Friday, October 31, 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (1) // محمد علي العلوي

 
 
يتخذ الحضور والأثر الثقافيان في المجتمعات شكلين رئيسيين، فالأول هو الامتزاج الطبيعي بين الوارد والقائم، والمُحَدِّدُ له مستوى القوة الثقافية في المجتمع، فالرجل الغربي لن يترك البنطال والقميص تأثرًا بثقافة الثوب الخليجي، كما وإنَّه باقٍ على لغته وإنْ دخل عليه مليون عربي دفعة واحدة، وعلى العكس تمامًا لو نظرنا إلى سرعة التأثر عند العربي بالثقافة الغربية، وهذا راجع -في نظري- إلى مستوى القوة الثقافية وحال القناعة عند الشعوب.


وعلى أية حال، فالغربي لا يريد للعربي لبس البنطال والقميص، ولكنَّ هذا الأخير يتأثر من تلقاء نفسه، وهو الشكل الأول للحضور والأثر الثقافي في المجتمعات، وقد أسميته: الامتزاج الطبيعي بين الوارد والقائم، وأقصد بمفردة الطبيعي انتفاء القوة القاصدة للتغير، أو فلنقل: إرادة التغيير.


وأما الشكل الثاني، فهو التغيير الثقافي المقصود، وأسميه: طغيان الوارد على القائم عن قصد وإرادة.
 
في الشكلين فإنَّ المجتمعات في حاجة إلى مراجعات ثقافية باستمرار قياسًا وبناءً على ما تمتلك من أصول وقواعد ثقافية عامة تشمل الدين والعادات والتقاليد والأعراف وما شابه، والقصد من المراجعة وتجديدها إنَّما هو للأخذ بما يوافق من الواردات وصَدِّ ما يخالف منها، إضافة إلى ما في ذلك من وقوف على القوة الثقافية للمجتمع وتقييم ما تحتاجه من تنمية ومعالجة وما نحو ذلك.


توصلتُ مؤخرًا لبعض القناعات في الشأن الثقافي وتوابعه من سلوك وفكر ومواقف، وقد وقفتُ في ذلك على ما يحتاج لمراجعات علمية جادة؛ وما لفت نظري أن للنظرية الماركسية الشيوعية -أصلًا وفروعًا- حضورٌ في عمقنا الثقافي، هذا وإنُ كان رسمُ الشُيوعية قد غاب أو (غُيِّبَ) لأسباب هدفية أو تنظيمية معينة!


وفي مرحلة من مراحل البحث اتخذتُ من بيان الحزب الشيوعي (1848م) أساسًا في مجموعة التحليلات والمقارنات، وعلى إثر ذلك أردتُ طرح ما توصلتُ إليه على القارئ الكريم، وكان التردد بين أنْ أنتظم في سلسلة مقالات ثم أُتبِعُها بنص البيان أو العكس، وبالمشاورة مع الأساتذة في مدونة ارتقاء استقر الأمر على إيراد مقدمة يليها نَصُّ بيان الحزب الشيوعي، ومن بعد ذلك تأتي المقالات تباعًا، والسبب الأصل أنْ نتجنب الإيحاءات والإلقاءات النفسية التي قد تؤثر على الذوق الفكري عند المتلقي.


هنا رابط لتحميل البيان على موقع 4shared، وأرجو من المُتَابِع قراءته بعناية ودقة، كما وينبغي عليه تتبع المفردات ومعانيها لتكون الفكرة حاضرة في ذهنه دون تشويش أو انقطاع.


بيان الحزب الشيوعي - 1848م، كارل ماركس/ فريدرك أنجلز
 
 
1 نوفمبر 2014

الحزن // أم علي

 
 
