري مكانًا للمركز عوضًا عن دفع الإيجارات الشهرية ليكون ملاذًا للجالية الشيعية.. كان السؤال يُطرح سابًقا وكان الطلاب أغلبهم مبتعثين من أرامكو وكانت الحالة المادية جيدة، لكن قصور النظر كان يستحوذ على القرار.. كان الطلبة دائمًا ما يطرحوا أن هذا المكان مؤقت لفترة دراستهم ثم سيرحلوا.. كان المركز يواجه صعوبات في جمع التبرعات الشهرية للإيجار.. لم يكن تكليف كل فرد إلا عشرون دولارًا، ومع ذلك كان التفاعل ضعيفًا جدًا.. أمسكتُ مسؤولية المالية، وقُمتُ من أول شهر بجمع التبرعات وكان المبلغ أكثر من الإيجار.. تعلّمتُ حينها أن المتابعة أولًا، وأسلوب السؤال ثانيًا كفيلان بأن يقوم رواد المركز بالمشاركة في التبرع وبروح طيبة. نعتمد في الكثير من الأحيان على أن يقوم كل فرد بتحمل المسؤولية من تلقاء نفسه، ولكننا نخفق في ذلك. ليس من العيب أن نذكر بعضنا البعض بمسؤولياتنا والتزاماتنا، خصوصًا إذا كان الأسلوب مهذبًا وأريحيًا. إن العلاقة الأخوية الأريحية بين المؤمنين كفيلة بأن تزيل الحواجز، إضافة إلى معرفة ظروفهم وتقديرها، فالبعض ينسى، والبعض الآخر قد لا يكون لديه ما يشارك به في هذا الشهر، وهكذا.. ومع كل ذلك، فإن تلك التبرعات كانت تذهب هباءً في إيجارات شهرية لمركز هو رهينة في يدِ مالك المكان.

تم طرح السؤال في تلك الجلسة الشبابية الآنفة الذكر وكان التفاعلُ مختلفًا.. لماذا لا نشتري مكانًا ونجعله مركزًا للجالية (الموجودة في المنطقة أو التي ستأتي لاحقًا!).. كان أغلب الشباب حينها يدرس على حسابه الخاص، لكن الهمة كانت مختلفة والنظرة متفائلة.. فقام كل فرد من هؤلاء الطلبة بالتعهد لدفع مبلغ ما، كلٌ بحسب استطاعته.. ألف دولارٍ من هنا، وألفان من هناك، وعشرة من هذا وخمسة من ذاك، كانت كافية لأن يتم دفع القسط الأكبر من قيمة المكان.. كانت تلك الخطوة من أفضل الخطوات التي قام بها شباب تلك المنطقة.. ولا يزال المركز قائمًا، بل تم بيعه وشراء مكانٍ أكبر مساحة وأفضل بناءً..     

المركز الإسلامي في بورتلاند أوريغون

 ارتادت عائلة أفغانية المركز بعد أن علمت بوجوده.. كانت هذه العائلة تعيش في تلك المنطقة لمدة تزيد عن ثمان سنوات لكنها لم تكن تعلم بوجود هذا المركز.. العائلة تتكون من أب وأم، وأربعة أولاد وابنتين هربا من الحروب التي مرت على هذا البلد، أفغانستان.. أحمد كان الابن الثاني.. شاب هادئ جدًا.. تقدّمتُ إليه وعرّفتُ نفسي، فرد التحية والسلام بهدوء.. تحدثنا، وطال حديثنا.. استأذن من عائلته وطلب أن يمضي بعض الوقت معي، فاقترحتُ أن نذهب إلى أحد المطاعم، فوافق.. بينما كنا جالسين في المطعم قال لي أنه مستاء جدًا من المركز، فسألته لماذا؟! فأجاب: 

يتبع في الحلقة القادمة

1 أغسطس 2015

بين نقيضين / إكسير المحبة

 

إكسير المحبة

 

 

تبرز الأخلاق في الشريعة الإسلامية كواحدة من أبرز مميزاتها وسماتها الظاهرة والجليّة، وتمام الأخلاق إحدى غايات بعث رسول الإسلام محمد بن عبد الله – صَلى الله عليه وآله – حيث يقول: “إنما بُعثتُ لأُتَمِّم مكارم الأخلاق“، ويظهر أنها من غايات جميع الأديان السماوية.

