Friday, October 31, 2014

مضائف حسينية.. للارتقاء // إيمان الحبيشي

 
 
لفت نظري بشكل كبير جدًا، طلب زوج من زوجته إيقاف عادتهم السنوية، وهي الإطعام على حب الحسين (ع) في يوم محدد من أيام عاشوراء، وتحويل المبلغ المصروف ذاته لأسرة، تعيش ضائقة مادية، ورب تلك الأسرة مهدد بالسجن بسببها، على حب الحسين (ع) أيضًا، إلا أن الزوجة رفضت طلبه وأصرت على عادة الطبخ السنوية!


للبذل في سبيل إحياء أيام عاشوراء وإطعام معزي أبي عبدالله الحسين (ع) أهمية كبيرة وصريحة لا يمكن إنكارها أبدًا، وقد نجدها واضحة في ما رواه البرقي، بسنده عن عمر بن علي بن الحسين، قال: (لمّا قتل الحسين بن عليّ (عليه السلام)، لبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حرّ ولا برد، وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يعمل لهنّ الطعام للمأتم) (1).


يبدو أن في الإطعام ثلاثة أبعاد رئيسية:

١/ البذل (وقد يكون في غير الإطعام).

٢/ البركة (وميزة الإطعام عن غيره أنه يختلط بمكونات جسم الإنسان من دم ولحم).

٣/ سد حاجة المحتاجين والتوفير على المعوزين.


لكن لو ألقينا نظرة على الشكل الذي تتجه إليه عادة الإطعام في مجتمعنا في عاشوراء تحديدًا فأتصور أنها تحتاج منا لوقفة جادة.


ليست المشكلة في وجود مضائف متعددة لتقديم الطعام والشراب للمعزين على مدى أيام عاشوراء، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في كون الكثير من تلك الأطعمة فوق حاجة المعزين أصلًا، إذ يشهد سوق اللحم ارتفاعًا في المبيعات بنسبة 300% وعلى الطرف الآخر تزيد نسبة المخلفات في عاشوراء (2)، إذ أن (الإحصاءات تؤكد زيادة كمية المخلفات في موسم عاشوراء بضعف المخلفات المتولدة في باقي أيام السنة) (3). كما كُشف عن إزالة 350 طنًا من المخلفات خلال موسم عاشوراء لعام 2013، بزيادة مقدارها 15% عن العام الذي سبقه (4).
 
عملية الإطعام في موسم عاشوراء لا تستهدف المعوزين كما يظهر لي، بل تستهدف المعزين والمقيمين وكل من يتواجد بمحيط توزيع الطعام، وهو أمر جيد بلا شك، لكن لو تحركنا من دائرة الإطعام الضيقة نسبيًا لدائرة البذل وهي الأوسع مساحة، فقد نقضي حاجات حقيقية لأسر تعيش أزمات مالية تهدد كيان الأسرة، كالمثال في بداية المقال بدلًا من أن نملأ بطونًا ممتلئة أصلًا. مع الحفاظ على بركة الإطعام في عاشوراء وذلك عبر توزيع المهمة بشكل منظم ومقنن وإيجابي جدًا وهو أمر صعب في البداية إلا أنني أتصوره سهل يسير مع مرور الأيام. فمن الممكن أن يكون لكل قرية صندوق عام مخصص لتبرعات أيام عاشوراء تصرف في عمليتي البذل والإطعام، فتقوم كل حسينية ومسجد وهيئة وناد في تلك القرية بالمساهمة بملء ذلك الصندوق ثم يوضع مبلغ معين من المال تحت مسؤولية إدارة كل مضيف ومأتم يحمل على عاتقه المباشرة في عملية إطعام المعزين، على أن تكون عملية توزيع الطعام منظمة تضمن تنوع الطعام دون تكراره وحصر الكمية الحقيقية المحتاجة من الطعام. فنضمن بذلك عدم إلقاء ما يفيض بسلة المهملات، فيوفر مأتمٌ ما وجبة الغذاء ويوفر آخر وجبة العشاء، ويقدم مضيفٌ ما العصائر وآخر السندويشات، وتعزل بقية الأموال لبذلها باسم الإمام الحسين (ع)، في عملية سد عوز أبناء المنطقة، وتوفير المنح الدراسية، والمساعدات العلاجية، وإقامة مجالس العزاء، وطباعة كتيبات للأطفال والكبار، وتوفير الكتب وزوايا الرسم لنشر الوعي بمبادئ محمد وآل محمد.