يُمارسُ بعضٌ فلسفته الخاصة اتجاه الحزن إما بالتجاهل أو الكبت أو الصراخ.. ونتفق على مقولة يعتبرها البعض أمرًا مسلمًا به ألا وهي أنه الشيء الوحيد الذي يولد كبيرًا ثم يصغر ونهمل إكمال التعريف بأنه الشيء الذي يترك ندبًا وعلامات على النفس والقلب.. الشيء الذي يعتصر الروح فلا تعود كما كانت قبل أن يمر بها. ولعل الحزن الذي يخلفه الموت هو أشد أنواع الحزن إيلامًا، وأكثرها شراسة في مهاجمة القلوب وذبحها بقسوة وبلا هوادة. ولعل بعضنا بل أكثرنا قد ذاق مرارة هذا الحزن بموت عزيز أو قريب.
الموت الذي يمثل ذروة سنام الحزن هو ذاك الشيء المحير الذي ما آتى به الله تعالي في كتابه العزيز إلا مقرونًا بالحياة، كما الليل والنهار فهو برغم قسوته ضرورة لتكون بعده حياة وهو كما ذكرنا المتسبب الأول والأهم للحزن.
 
ويتحكم في حجم الحزن الذي يعترينا بسبب الموت مدي قرب من فارقنا لقلبنا، كما أنه يحدد صورة الحزن التي تكون متعددة فنرى مَن يحزن ولا يذرف ولو دمعة واحدة، ومَن يُغرق الدنيا بالدموع ويصم الآذان بالنحيب لفراق حبيب. يقول علماء النفس إن الحزن المتفجر والذي يستطيع صاحبه أن يعبر عنه هو أيسر أنواع الحزن وأقلها تأثيرًا على القلب والنفس ذلك لأن صاحبه يستنفذ طاقة الحزن المختزنة بالتعبير عنه. أما مَن يكتم حزنه فإنه يشقى به ويعتصرة الألم وقد لا يفارقه حزنه إلا بتفجر حزن أكبر في قلبه أو بالتعبير عنه ولو بعد حين.
والحزن هو الشعور الأكثر ظهورًا في صور متعدده فهو إما حزن مرير وقاسي أو حزن يشوبه غضب أو حزن يتلبسه الشجن. والأول غالبًا ما يكون نتيجه لحدث جلل يغير حياة الإنسان وطريقة عيشه ويترك أبلغ الأثر علي نفسه. وتطول مدة معايشة هذا النوع من الحزن وتؤثر سلبًا علي من يصاب به مهما كانت قوة عزيمته وشدة شكيمته. أما النوع الثاني والذي يشوبه الغضب فهو وليد حدث عرضي ويظهر أكثر لدى أشخاص بسطاء يتعاملون مع ظاهر الحدث في الغالب، وسرعان ما ينجلي حزنهم بمجرد زوال السبب. أما النوع الثالث فهو حزن خفيف في الغالب لا يكون له سببًا محددًا، وتمر النفس البشرية به من آن لآخر خاصة الأشخاص ذوي الأنفس الرقيقة والأحاسيس المرهفة. وكثيرًا ما يُصاب به الأدباء والكتاب وهو نوع غريب من الحزن ليس له سببًا محددًا لكنه حالة من حالات الشجن تقترب من حدود الإكتئاب والانطواء علي النفس لكنها وبلا مقدمات تنفرج ويخرج منها صاحبها معافى.

والحزن كشعور إنساني مثله مثل باقي المشاعر والأحاسيس الإنسانية التي جبل عليها البشر. وكما هو الحال مع باقي المشاعر الإنسانية الأخرى فقد بين الله عز وجل وبينت السنة النبوية المطهرة سبل معالجة هذا الحزن مهما كانت صورته. فبداية نحن مطالبون بأن نكون في هذه الدنيا كالمسافر الذي استظل بظل شجرة ساعة ثم ارتحل فما يضره ما حدث في تلك الساعة وهو المسافر إلي ربه وإلي الدار الآخرة. وهو توجيه نبوي أتى علي لسان رسولنا الكريم صلي الله عليه وآله وسلم، ثم تأتي آية كريمة تبين كشف الحزن مهما بلغت درجاته (الغم وهو أقصى درجات الحزن) عن أي أنسان بمجرد قرائتها -وقد جربت هذا شخصيًا ونجحت في كشف الهم عن قلبي في كل مرة- كما جاء على لسان نبي الله يونس عليه السلام في سورة الأنبياء إذ قال تعالى:
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَٰهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
 