ولأنها – أي الأخلاق – من أبرز خصائص الشريعة الإسلامية، كان مُبلغّها يُعرَف بالصدق والأمانة، بل أنه – صلى الله عليه وآله – بَلَغَ حد الكمال الأخلاقي، حتى قال عنه رب الكمال والجلال: “وإنّك لعلى خلقٍ عظيم“.

لذا، كان الإسلام مدرسةً أخلاقيةً قِيَميّةً استثنائية، ومن هنا جاءت (كانت) دعوة الإمام الصادق عليه السلام: “كونوا دُعاةً لأنفسكم بغير ألسنتكم” أي بالعمل، ولا شكّ بأن الخُلق ركيزة أساسية للدعوة للنفس بالعمل.

لاحظ أخي القارئ:

إلى هنا ليس في ما تقدم من الكلام أمر جديد، فهو كثيرًا ما يُقال، بل إن أغلبنا إن لم يكن جميعنا يحفظ ذلك ويردده، ولكننا لو راقبنا أنفسنا لرأينا العجب العُجاب من التناقض والتعاكس بين القول والفعل، بين ما نعلم وما نمارسه.

الحالة الطبيعية المفترضة تلزم أن نكون – لكوننا من ملّة هذا الرسول العظيم ذو الخُلق الكريم – في أرقى وأعلى مرتبة من الأخلاق والقيم، إلاّ أن هنالك الكثير من الظواهر والتصرفات بارزة في المجتمع – ربما – تجعلنا في أسفل المراتب الأخلاقية والقِيَميّة.

الأمثلة والشواهد أكثر من أن تُعد وتُحصى، لنلقي نظرة نحو التعامل مع الوافد الآسيوي مثلاً، كيف ترى؟! ألا تجد بأن هناك حالة من الإزدراء والاستنقاص والتعامل السيء، على الرغم من السمعة الطيبة التي نُوصف بها وتُنسب لنا.. بالطبع ليس المقصود هنا التعميم وإنما المقصد هو لفت الانتباه نحو ظاهرة اجتماعية موجودة وتتوسع شيئًا فشيئًا حسب ما أظن وأتصور.

ولتتضح لك الفجوة بين ما نفهم وبين ما نفعل، وترى حالة التناقض بين ما نردد من مفاهيم وبين ما نمارس، تعال لنوجه بصرنا إلى الطرقات والشوارع، كيف نتعامل فيها؟

من أكثر المواضع التي تُنبِؤكَ باختلال المفاهيم الأخلاقية هو طريق السير، أصبحت مظاهر التجاوز للسيارات بالخروج على الطرق الوعرة التي ينتج عنها تطاير الرمال والأتربة على مسار السيارات أمرًا اعتياديًا، تمارسه فئات واسعة جدًا، وبات الدخول لطريق الطوارئ “الخط الأصفر” تصرفًا شائعًا، والحالات كثيرة لو أردت عدّها في هذا الجانب.

إنّ حصر أسباب هذا التناقض تحتاج لدراسة مُعمّقة للظواهر، ولكن يبدو لي بأن هناك سببين ساهما بوجود حالة التناقض هذه:

 

١- عدم تمكّن المفاهيم الأخلاقية والقيميّة التي جاءت بها الرسالة المحمّدية والدين الإسلامي في نُفوسنا.

٢- نتيجة تداخل ثقافتنا مع غيرها من الثقافات الدخيلة علينا نتيجة العمالة الأجنبية الوافدة من جهة والتجنيس السياسي من جهة أخرى.