تلك طبعًا مجرد فكرة من الممكن أن توضع لها خطوات تنفيذية حقيقية وذلك من أجل الارتفاع بموسم عاشوراء للحد الذي أراده له ومنه آل بيت محمد.


كثيرًا ما يتحدث الكتاب والخطباء والمثقفين عن ضرورة ذرف الدمعة حزنًا على مصاب سيد الشهداء، مع الاعتبار من قضية الحسين تحت عناوين العطاء والإيثار والحب في الله والإحسان للإنسان، وأظن أن توجيه الأموال في موسم عاشوراء في الاتجاه الذي يرتقي بفكر الإنسان، ويرفع عنه ذل الحاجة والعوز، ويقوي الروابط الاجتماعية من خلال عملية التكافل الاجتماعي حبًا في الله وامتثالًا لوصايا أهل البيت عليهم السلام هو إحياء حقيقي لأمرهم تحت بند الاعتبار وأي اعتبار. ألم يطلب الامام الصادق عليه السلام أن نحيي أمرهم؟ وهل أفضل من إحياء أمر أهل البيت عمليًا عبر كل ما ذكرناه منذ قليل؟


يقول الامام الصادق (كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم). فلنكن دعاة حب وخير وسلام بغير ألسنتنا إنما بنوايا صادقة وأيادي عاملة تقدم للمجتمع كل المجتمع خدمات جليلة باسم الحسين عليه السلام ليكون ذكره بحق شمعة تضيء أبد الآبدين.




لفتة: الصورة أعلاه لمضيف من المضائف الحسينية التي تحاول الارتقاء بالإنسان عبر (إطعام) عقله بزاد المعرفة. أقدم الشكر والدعاء بالتوفيق للقائمين عليه.


1 نوفمبر 2014
__________________________________________
1/ المحاسن 2: 420 كتاب المأكل الباب (25) حديث (195).
2/ http://www.alwasatnews.com/4438/news/read/932782/1.html
3/ http://www.alwasatnews.com/mobile/news-930275.html
4/ http://www.alayam.com/mobile/details.aspx?id=199468 

الإسلامُ "كاتالوج" حياة // أبو مقداد



 
مدخل:-

من يصنعُ آلةً ما، هو أعرفُ الناس بكيفيةِ تشغيلها، وما تحتاجهُ لتعمل بشكلٍ صحيح،  وما يصلُحُ لها ليضمنَ استمراريتها في العمل، لذلكَ  فإن أصلحَ نظامٍ لإدارة هذه الآلة هو النظام الذي وضعهُ مخترع أو صانع الآلة هذه، لأنهُ الوحيدُ العارف بكلِّ تفاصيلها ومداخلها ومخارجها، ومهما حاول الآخرون تكييف التعامل هذه الآلة على حسب أهوائهم، سيبقى هو وحده المتمكن من برمجتها بالشكل الدقيق لأنه وحده يعرفُ أسرارها، ودهاليزها، وهو واضعها أصلًا، ومن السذاجةِ أن يجيء أحدٌ ما، ليعلم صانعَ الآلة عن الطريقة التي تعملُ بها آلته.