فعلاج الحزن مهما كان نوعه وقدره وقوة تأثيره بسيط ودرجة بساطته تتحكم فيه عوامل أهمها قوة إيمان الشخص وشدة تعلق قلبه بالله وهوان الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها على نفسه وإدراك أنها مجرد متاع وزينة وتفاخر وتكاثر بين الخلق في الأموال والأولاد، متاع نأخذ منه بقدر ما يقيم حياتنا ويضمن لنا حظًا من السعاده والهناء وتطبيق شرع الله في إعمار الارض وتحقيق سنة الله في خلقه وتأدية ما علينا من عبادة هي في الأصل سبب خلقنا ووجودنا على الأرض.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56)
فهل نوقن بعد هذا أننا قادرين على هزيمة الحزن والعيش في سلام بمنأى عنه بعدما عرفنا طريقنا لهزيمته؟
 
 
1 نوفمبر 2014

 

جرح وُلِدَ ولم يمت // أم حسين

 
 
ضمّني عندك يا جداه في هذا الضـريح
علّنــي يا جد من بلوى زماني أسـتريح
ضاق بي يا جد من فرط الأسى كل فسيح
فعسى طود الأسى يندك بين الدكّـتين
جد صفو العيش من بعدك بالأكدار شــيب
وأشاب الهم رأسي قبل اُبـان المـشيب
 
 
قلب متعب يتألم.. راضٍ عن ما مضى.. مؤمن مترقب بما سيجري عليه.. سكنت نفسه الهموم فترك العالم وتوسّد قطعة من الجنة عله يشم عبقها فيرتاح.. غفت عيناه.. استشعر قلب نبي الرحمة حسرات سبطه، أوليس هو نفسه!؟
 
 
(حسين مني وأنا من حسين)
 
 
فعلا من داخل القبر بكاءٌ ونحيب
ونداء بافتجاع يا حبيبي يا حسين
 
قلبان يتملكهما همٌ واحد وهو الحفاظ على الرسالة المحمدية.. قلب بألم مضى وقلب بألم قادم.. اندمجا فكَوَّنا قلبًا واحدًا هو قلب الإسلام.
 
 
أنت يا ريحانة القلب حقيقٌ بالبلاء
إنما الدنيا أعدت لبلاء النبلاء
لكن الماضي قليل في الذي قد أقبلا
فاتخِذ درعين من صبر وحسمٍ سابغين
 
لحظات روحانية حفّتها الملائكة، حفاظًا على صفائها وقدسيتها، فنبي الرحمة ينقل لسبطه صورة للتضحية التي سيحفظ بها الدين.
 
 
ستذوق الموت ظلمًا ظاميًا في كربلاء
وستـبقى في ثراها عافرًا مجندلا
وكأني بلئيم الأصل شمرٍ قد علا
صدرك الطاهر بالسيف يحزّ الودجين
وكأني بالأيامى من بناتي تستغيث
سغبًا تستعطف القوم وقد عزّ المغيث
 
 
كلمات لقصة تضحية حملها أرحم قلب منذ وﻻدة السبط وقد آن أوانها.
 
 
قد برى أجسامهن الضرب والسير الحثيث
بينها السجاد في الأصفاد مغلول اليدين
فبكى قرّة عين المصطفى والمرتضى
رحمةً للآل لا سخطًا لمحتوم القضاء
 
 
أبشع جريمة على مر التاريخ لأطهر خلق على وجه الأرض.
 
(سلام على آل ياسين)
 
مشاهد ملحمة حسينية أراد الله ببشاعتها إحياء الأنفس لتبحث عن الحقيقة..


جرح وُلِدَ ولم يمت


(حسين)


ستبقى ما بقي الليل والنهار.
 
 
8 محرم  1436

ما هي المعرفةُ المطلوبة؟ // محمود سهلان

 
 
 
رُوي عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: (زوروا الإمامَ الحسين (ع) ولو كان كلُّ سنة فإنّ كلَّ من أتاه عارفًا بحقِّه غيرَ جاحد لم يكن له عوضٌ غير الجنة).
 
وعنه (ع) أنّه قال: (مَن أتى الإمامَ عارفًا بحقِّه كتبه الله في أعلى علّيين).
 
وعنه (ع) في رواية أخرى: (مَن أتى قبرَ الحسين (ع) عارفًا بحقِّه كان كمن حجّ مائة حجة مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم).