 

وعليه، بتنا في حاجةٍ ماسةٍ لمراجعة مثل هذه الظواهر، حتى نعود لأصالتنا الإسلامية التي قدَّمت لنا منظومة أخلاقية راقية فنرتقي برُقيّها، ونعلو بعُلوّها.

 

1 أغسطس 2015

تعذيب الأطفال.. مرة أخرى // إيمان الحبيشي

 

 

 

 

 

بعد نشر مقال الأسبوع الماضي بعنوان “تعذيب الأطفال” وجدت أن طريقة المزاح مع الأطفال والتي انتقدتها في المقال أكثر انتشارًا مما توقعت، وهو ما قرأته من خلال بعض النقاشات والتعليقات التي جاءتني بعد النشر، لذلك فقد قمت بمحاولة البحث عن دراسة أو بحث لجهه أو شخصية تخصصية تتناول الأثر السلبي لاستفزاز الأطفال وإثارة غضبهم من أجل التندر، وذلك لمحاولة توضيحه أو الرجوع لها من أجل تقريب الصورة التي رأيتها لأذهان المربين وعموم الأسرة.. إلا أن ذلك لم يكن متوفرًا!

بل لعله على العكس تمامًا، فإن الدراسات والأبحاث أشبعت موضوع “عناد الاطفال” وهو ما يعاني منه أغلب الآباء والتربويين لكون العناد “مرحلة” لا بد وأن يمر بها الطفل، ولا بد من التعامل معها بطرق سليمة لكونها مسؤولة عن صقل شخصية مستقلة وذكية للطفل في حالة حسن التعامل معها كما أن لسوء معالجتها عواقبه أيضًا.

لوهلة وبينما أتجول بين كم الدراسات تلك شعرت بالأسى الشديد فمعنى أن يغيب موضوع “استفزاز الاطفال وأثره السلبي على شخصياتهم” عن التداول والنقاش والبحث، أمران لا ثالث لهما أسوأهما أن الأطفال لا صوت لهم ليرتفع معبرًا عن معاناتهم ورفضهم للاستفزاز الموجود داخل بيئتهم المسؤولة عن تربيتهم وما يتركه ذلك من أثر على شخصياتهم وسلوكياتهم، وهو ما يعني فقدان حلقة مهمة من حلقات العلاج وهي “استشعار المشكلة”. أما الأمر الآخر فربما أن غياب بحث هذا الموضوع يعني أن أسلوب استفزاز الأطفال وما يتبعه من آثار سلبية انما هو مشكلة تربوية أو سلوك ينفرد به مجتمعنا فحسب، لذلك فلم توجد حاجة لدراسته من قبل جهات أو شخصيات تخصصية خارج اطار مجتمعنا!

حينها وجدتني اسأل نفسي:

إذًا من أين لنا هذا؟

إن كان عناد الأطفال مرحلة طبيعية يمر بها الطفل في سني حياته، وهو من باب التسامح يدعى عنادًا – ذلك أن الواقع يقول أن إصرار الطفل على بعض الطلبات أو السلوكيات إنما هو تطور ونمو لا يجيد الآباء فهمه والتعامل معه – فهل “استفزازنا” لهم مرحلة أسرية لا بد منها؟ كيف تحوّل المزاح لدرجة متقدمة جدًا وصلت لعدم الاكتراث بآثاره على بناء شخصية طفل اليوم وشاب الغد؟ وهل يمكن فصل الأثر السلبي الواقع على “الفرد” عن المجتمع؟

واقعا فإن أي مشكلة سلوكية تربوية لا بد وأن تلقي بظلالها على عموم المجتمع، وربما لا نزال في طور عدم الوعي لسوء أثر أسلوب تربوي أو آخر، لكن بمجرد أن نستشعر احتمال وجود أثر سلبي لسلوك تربوي فالواجب علينا أن نضع ذلك السلوك تحت المجهر وذلك من أجل رصد كل أثر يتركه “سلبًا أو إيجابًا” لنصل أولًا لمرحلة فرزه بشكل صحيح فإن كان ذا أثر سلبي فالواجب محاولة إيقافه أو استبداله ثم علاج تركته على نفسية الطفل وإن كان ذا أثر إيجابي فوجب تعزيزه وجعله أكثر فاعلية.