تقديم:-

المثاليةُ مأخوذةٌ من المثال السليم والذي لا بُدّ للإنسان أن يطمحَ للوصولِ له. ولكن حين نتحدثُ عنِ المثاليةِ، فقد نصطدمُ بكثيرينَ ممن سيقولونَ بأن الحالة المثالية هي حالةٌ غير ممكنةِ الحدوث، والوصولُ لها أقربُ للمستحيل، بسبب أن الظروف الواقعية، لا تتناسب مع المثال، فلا يمكن أن نعيش الحالة المثالية مهما حاولنا. والجدير بالذكر أن أول من حارب المثاليات، هم المذاهب الماديَّة الاشتراكية، وخصوصًا الماركسية منها، بحجَّةِ أن الحالة المثالية غير واقعية ولا تناسب الظروف الآنية، متغافلين عن تناقضات ومساوئ الحالة المادية التي يعيشونها، ويوظفونها في تحريك المجتمعات وتحديد مصائرها.


تأصيل:-

من الممكن أن يفترضَ أيًّا منا الحالة المثالية التي يراها، ولكن منطقيًا واستنادًا على المدخل المذكور في بداية المقال، لايمكن لأي بشرٍ أن يضع قوانين الحالة المثالية أو أن يصنع المثال الذي يُمكِّنُ من يتبعهُ ويلتزمُ بهِ أن يمارسَ حياتهُ كفردٍ وكمجتمعٍ بصورةٍ سليمةٍ وقويمة، إلا صانع هذا الكونِ وخالقه، وهو اللهُ سبحانهُ وتعالى وحدهُ لا شريكَ له. الله الذي صنع نظام السماء، فخلق الكواكب والمجرات والنجوم والأفلاك، بدون أن تصطدمَ أو تتبعثر، وهو أقدرُ على ذلك.

لذلكَ، فإنَّ رسالة خاتمِ الأنبياء، لم تكن مجردَ دينٍ يُمارسُ مُعتنقوهُ بعضَ الطقوس الفارغةِ من المحتوى، وحتى لم يكن الدينُ الذي يجتهدُ ليُعرِّفَ الناس بالله جلَّ وعلا فقط، إنما كان دينُ محمدٍ نظامًا سماويًا مثاليًا يُنظِّمُ للناسِ جميعًا خُطط حياتهم، عباداتهم، وعلاقاتهم، واقتصادهم، وثقافتهم، ووو.. ولن تجدَ صغيرةً، ولا كبيرةً إلا ولها في هذا النظامِ مثالًا ليُسيِّرها بشكلٍ سليم، في شتى مجالات الحياة، وهذا من عظم الخالق عزَّ وجل. فالدينُ الإسلامي الذي أنزلهُ الله للبشريةِ بمثابة "دليل المستخدم" لهذه البشرية ولهذه الأرض بما فيها. فكل ما يطرحه الإسلام من نظريات وقواعد هو ما يصلحُ لهذه الحياةِ وما عدا ذلك ففيهِ نظرٌ، ويحتاجُ لمقارنتهُ مع النظام الإلهي.
 
حقيقة:-

وضعَ لنا الإسلامُ القواعد الأساسية للمعاملات في العديد من أمورِ حياتنا، ولأن الحالة المثالية هذه لا تُناسبُ واقعنا وظروفنا، فقد ابتكر الإنسان ما أسماهُ حيلةً شرعية ليتمكنَ بقدرةِ قادرٍ أن يُحللَ حرامًا ما، أو يُحرِّمَ حلالًا ما، فيتحوِّلَ الرِّبا لهديةٍ أو مكافئة، والسرقةُ لاستعارة، ويهرُب المسلمَ من خمسه بالهبَة، والكثير من الأمثلة التي أوجد الإنسان لنفسه نظامًا فيها واعتمدهُ عوضًا عن النظام المثالي، هكذا أوجد الحيلةَ الشرعية.