وعن أبي الحسن الرضا (ع) : (ما زارني أحدٌ من أوليائي عارفاً بحقي، إلا تشفّعت فيه يومَ القيامة).


هذه الروايات تتحدثُ عن المعرفة، معرفة الحسين (ع)، أو معرفة الإمام الرضا (ع)، أو غيرهما، وعن فضل زيارتهما وغير ذلك.
 
فما هي نوعية هذه المعرفة؟
 
بالطبعِ هي ليستْ معرفةُ الاسم ولا الهوية الشخصية، ولا متى وُلد ولا متى استشهدَ أو انتقلَ إلى جوارِ ربِّه، فكلُّ هذا لا يغير شيئًا على الأغلب، لذلك أقولُ بأنّ المعرفةَ المطلوبة، هي معرفةُ معتقداتِ هذا الشخص، وسيرته، وسلوكه، وفكره، وأخلاقه، وكلِّ ما يتعلق بحركته في المجتمع، ولكنّ هذا ليس كافٍ أيضًا إذا لم يتحولْ لسلوكٍ وعملٍ في حياتنا، فما فائدةُ ما عرفته عن هذه الشخصية إذا كنتُ لا أتّبع ما يقول وما يفعل؟ وما فائدةُ المعرفةِ إذا حُبست داخلَ الشخص دون أنْ يحوّلها لواقعٍ عملي وسلوكي؟


لا فائدةَ من هذه المعرفة ما لم تتحول لسلوكٍ في حياتنا، ما لم نجعلْ أمثالَ هؤلاءِ قدوةً لنا، فالمعرفة بصدقِ الحسين (ع) ـ مثلًا ـ ما لم أقتفِ أثره وما لم أكنْ صادقًا، ماذا سأجني حينها؟


فالإنسان يجدُ الجزاءَ على عمله، فإنْ كان خيرًا أُثيبَ عليه، وإنْ كان شرًا عُوقبَ عليه، لذلك فالمعرفة التي لا تستبع عملًا صالحًا، لا رجاءَ منها.
 
المطلوبُ منّا، هو معرفةُ مقامِ هؤلاءِ، ومنطلقاتِهم الفكرية والأخلاقية والسلوكية وما إلى ذلك، ثم مشايعتِهم واقتفاءِ آثارهم المباركة والسيرِ على هديهم، ومن هنا أقولُ بِمجردِ أنْ تُسمّى شيعيًا دونَ عملٍ لا يكفي، وقد قالَ الشهيد الثاني في متنِ اللمعةِ (الشيعةُ من شايعَ عليًا)، والمشايعةُ تعني المتابعة والاقتداء.
 
 
٥ محرم ١٤٣٦ هـ

Friday, October 24, 2014

انظر لنفسك أولًا // أم علي

 
 
* التأمل فيما حولك غاية ينبغي عليك الانغماس فيها.. كثيرة هي الأشياء التي تضيع منا في غفلة دون أن ندري.. نسير بلا إدراك وبلا تفهم لمسألة البقاء في هذه الدنيا، هي عمر وإن مر ألم.. هي الدنيا ما اسمها إلا من الدنو، ليس منا من هو في حاجة إلى الآخر إلا في مرضاة الخالق.. خلقنا لنكون عونًا على ذكر الله، والوجود في ملكوت الله حكمة، لم يصنع الشيء للعبث فلكل أداؤه غاية ولكل شمس كتاب.