وأقول.. حين لا يوجد بحث أو دراسة لظاهرة أو مشكلة ما فلا يعني ذلك عدم وجودها، كما لا يعني أيضًا تركها وإهمالها..

بل يعني ذلك بكل بساطة أننا أمام مسؤولية الأخذ بزمام المبادرة لإيقافها أو تحييدها ومن ثم علاج تركتها بل ووضع خطة تكون في متناول يد الجميع لتكون بمثابة خارطة طريق للحل.. وعلى أقل تقدير نكون أمام مسؤولية تنبيه المجتمع بسلبياتها.

إن المسؤولية الأولى إنما تقع على عاتق الأبوين الذين يجب عليهما أن يوفرا بيئة تربوية مناسبة لأطفالهما، وحين نطالب أولياء الأمور بالتنبه لسوء أسلوب الاستفزاز كطريقة مزاح مع أطفالهم، فلا يعني ذلك أن يتحولوا لرجال شرطة ليعتقلوا الابتسامة ما بين أفراد أسرتهم وأطفالهم بل يعني ذلك أن واجبهم يقتضي أولًا معرفة الوقت المناسب للتدخل وهو ما لا يمكن وضع قاعدة رياضية جامدة له..

فطفل يدرك أن خاله أو عمه يتعمد ممازحته عبر إيهامه بأخذ أخته حديثة الولادة معه لمنزله، ليبتسم ضاحكًا أو حتى ليفكر قليلًا ومن ثم يجد إجابة تكون ردة فعل لمزحة قريبه، قد لا يكون محتاجًا لأكثر من ابتسامة من أبيه وهزة رأس تطمئنه أنه لا يمكن لأي كائن أن يسلبه أخته..

وعلى العكس فإن طفلًا وبحسب شخصيته وإدراكه لا يمكنه التمييز بين المزحة والصدق، فتتغير ملامح وجهه وربما يعيش قلقًا مستمرًا خوفًا من أن أحدهم قد يسلبه أخته التي وصلت للتو للحياة، فإن على والديه مثلًا أن يوقفا قريبهما عن هذا النوع من المزاح وبشكل حازم بعيدًا عن مسامع الطفل وإن استدعى الأمر فأمامه أيضًا على أن يؤكدا لطفلهما أن تلك ليست سوى مزحة لا يمكن أن يقبلا بها وعلى ذلك قس..

في اعتقادي وبناء على مجموعة من ردود الأفعال على المقال السابق، أن هناك نسبة كبيرة من الجهل بأثر الاستفزاز الذي يمارسه الكبار مع الأطفال، وهو ما يتسبب بأكثر من الأثر السلبي الذي يقع على الطفل ذاته، لذلك فان أول الحلول تكمن في إشاعة درجة من المعرفة بأثر ذلك السلوك وهو ما يمكن تحقيقه من خلال نقاشات وحوارات صحيحة وصريحة داخل إطار العائلة الواحدة أو حتى في عموم التجمعات الاجتماعية مستثمرين وجود أفراد من المجتمع بمختلف الفئات العمرية.

تجتمع العائلة على أقل تقدير كل أسبوع في إجازتها المعتادة لتناول وجبة غداء أو عشاء أو إفطار، فما المانع في أن يقوم أحد الكبار ممن يرون ويستشعرون ويعانون من آثار الاستفزاز السلبية في العملية التربوية كأولياء أمور ومربين، من طرح هذا السلوك كعنوان عام يتم على أساسه مناقشة الأسباب التي تحفز الكبار على استفزاز الصغار، ثم مناقشة الآثار وتوضيح بعض أوجه المعاناة ومن ثم إشعار كل أفراد العائلة والمجتمع بأن لهم يدًا في تربية ذلك الطفل، وأنها قد تكون يد خير تساهم في غرس القيم والحب والمتعة في تربة الأسرة لتثمر أجيالًا صالحة، أو قد تكون بمثابة الوباء الذي يخرب المحصول ويهلك الحرث ثم يتسبب بالدمار لعموم العائلة والمجتمع وذلك لامتداد الأثر لأوسع من دائرة الطفل وأبيه لعموم العائلة والمجتمع.