ومن الأمثلة الواقعية التي ترفض الحالة المثالية التي أكد عليها النظامُ الإسلامي، هي حالة العدالة في الزواج، يقول الله تعالى في محكم كتابه


"وإن خِفتُم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساءِ، مثنى وثلاث ورُباع، فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعدلوا"

هذه تعليمات مثالية من خالق الكونِ وصانع نظامه، إلا أن هذه الآيةُ حين تتعرضُ لسطوة الواقع، يتم تحريفها من الطرفين اللذَين تستهدفهما الآية، فلا النساء تتقبل فكرةُ تعدد الزوجات، ولا الرجال ينظرون لمسألة العدالة، وفي النتيجة يكون تطبيق هذه القاعدة المثالية غير ممكن ومرفوض مقارنةً بالواقع المجتمعي، فتكون القاعدة الجديدة أن يكتفي كل رجلٍ بامرأة واحدة، وربما الكثير ينسى مسألة "فإن خفتم أن لا تعدلوا". هذه القاعدة الجديدة قبال القاعدة المثالية هي ما تسبب خللًا في المجتمعات المسلمة، حيث أنها عكست المضمون واعتبرت أن الحالة الواقعية هي السليمة والمناسبة بينما القاعدة المثالية خطرًا علينا، مما ينتج من تعطيل هذه القاعدة العديد من المشاكل من قبيل كثرةِ المطلقات، وكثرة النساء بلا أزواج، فيؤدي لزيادةِ الانحرافات وانتشار الفواحش، والعديد من المشاكل التي يسببها تعطيل هذه القاعدة. والحديثُ هنا طبعًا ليس عن فكرة تعدد الزوجات، وقبولهِ أو رفضه، إنما لتوضيح كيفية صنع أنظمة جديدة قبال الأنظمة التي وضعها الله لإدارة الحياة بشكلٍ سليم.


لفتة:-

دين اليُسرِ الذي نؤمنُ بهِ أتاح لنا بعض التنَزُّلات في القواعد المثالية، بحيث أننا نحافظُ على حدود النظام الإلهي المثالي، مراعاةً للظروف الزمكانية، ولكن لا يصح أن تنستغل هذه التنزُّلات في تحوير الدين كما يتناسب مع أهوائنا. وطبعًا لا يمكن لأيٍّ كان أن يُشَرِّع هذه التنازلات الا المختص في الدين، فالدين ليسَ نظامًا جامدًا بل هو نظامٌ صالحٌ لكل زمانٍ ومكان، ولأيِّ ظرفٍ كان.


استنتاج:-

إذا قلنا بأنَّ العبث في  بعضِ قواعدِ الدين المثالية سيسبب خللًا في المجتمع، وفي خط سير ِالحياة، تُرى ماذا سيسبب من ينادي بأن تحكمَ العالم الدول الغير إسلامية بحجة أنها لا تُناسب الواقع؟ وبهذا هو يلغي النظام المثالي الذي خصصه الله لإدارة وحكم العالم، وهو النظام الإسلامي، ويستبدلهُ بنظامٍ جديد، أول خصائصه هو فصل الدينِ عن كلِّ شيء، مما يعني فصل الدين عن الحياة وحصره في طقوسٍ مُفرغةٍ من أي معنى، كما لم يجيءَ به رسولُ الله!


1 نوفمبر 2014

حضور الشخصيات في الوجدان الشيعي // ز.كاظم

 
 
عندما كنتُ صغيرًا كنت دائمَ الشكر على نعمة الولاية لمحمد وآل محمد، فحقيقة لا أجد أكبر نعمة من أن أكون شيعيًا مؤمنًا بالله ووحدانيته معتقدًا برسالة محمدٍ صلى الله عليه وآله ونهجه وولاية علي عليه السلام وأولاده المعصومين عليهم السلام.. كنتُ ولازلتُ أعدُّ ذلك من أفضل النعم عليّ كإنسان خلقه الله سبحانه وتعالى في هذه الدنيا.
 