* التأمل فن لا يتقنه إلا ذو بصيرة وإن كان «أعمى».. وهو في الطب مخفض لضغط الدم.. ولكل منا طريقته في تأمله في الأشياء.. انظر حولك وتبصر.. إن أردت الإحساس بطبيعة الأشياء ستسمح لنفسك بلوغ الحقائق مبكرًا.. اشعر بالاسترخاء ولو للحظة.. حاول أن تنعزل عن الآخرين.. تأمل في يومك.. ماذا فعلت؟ هل سيكون لك عليه أجرًا؟ هل هو ما سيجعلك تتفوق على نفسك وتواجه حقيقة التقصير والهروب من الواقع.. عليك قبول كل شي حولك « غثيثو الأوجه»، «المتغطرسون» كل صنف.. وإن بلغت ذلك ستصفو لك الدنيا.. انظر للأمور بميزان عدل تكن يسرًا وتهنأ نفسك.
* بكاؤك غير بكائي واسترخاؤك يختلف عما أفعله، حتى طريقة الفرح تختلف من شخص إلى آخر.. من لا يتأمل تطمس لديه الرؤية ويرى الأمور على غير حقيقتها.. اشعر بالسلام بداخلك.. اطمئن لكل من حولك، ستشعر بتغير شعورك تجاه الآخرين.. امنح الفرصة للبحث في التفاصيل.. «تأمل».. جرب ذات مره أن تجلس مع أفكارك.. ابحث عن الانسجام بين عقلك وروحك وبين الجسد الذي يسكنك قبل أن تسكنه.. رتب أولوياتك قبل الإقدام على أي أمر.. فكم من تصرف «أحمق» أسهم في جعلك دائمًا في ذيل القائمة.
* عليك استغلال طاقتك الداخلية وإن بلغت مرحلة «التوهان» والانغماس في تكذيب الذات.. اقترب من نفسك قدر الإمكان فهي لك وأمانة تحملها.. سفاسف الأفكار لوث دماغي تخلص منه.. ترفع عن المكابرة واكتشف المعاني والعبر العميقة مما تحمله في ذاتك.. هي الدنيا هكذا، سلف ودين «طقها والحقها».. لا تجعلها هي من تسير لك الأمور.. فكر في النهاية.. هي الدروس التي تمر ولا نعتبر.. اكتشف رسالتك في الحياة في أي مكان أنت فيه.. كيف تريد أن تكون؟ أأنت تعمل لصلاح حالك في الدنيا والآخرة.. تساءل ولو مرة وستجد نفسك مصدومًا بما تحمله في صدرك تجاه نفسك والآخرين.
 
 
25 أكتوبر 2014

إلى أين // ز.كاظم


قال الإمام الصادق (علية السلام):العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق فلا تزيده سرعة السير إلا بعدًا.
 
في كل أربعاء في تمام الساعة الثامنة صباحًا نحضر اجتماعًا للإنتاجية يستغرق حوالي النصف ساعة، يتم فيه مناقشة ما تم إنتاجه خلال الشهر ومدى توافقه مع معدل المبيعات، مع طرح المشاكل التي تواجه الإنتاجية وطرق حلها. ويتم حضور مختلف الأقسام في المصنع من خدمة العملاء، والمهندسين، ومسؤول الإنتاجية، ومدير الجودة ومديرة الموارد، وغيرهم..
 
جاء مدير المصنع -الجديد في منصبه الحالي- ذات أربعاء وقد كان صارمًا حازمًا وافتتح الاجتماع بإعلانه أنه لن تتم مناقشة الإنتاجية في هذا الاجتماع، وأنه ضاق ذرعًا بانخفاض مستوى الأداء وأنه سيكون صريحًا واضحًا ولن يقبل بمثل هذا الأداء، وعلى الجميع أن يراجع أداءه وأن يتحسن وإلا.. ثم قال كلمته الأخيرة بأن على الكل أن يأتي لمكتبه يوم الجمعة ليعلن عنده أنه معه في رفع مستوى الأداء، ثم خرج بسرعة غاضبًا.
 
خيّم الصمت على الجميع بعد خروجه، فقامت مديرة الموارد بإعلان تضامنها مع المدير وأنه محقٌ في كلامه وأنها معه. وبعدها وجهت مديرة الموارد بصرها لي على أن أقول كلمة معقبّة، فقلت: ليس لدي ما أقوله. انتهى الاجتماع وخرج الجميع من الاجتماع.
 
في خروجنا من الاجتماع كان بصحبتي مسؤول الجودة، فاقترحت عليه أن نذهب لمكتبي لمناقشة هذه الحادثة. أقفلتُ الباب خلفه، وسألته عن الرسالة التي استقاها من موقف المدير. فذكر أربعة أمور، 1) تحمل المسؤولية، 2) القيادة، 3) رفع مستوى الأداء، 4) المحاسبة. قلتُ له جميل جدًا، كيف ستحقق هذه الأمور؟ فبهت المسؤول ولم يحر جوابًا.
 