قد يجد البعض أن المقال يهول ويضخم أمرًا طبيعيًا فطم عليه أطفال المجتمع، إنما هو دعوة للتوقف قليلًا ثم محاولة استقراء الحقيقة، لنضع أيدينا على مصدر قلق بعض الآباء ومن ثم لنبدأ في محاولة طمأنتهم إما عن طريق إثبات أن الأمر أبسط من أن يقلقوا بسببه أو عن طريق القضاء على ما قد نجده أثرًا سلبيًا أو سلوكًا ضارًا لنعيد الأمور إلى نصابها داخل الأسرة.

ذلك أن أول طرق الحل، معرفة المشكلة واستشعار أهمية معالجتها.

 

1 أغسطس 2015

بذورُ الخير، وقطف الثّمار // محمود سهلان

 

 

الثمار قد تتأخر أحيانًا عن البذر طويلا، وقد تظهر لكنها لا تكون يانعةً إلا بعد طول انتظار، تلك حالة قد تكون على جميع المستويات، لكنّ الكثير منا لا يستوعبها، ليس لأنها عصيةٌ على الاستيعاب، لكنْ لخلل ما في دواعي البذر، أو الهدف من وراءه، أو أهداف ما وراء الهدف.

هذا هو حال الكثير من المشاريع الثقافية والخيرية، فإنّها إذا تجاوزت مرحلة الحرث ثم البذر، لا يُضمن لها الاستمرار لسبب أو لآخر، ولعل أهم هذه الأسباب هو استعجال قطف الثمار، فإذا لم يتحقق ذلك بدأ اليأس يأخذ محله في الصدور، فيتلاشى العمل شيئًا فشيئا، في إحدى مراحل النمو، فلا يأتي الدور حينها للإثمار علاوةً على قطفه.

الاستعجال الحاصل قد يكون لضعف التخطيط والنظر، إضافة لفقدان صفة الصبر والتريث، فلو كان التخطيط لمشاريعنا صحيحًا، لما دخل اليأس إلى قلوبنا، لأن الرؤية حينها ستكون واضحة، والخطط البديلة على الأغلب ستكون موجودة، فترى أصحاب المشروع يعملون بهدوءٍ وروية، حيث الإيمان بالمشروع وقيمته وسموه يريح ما بداخل الصدور..

الأمر الآخر هو الأنانية، وربما الشوق المفرط لروية النتائج، فإن كانت ثمرة الزراعة (الحقيقية) نراها ونلامسها غالبًا، ونعيش لحظاتها، فإن الكثير وربما الغالب من الأعمال الثقافية، يصعب أن نتمكن من رؤية ثمارها على المدى القريب، وقد لا نراها، لكننا قد نتمكن من بعثها للأجيال القادمة، وما أعظمه من عمل، فلا يجب أن نتخلى عن صبرنا وطول بالنا في مثل هذه الأعمال والمشاريع.

حبُّ الظهور كذلك، قد يكون أحد تلك الآفات الفتاكة القاتلة، فلأجله قد تُقتل ألف فكرة، والعديد من المخططات الرصينة، والاستراتيجيات الفعّالة، لأنها لا تناسب ذوق فلان، فلا يترك المجال لها، لأنه يجب أن يظهر، ويكون في قلب الصورة، داخليًا وخارجيًا، سرا وعلانية، أوَلَم يرى أنّ الجذور تغوص في عمق الأرض، ليظهر غيرها من الأجزاء للعلن، لأنها تلعب الدور المناسب لها..