تصادفُ هذه الليلة -ليلة السابع من المحرم- ليلة الهالَوين عند المجتمع الأمريكي حيث الصغار تتنكر في زي الأشباح يذهبون من بيت إلى بيت طلبًا للحلويات ممارسين طقوسَ وعادات مجتمعهم.. في حين يُمارس الشيعة في هذه الليلة شعائرهم الحسينية بكاءً ونحيبًا ولطمًا على قمر العشيرة أبي الفضل العباس عليه السلام.. مستلهمين من فضائله ومواقفه معاني العزة والإباء، والشجاعة والوفاء، والنخوة والعطاء.. وبينما يُحيي الشيعة في أرجاء العالم تلك الشعائر الحسينية في هذه الأيام، فهناك الكثيرون مِمَن يُمارسون حياتهم بشكل عادي لا يعرفون لا حسينًا ولا عباسًا، ولا طفًا ولا كربلاءً.. بل إن علِموا بممارساتنا، فإنهم يتعجبون: ألا زلتم تبكون أناسًا ماتوا من قبل قرون وقرون!
 
من حقهم أن لا يستوعبوا هذا التعلق بهذه الأحداث والشخصيات، من حقهم ذلك إذ أنهم لم يروا أمهاتهم تبكي وتنحب كلما مر ذِكْرُ العباس على قلبها.. فقمر العشيرة يحتل مكانة كبيرة في الوجدان الشيعي. بنتُ أخت زوجتي لم يتعدَ عمرها الثلاث سنوات تشرد من أمها التي تريد أن تضربها على سوء فعلها وهي تصيح: "بدعي عليش عند العباس يقطع ايدش إذا ضربتيني".. فتتوقف الأم وتراضي ابنتها.. ما الذي أوقف الأم وغيّر سلوكها؟ وكيف فطنت هذه الصغيرة إلى قوة العباس المعنوية في وجدان الأم؟
 
في المجتمع الغربي هناك حضور لشخصيات بعضها وهمي والبعض الآخر حقيقي، ولعل أقوى شخصية وهمية تحتل وجدان الأطفال في الغرب هو السانتا كلوز، تلك الشخصية التي تصاحب أيام الكريسمس.. ولهذه الشخصية حضور قوي في تقويم سلوكيات الأطفال، فالهدايا التي يحصل عليها الطفل من السانتا كلوز لا تكون إلا للأطفال المؤدبين المطيعين.. إلا أن هذا الحضور يضمحل بمجرد أن يكبر الطفل فينفصل عن هذه الشخصية بمجرد علمه أنها شخصية وهمية لا حقيقة لها.. أما الشخصيات الحقيقية من رؤساء وعظماء فحضورها في وجدانهم ليس كحضور شخصياتنا في الوجدان الشيعي والتي تظل مرتبطة بنا مهما تقدم العمر. فالعباس يظل عباسًا حتى الموت.. يخفق قلبنا حين يمر ذكره، وتهمل دمعتنا حين نسمع مصابه.
 
هناك تقارب في حالة الارتباط بالشخصيات بيننا وبين مجتمعات وديانات وعقائد الآخرين، إلا أن هناك تمايزٌ واضحٌ أيضًا في حالة الارتباط هذه. فالعامل التربوي والثقافة الدينية تعزز من هذا الارتباط بهذه الشخصيات، فهي ليست مجرد قصص وتاريخ وأحداث ومواقف حدثت وانقضت، بل هي ارتباط معنوي تربينا عليه ونصرُّ أن نلتصق به إيمانًا واعتقادًا.. فالشعائر الحسينية في كل عام بالرغم من كل الانتقادات التي تصاحبها إلا أنها تعزز هذا الارتباط.. ومن الجميل جدًا أن يعزز هذا الارتباط  سلوك هذه الشخصيات فينا..
 
فشجاعة العباس تقتضي منا أن نكون شجعانًا، ووفاءه تقتضي منا الوفاء.. وإيثاره للماء في لحظة هي من أحرج اللحظات درسٌ بليغٌ يجدر بنا أن نستلهمه ونمارسه في تعاملاتنا.
 