لم أستغرب تصرف المدير، لكني لم أعد أؤمن بمثل هذه الأساليب الإدارية العقيمة، وذلك للأسباب التالية:
 
1. أسلوب الهزة -الذي قام به المدير- لا يفيد بتاتًا إلا مؤقتًا، فما لم يُتبع بخطوات عملية، فإنه يفقد أثره بعد فترة وجيزة، بل أنه يُفقد المدير المصداقية في هذا الأسلوب بحيث تصل القناعة عند الموظفين أنها مجرد هبة ستخفت بعد هنيئة.

2. عندما تريد من الموظفين أن يرفعوا من مستوى أدائهم فأنت بحاجة إلى ثلاثة أمور أساسية: أولًا/ إيضاح مستوى أدائهم وتقييمه، وثانيًا/ وضع هدف (أهدافٍ) لمستوى الأداء المطلوب، وثالثًا/ وضع خطة عملية للارتقاء بهم نحو الأهداف المنشودة.
 
 
3. مستوى الأداء: عندما تقول للموظفين أن مستوى أدائهم متدني، فأنت بحاجة إلى توضيح هذا التدني، فالموظف في الغالب يظن أن مستواه جيد وأنه يقوم بأقصى ما لديه في توظيف مهاراته وخبرته وعلمه في أداء مسؤوليته. لا يكفي بتاتًا أن تقول للفرد مستواك متدني، إذ لا بدّ من توضح ماهية هذا التدني، وهذا لا يتم هكذا وبصورة جماعية على الكل، بل يحتاج إلى معلومات دقيقة ومتابعة لهذا الأداء. ومثالٌ على ذلك إذا كنت تقيّم مسؤول الإنتاجية فاللازم أن توضح له أن مستوى أداءه في الإنتاج اليومي أقل من المطلوب، وأن مستوى الجودة للمنتجات رديئة بنسبة كذا، وهكذا.
 
4. وضع أهدافٍ لمستوى الأداء المطلوب: بعد أن توضح للموظف مستوى أدائه تأتي إلى الأهداف ولنواصل مثال مسؤول الإنتاجية، فتضع هدفًا للإنتاجية اليومية، وتوضح له كيف تم وضع هذا الهدف وهل هو هدف معقول أم لا، ويتم فيه مقارنة الإنتاجية إزاء الهدف المطروح، وهكذا مع الأهداف الأخرى.
 
5. وضع خطة عملية للارتقاء بهم نحو الأهداف المنشودة: وهذه أهم وأصعب خطوة، فليس فقط المطلوب منك كمدير أن تضع الأهداف وتجلس تقيّم، بل المفترض في المدير الناجح أن يرتقي بمستوى موظفيه، ويعمل على رفع مستواهم المتدني، وذلك لا يتم إلا بمعرفة معوقات تدّني الأداء، فهل هي راجعة إلى قدرات المسؤول أم خبرته أم كفاءته، أم إلى عدم كفاية أو كفاءة الآلات أو عدم وجود قوة عاملة كافية أو تدني مستواها العملي، أو أو أو.. وبعد أن يتم معرفة تلك المعوقات فعلى المدير أن يضع مع المسؤول خطة لتجاوز تلك العقبات بحيث يستطيع المسؤول أن يرفع من مستوى أدائه. وهذه بالطبع عملية صعبة وشاقة لكنها مثمرة وعملية ومنتجة.
 
 
وهناك الكثير من الأمور اللازم اتخاذها من قبيل مراقبة مستوى الأداء للموظف على فترات، واخضاعه لدورات ترفع من مستوى كفاءته. من السهل جدًا الانتقاد فهي عملية لا تحتاج إلا إلى لسان في أدنى حدودها، لكن أن ترتقي بأداء الموظفين وترفع من مستواهم فذلك ما يحتاج فيه المدير إلى أكثر من اللسان.. طبعًا لم أعلم أن أحدًا ذهب إلى مكتب المدير يوم الجمعة ليعلن تضامنه معه (ربما قام البعض بذلك) وهو تصرف غريب جدًا، ماذا يعني التضامن، تضامن على ماذا وفي ماذا وإلى ماذا!!! ومر الأسبوع الذي بعده ولم يتغيّر شيء، وتلك سقطة لا شك أنها أفقدت بعض المصداقية لهذا المدير عند موظفيه، فسواء كان موقفه (التضامن معه) سليمًا أو خاطئًا، فمتى ما لم يتابعه ويحاسب عليه، فهو لا يعدو كونه هبة ريح أزالت بعض المصداقية من هذا المدير..
 