في أحد المشاريع التي أشترك فيها اليوم، رأيت روحًا غريبةً عجيبةً من العاملين فيها، لا تكل ولا تمل، تؤمن بأن عليها أن تحرث، وتبذر، وتسقي، وتفعل كلّ شيء، ثم تترك أمر الثمرة لله تعالى، وهذا فعلا ما ينبغي أن نكون عليه، وهذا بإذن الله من علامات إخلاص هؤلاء في عملهم، دون كلل أو ملل، ولا يأس وقنوط، ولا أنانية في البين، حيث ذابت كلّ الفوارق، ووظفت الإمكانيات دون تفرقة لصالح المشروع، مهما تفاوتت المستويات والقدرات.

فلنبذر اليوم كلّ ما هو صالح، وننسى أمرًا واحدًا، وهو (من الذي سيقطف الثمار؟)، فقط فليكن عملنا في أرضٍ خصبة، وموجهًا بالشكل الصحيح، مغلفًا بالصبر والإخلاص، وما فيه الخير سيكتبه الله تعالى.

 

١ أغسطس ٢٠١٥

الهوية الضائعة: النظام الدراسي نموذجًا // ياسر المعلم

 

 

كثير ما ربط علماء الاجتماع صفات وسمات الفرد بصفات وسمات المجتمع، فعلى سبيل المثال دورة الحياة للإنسان تشبه إلى حد كبير دورة الحياة للمجتمع، فكلاهما يمران بمرحلة الولادة والنمو، ومن ثَم مرحلة الشباب (القوة)، وأخيرًا مرحلة الشيخوخة (الضعف) والموت، وبدء دائرة جديدة للحياة.

وتتداخل مواضيع ومشاكل الفرد بمواضيع ومشاكل المجتمع إلى حد يصعب في كثير من الأحيان الفصل بينها عند القيام بدراسة وتحليل للمواقف والمواضيع الإنسانية.. فعندما يصاب الإنسان بمرض “فسيولوجي”، عادةً ما تكون هناك أسباب ومقدمات وعوارض للمرض نستطيع من خلالها اكتشاف المرض وتشخيصه.. وكذلك الأمر بالنسبة للأمراض “السيكولوجية” النفسية، مع الأخذ في عين الاعتبار التعقيدات المحاطة بالنفس البشرية، وهذا ينسحب أيضًا على المجتمعات. فالمجتمع قد يصاب بالأمراض والمشاكل والضعف، وتلك المشاكل بطبيعة الحال أشد تعقيدًا من الأمراض الفردية، لطبيعة المكونات والظروف المختلفة والمتشابكة في كل مجتمع.

لا يختلف اثنان على مدى التدهور والضعف الذي وصلت إليه الأمة (مجتمعاتنا) في شتى المجالات وعلى مختلف الأصعدة، ولو أردنا تحديد الأمراض لغرقنا فيها لكثرتها، ولوجدنا أن أسبابها لا تقل عددًا عن الأمراض التي أصابت هذه الأمة على مدى عقود من الزمن مما سبب الكثير من الهزات والنكبات وأسهم في تهشيم وضياع هوية الأمة، وتحولنا من أمة ذات حضارة قوية مؤثرة في الآخرين إلى أمة تستورد كل شيء من مأكولها وملبوسها الجسدي وصولًا إلى مأكولها وملبوسها العقلي والروحي.. نستورد ونقلّد دون قياس ودون تقييم ومن كل مكان، ومع الأسف حتى استيراد وتقليد الأفكار والأنظمة فشلنا فيه ولم نستطع مجاراة من نقلدهم، حتى أصبحنا حضارة لا لون ولا طعم لها وبلا هوية.