 
رجوعًا إلى الطفلة ذاتِ الثلاثة أعوام، لا أعلم لماذا انطبعت صورة قطع أيدي الآخرين عن العباس لكي تهدد أمها بالشكاية عند أبي الفضل لقطع يدها إن اعتدت عليها بالضرب، في حين أن الصورة المفترض أن تتلقاها البنت هي مدى الرحمة التي يتمتع بها العباس عليه السلام حينما سمِع أنين الأطفال من جراء عطشهم.. صورة تكشف عن حنان ورحمة للطفل من المفترض على الأمهات أن تترجمها إلى سلوك مع أطفالهم،  فلم يروِ التاريخ عن العباس أو المعصومين أنهم مارسوا الضرب أو الصراخ مع أطفالهم، بل على العكس من ذلك تمامًا، فالاحترام والتقدير وحسن الخلق هي السلوك الدائم لأهل بيت النبوة.. ربما تكونت الصورة تلك عند الطفلة لشجاعته سلام الله عليه في مقاومة الأعداء وردع أذاهم عن معسكر الحسين (ع)، فرأت الطفلة أمها -حين أرادت ضربها- من الأعداء ورأت نفسها من أطفال معسكر الحسين (ع) والمحامي عنها العباس بن أبي طالب، أقول ربما.. ألا نحتاج أن نعزز الصور الحقيقية للمعاني السامية التي مارسها هؤلاء الأطهار مع أنفسنا وأطفالنا ومجتمعنا؟ 
 
قوة جبارة يملكها أبو الفضل في قلوب محبيه، تخيّل أن تتحول هذه القوة العظيمة في النفوس إلى سلوكيات عباسية تُمارس في المجتمع؟


1 نوفمبر 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (1) // محمد علي العلوي

 
 
يتخذ الحضور والأثر الثقافيان في المجتمعات شكلين رئيسيين، فالأول هو الامتزاج الطبيعي بين الوارد والقائم، والمُحَدِّدُ له مستوى القوة الثقافية في المجتمع، فالرجل الغربي لن يترك البنطال والقميص تأثرًا بثقافة الثوب الخليجي، كما وإنَّه باقٍ على لغته وإنْ دخل عليه مليون عربي دفعة واحدة، وعلى العكس تمامًا لو نظرنا إلى سرعة التأثر عند العربي بالثقافة الغربية، وهذا راجع -في نظري- إلى مستوى القوة الثقافية وحال القناعة عند الشعوب.


وعلى أية حال، فالغربي لا يريد للعربي لبس البنطال والقميص، ولكنَّ هذا الأخير يتأثر من تلقاء نفسه، وهو الشكل الأول للحضور والأثر الثقافي في المجتمعات، وقد أسميته: الامتزاج الطبيعي بين الوارد والقائم، وأقصد بمفردة الطبيعي انتفاء القوة القاصدة للتغير، أو فلنقل: إرادة التغيير.


وأما الشكل الثاني، فهو التغيير الثقافي المقصود، وأسميه: طغيان الوارد على القائم عن قصد وإرادة.
 
في الشكلين فإنَّ المجتمعات في حاجة إلى مراجعات ثقافية باستمرار قياسًا وبناءً على ما تمتلك من أصول وقواعد ثقافية عامة تشمل الدين والعادات والتقاليد والأعراف وما شابه، والقصد من المراجعة وتجديدها إنَّما هو للأخذ بما يوافق من الواردات وصَدِّ ما يخالف منها، إضافة إلى ما في ذلك من وقوف على القوة الثقافية للمجتمع وتقييم ما تحتاجه من تنمية ومعالجة وما نحو ذلك.


توصلتُ مؤخرًا لبعض القناعات في الشأن الثقافي وتوابعه من سلوك وفكر ومواقف، وقد وقفتُ في ذلك على ما يحتاج لمراجعات علمية جادة؛ وما لفت نظري أن للنظرية الماركسية الشيوعية -أصلًا وفروعًا- حضورٌ في عمقنا الثقافي، هذا وإنُ كان رسمُ الشُيوعية قد غاب أو (غُيِّبَ) لأسباب هدفية أو تنظيمية معينة!