(طبعًا عند هذا المدير الكثير من المميزات الإيجابية التي ستجعل منه مديرًا ناجحًا يومًا ما، وما ذكرته من هذا الموقف مجرد موقف سلبي في قبال الكثير من الإيجابيات التي يتمتع بها)..
 
الشاهد من هذا الموقف هو ضرورة وأهمية معرفة الهدف -الأهداف- الذي نطمح له سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، ومعرفة طريق السير إلى هذا الهدف، فبدون معرفته لا نعدو أن نكون مطايا لتحقيق أهداف الآخرين وعدم إحرازنا للبصيرة في السعي نحوه تزيدنا ابتعادًا عنه. من الجيد أن تعرف أين أنت، وإلى أين، وكيف الطريق إلى ذلك الأين.
 
 
25 أكتوبر 2014

كالتي نقضت غزلها // أم حنين

 

فكر، وقرر وسعى جاهدًا لترتيب الإجراءات اللازمة للذهاب إلى الحج ووفقه الله لما سعى.. ودّع أهله وأقاربه وجيرانه وأصدقاءه وطلب منهم براءة الذمة فهو ذاهب لأداء فريضة الحج ولا يريد أن يذهب وذمته محمّلة بحقوق للآخرين مهما كان نوعها.

أحرم، وقف في اليوم المشهود، يوم الاعتراف بالخطايا وغفران الذنوب ويوم تجديد العهد عند الله بوحدانيته (عن الإمام الصادق عليه السلام: "واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدَكَ عندَ الله بوحدانِيّته".)، جمع الحصوات ليدخل في مرحلة الصراع بين الحق والباطل، ورمى الجمرات بكل ثقة فالشيطان يقف أمامه ذليلًا وحقيرًا لا حول له ولا قوة، ومن ثم ذبح الاُضحية في يوم عيد الأضحى (عن الإمام عليّ عليه السلام: "لَوْ عَلِمَ النّاس ما في الأُضْحِيَةِ لاسْتَدانُوا وَضَحُّوا، إِنَّهُ لَيُغْفَرُ لِصاحِبِ الأُضْحِيَةِ عِنْدَ أَوّلِ قَطْرَةٍ تَقْطَرُ مِنْ دَمِها")


وبدأ بحلق شعره الذي كان يتباهى به ويحافظ عليه فهو يريد أن يتخلص من كل ما هو متعلق بما قبل هذا اليوم، فيتساقط شعره على الأرض وتتساقط معه كل ذنوبه ليعود كما ولدته أمه إن شاء الله نقيًا طاهرًا.

أنهى أعماله وحَلّ من إحرامه وكأنما بذلك حَلّ من كل ما هو مرتبط بهذا الإحرام، فكما لبس الإحرام عاد ليلبس ثياب الدنيا، وكما جمع الحصوات الصغيرة الرخوة ليرجم بها الشيطان بدأ بجمع الحصوات الكبيرة والقاسية وحادة الأطراف ليرمي بها هذا وذاك، فهذا فعل وذاك لم يفعل، وهذا أخذ وذاك لم يعطِ، وهذا كذا وذاك كذا، ولم يسلم أحد من حصواته الجارحة فأصاب بها من أصاب، وجرح من جرح وأدمى من أدمى وكان كمن قال الله تعالى (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا)، ونسي أو تناسى بأن الحج ليس رحلة سياحية، أو نزهة ترفيهية، أو واجب ملزم هو بأداءه وانتهى، بل دورة تربوية ونقطة تحول يؤهل فيها الإنسان نفسه لتغيير حياته والانطلاق نحو حياة جديدة طاهرة ونقية من الذنوب.


تقبل الله أعمالكم وغفر لكم ذنوبكم وجعلنا الله وإياكم من الحجيج وليس من الضجيج كما قال الإمام الباقر صلوات الله عليه (ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج).
 
 
25 أكتوبر 2014