إن من بين أهم الأنظمة التي لها دور محوري في بناء أي حضارة وتطورها هو النظام التعليمي والتحصيل المعرفي، وقد أسس النبي محمد (ص) وأولى اهتمام كبير للعلم منذ اليوم الأول (اقرأ)، وكان لدوره التحفيز لأسرى الحرب في تعليم المسلمين رسالة مهمة إلى دور العلم، حتى وصلت الحضارة الإسلامية إلى مراتب متقدمة في مجال المعرفة كمًا و كيفًا في مرحلة من المراحل، ولعبت دور كبير على مستوى الحضارات الإنسانية.. وكانت الرحلة طويلة في هذا المجال ارتقت وهبطت لأسباب كثيرة ذاتية وخارجية لا مجال لمناقشتها في هذا المقام.. الشاهد هنا أننا حتى ما كنا نجيده تخلينا عنه لنستورد الغث والسمين من الآخرين، فتخلينا عن نظامنا ومنهجنا التعليمي وقمنا باستيراد أنظمة لا تلائم بالضرورة واقعنا، وكان لذلك الأثر السلبي الكبير على مناحي كثيرة في نظامنا الاجتماعي.. وسأسلط الضوء هنا على النظام التعليمي الحالي وتأثيره على جانب اجتماعي واحد فقط من باب المثال لا الحصر.

سأبدأ هنا بطرح السؤال التالي، والذي قد طرحته على كثير من الأشخاص في حلقات نقاشية أو جلسات حوارية وقد جاءت الإجابات متقاربة إلى حدٍ ما، والسؤال هو كالتالي:

ما هو رأيك في الزواج المبكر؟ جاءت الإجابات إجمالًا إنهم يرون أن الزواج المبكر جيد و له إيجابيات كثيرة، ولكن الزواج المبكر لا يناسب واقعنا، فالشاب أو الفتاة  أمامهم رحلة طويلة لإنهاء المرحلة الجامعية والبدء بالدخول في سوق العمل وحينها قد بلغوا من العمر 25 أو 26 سنة.. فمع الإقرار بإيجابية الموضوع إلا أنه (متخلف) عن نظامنا وعصرنا.

السؤال التالي: هل الخطأ في الزواج المبكر أم عصرنا ونظامنا؟ فتأتيك المقارنة الظالمة بين المجتمع الغربي ونجاحاته العلمية ونظامه التعليمي الذي (نطبقه) نحن، ناسين أو متناسين أمور كثيره أهمها الفروقات في العادات الاجتماعية،  والأهم من ذلك مَن قال أن النظام التعليمي هو الأنسب والأصلح لهذا العصر؟!

إن (نظامنا التعليمي) الحالي يتكون من 6 سنوات للمرحلة الابتدائية، و3 سنوات للمتوسطة و3 سنوات للثانوية وبعدها 4 إلى 5 سنوات للمرحلة الجامعية!! ناهيك عن الحشو الزائد في المواد التعليمية بما لا ينفع الناس، والأسلوب البائس المتبع حاليًا في طريقة التعليم. وعلى فرض أنه نظام تعليمي يتميز بجودة عالية، هل من المعقول إمضاء ما يقارب نصف العمر الافتراضي للإنسان كطالب وليس كفرد مسؤول في هذه الحياة!! حيث إن تنشئة الفرد في هذه المراحل يكون التعامل معها في الغالب على أن مرحلة الابتدائية هي مرحلة الطفولة، ومرحلة المتوسطة على أنها انتقال من الطفولة إلى مرحلة المراهقة، ومرحلة الثانوية على أنها مرحلة المراهقة وقد تمتد إلى مرحلة الجامعة في كثير من الأحيان. فيصل الفرد إلى مرحلة العشرينات من العمر بعقلية المراهق الغير مسؤول، ويبدأ بعدها مرحلة العمل، ومطلوب منه التحول إلى مرحلة الرجولة والمسؤولية وتكوين أسرة في تحول (دراماتيكي)! ولك أن تتخيل السيناريوهات المحتملة لهكذا نموذج وما أكثرها في مجتمعاتنا، وعندها تأتي الحلول لمشاكلنا الاجتماعية حلولًا ترقيعية وبشكل ردات فعل وعلاج جزئي آني.