وفي مرحلة من مراحل البحث اتخذتُ من بيان الحزب الشيوعي (1848م) أساسًا في مجموعة التحليلات والمقارنات، وعلى إثر ذلك أردتُ طرح ما توصلتُ إليه على القارئ الكريم، وكان التردد بين أنْ أنتظم في سلسلة مقالات ثم أُتبِعُها بنص البيان أو العكس، وبالمشاورة مع الأساتذة في مدونة ارتقاء استقر الأمر على إيراد مقدمة يليها نَصُّ بيان الحزب الشيوعي، ومن بعد ذلك تأتي المقالات تباعًا، والسبب الأصل أنْ نتجنب الإيحاءات والإلقاءات النفسية التي قد تؤثر على الذوق الفكري عند المتلقي.


هنا رابط لتحميل البيان على موقع 4shared، وأرجو من المُتَابِع قراءته بعناية ودقة، كما وينبغي عليه تتبع المفردات ومعانيها لتكون الفكرة حاضرة في ذهنه دون تشويش أو انقطاع.


بيان الحزب الشيوعي - 1848م، كارل ماركس/ فريدرك أنجلز
 
 
1 نوفمبر 2014

الحزن // أم علي

 
 
يُمارسُ بعضٌ فلسفته الخاصة اتجاه الحزن إما بالتجاهل أو الكبت أو الصراخ.. ونتفق على مقولة يعتبرها البعض أمرًا مسلمًا به ألا وهي أنه الشيء الوحيد الذي يولد كبيرًا ثم يصغر ونهمل إكمال التعريف بأنه الشيء الذي يترك ندبًا وعلامات على النفس والقلب.. الشيء الذي يعتصر الروح فلا تعود كما كانت قبل أن يمر بها. ولعل الحزن الذي يخلفه الموت هو أشد أنواع الحزن إيلامًا، وأكثرها شراسة في مهاجمة القلوب وذبحها بقسوة وبلا هوادة. ولعل بعضنا بل أكثرنا قد ذاق مرارة هذا الحزن بموت عزيز أو قريب.
الموت الذي يمثل ذروة سنام الحزن هو ذاك الشيء المحير الذي ما آتى به الله تعالي في كتابه العزيز إلا مقرونًا بالحياة، كما الليل والنهار فهو برغم قسوته ضرورة لتكون بعده حياة وهو كما ذكرنا المتسبب الأول والأهم للحزن.
 
ويتحكم في حجم الحزن الذي يعترينا بسبب الموت مدي قرب من فارقنا لقلبنا، كما أنه يحدد صورة الحزن التي تكون متعددة فنرى مَن يحزن ولا يذرف ولو دمعة واحدة، ومَن يُغرق الدنيا بالدموع ويصم الآذان بالنحيب لفراق حبيب. يقول علماء النفس إن الحزن المتفجر والذي يستطيع صاحبه أن يعبر عنه هو أيسر أنواع الحزن وأقلها تأثيرًا على القلب والنفس ذلك لأن صاحبه يستنفذ طاقة الحزن المختزنة بالتعبير عنه. أما مَن يكتم حزنه فإنه يشقى به ويعتصرة الألم وقد لا يفارقه حزنه إلا بتفجر حزن أكبر في قلبه أو بالتعبير عنه ولو بعد حين.
والحزن هو الشعور الأكثر ظهورًا في صور متعدده فهو إما حزن مرير وقاسي أو حزن يشوبه غضب أو حزن يتلبسه الشجن. والأول غالبًا ما يكون نتيجه لحدث جلل يغير حياة الإنسان وطريقة عيشه ويترك أبلغ الأثر علي نفسه. وتطول مدة معايشة هذا النوع من الحزن وتؤثر سلبًا علي من يصاب به مهما كانت قوة عزيمته وشدة شكيمته. أما النوع الثاني والذي يشوبه الغضب فهو وليد حدث عرضي ويظهر أكثر لدى أشخاص بسطاء يتعاملون مع ظاهر الحدث في الغالب، وسرعان ما ينجلي حزنهم بمجرد زوال السبب. أما النوع الثالث فهو حزن خفيف في الغالب لا يكون له سببًا محددًا، وتمر النفس البشرية به من آن لآخر خاصة الأشخاص ذوي الأنفس الرقيقة والأحاسيس المرهفة. وكثيرًا ما يُصاب به الأدباء والكتاب وهو نوع غريب من الحزن ليس له سببًا محددًا لكنه حالة من حالات الشجن تقترب من حدود الإكتئاب والانطواء علي النفس لكنها وبلا مقدمات تنفرج ويخرج منها صاحبها معافى.