إذًا هل النظام التعليمي صالح للاستعمال؟

للإجابة على هدا السؤال يجب علينا فحص وتقصي نشأة هذا النظام ومصدره:

يعود نشأة النظام التعليمي الحالي بشكله ومضمونه إلى فترة العصر الفيكتوري في (القرن التاسع عشر)، وكان أثر ظهور و اختراع الآلة من أهم المراحل لانتهاء العصر الزراعي الإقطاعي، ودخول العصر الصناعي كمظهر للقوة وترسيخ مفهوم البقاء للأقوى. ومع ظهور الآلة التي تشبه في عصرنا اختراع الكمبيوتر وأثره في بدء عصر التكنولوجيا والسرعة، وتحول الشعار من البقاء للأقوى إلى البقاء للأسرع.

فكان العصر الصناعي نقطة تحول مهمة صاحبته ظهور بعض الأفكار الفلسفية (كالفلسفة المادية – النفعية)، والتي مهدت للعصر الصناعي وقد أثرت هذه الأفكار وطبيعة هذه الحقبة في نظام التربية والتعليم. ومع توسع مستعمرات الإمبراطورية ونشوء النظام (البيروقراطي)، كانت الحاجة ملحة لتداول وتخزين قاعدة البيانات والمعلومات واستعمالها في أنحاء مستعمرات الإمبراطورية فكانت مجاميع الموظفين تقوم مقام عمل الكمبيوتر في ذلك العصر، وكانت الضرورة تحتم توفير نظام تعليمي يضمن تدفق أعدادًا بشرية مهيأة لاستمرار حركة قاعدة البيانات والتواصل عبر أطراف كل الإمبراطورية، فكان التعليم يعتمد على ما يسمى بالعلوم التطبيقية والتي تفتقر في الوقت نفسه إلى أي أبعاد روحية وأخلاقية، مما حول المتعلمين في الفصول التعليمية إلى مجرد آلات لحفظ المعلومات بعيدة كل البعد عن جوهر العلم بدرجاته العليا، وجوهر المعرفة والأخلاق.

هناك نقاش كبير يدور منذ سنوات في أروقة الجامعات الغربية، في مراجعة شاملة للنظام التعليمي وأساليبه وطرق التعامل مع الجيل الجديد، حيث يرون أنه في القريب العاجل سيضطرون إلى التعامل مع المتغيرات الجديدة في النسق التعليمي والتعامل مع هذه الأجيال الجديدة ذات التطلعات المختلفة والرافضة لأسلوب التلقي والتلقيم للمعلومات دون نقاش هذا من جهة، وتأثير التطور التكنولوجي الهائل من جهة أخرى.

في حين لا زالت مجتمعاتنا تدور حول نفسها مع النظام التعليمي، وما زلنا متشبثين ومقتنعين بهذا النظام التعليمي الذي انتهت صلاحيته منذ عقود مضت. إن هذا النظام التعليمي الذي استوردناه مما يقارب ال 300 عام هو أحد أهم الأسباب لكثير من مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية، والتخلف العلمي والحضاري. وأعتقد جازمًا أنه قد حان الأوان لوقفة جادة لإعادة تقييم النظام التعليمي ومخرجاته بشكل كلي وتكاتف كل الجهات الرسمية والأهلية، والاستعانة بمتخصصين في شتى المجالات والعلوم للوصول إلى نظام تعليمي يتلاءم مع المتطلبات الحالية ويتواءم مع طبيعة المجتمع ونظامه.

كلمة أخيرة:

ليس بالضرورة معنى التوصل إلى نظام تعليمي جيد هو البحث عن الجديد أو من خارج المجتمع، فبعض الأنظمة التعليمية التقليدية ( كالحوزات الدينية) مثال جيد في تخريج نوعيات قوية من الطلبة فيمكن الاستفادة من الإيجابيات الموجودة هناك:

  • كجودة المادة التعليمية وإخلاص ومقدرة المعلم على إيصال المعرفة إلى طلابه.

  • نموذج الفصل التعليمي (الحلقة الدراسية) تضم مختلف الفئات العمرية والمستويات العلمية.

  • تواضع المعلم والتلميذ أمام الدليل العلمي.

 

1 أغسطس 2015