والحزن كشعور إنساني مثله مثل باقي المشاعر والأحاسيس الإنسانية التي جبل عليها البشر. وكما هو الحال مع باقي المشاعر الإنسانية الأخرى فقد بين الله عز وجل وبينت السنة النبوية المطهرة سبل معالجة هذا الحزن مهما كانت صورته. فبداية نحن مطالبون بأن نكون في هذه الدنيا كالمسافر الذي استظل بظل شجرة ساعة ثم ارتحل فما يضره ما حدث في تلك الساعة وهو المسافر إلي ربه وإلي الدار الآخرة. وهو توجيه نبوي أتى علي لسان رسولنا الكريم صلي الله عليه وآله وسلم، ثم تأتي آية كريمة تبين كشف الحزن مهما بلغت درجاته (الغم وهو أقصى درجات الحزن) عن أي أنسان بمجرد قرائتها -وقد جربت هذا شخصيًا ونجحت في كشف الهم عن قلبي في كل مرة- كما جاء على لسان نبي الله يونس عليه السلام في سورة الأنبياء إذ قال تعالى:
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَٰهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
 
فعلاج الحزن مهما كان نوعه وقدره وقوة تأثيره بسيط ودرجة بساطته تتحكم فيه عوامل أهمها قوة إيمان الشخص وشدة تعلق قلبه بالله وهوان الحياة الدنيا بزينتها ومتاعها على نفسه وإدراك أنها مجرد متاع وزينة وتفاخر وتكاثر بين الخلق في الأموال والأولاد، متاع نأخذ منه بقدر ما يقيم حياتنا ويضمن لنا حظًا من السعاده والهناء وتطبيق شرع الله في إعمار الارض وتحقيق سنة الله في خلقه وتأدية ما علينا من عبادة هي في الأصل سبب خلقنا ووجودنا على الأرض.

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالانْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ (56)
فهل نوقن بعد هذا أننا قادرين على هزيمة الحزن والعيش في سلام بمنأى عنه بعدما عرفنا طريقنا لهزيمته؟
 
 
1 نوفمبر 2014

 

جرح وُلِدَ ولم يمت // أم حسين

 
 
ضمّني عندك يا جداه في هذا الضـريح
علّنــي يا جد من بلوى زماني أسـتريح
ضاق بي يا جد من فرط الأسى كل فسيح
فعسى طود الأسى يندك بين الدكّـتين
جد صفو العيش من بعدك بالأكدار شــيب
وأشاب الهم رأسي قبل اُبـان المـشيب
 
 
قلب متعب يتألم.. راضٍ عن ما مضى.. مؤمن مترقب بما سيجري عليه.. سكنت نفسه الهموم فترك العالم وتوسّد قطعة من الجنة عله يشم عبقها فيرتاح.. غفت عيناه.. استشعر قلب نبي الرحمة حسرات سبطه، أوليس هو نفسه!؟
 
 
(حسين مني وأنا من حسين)
 
 
فعلا من داخل القبر بكاءٌ ونحيب
ونداء بافتجاع يا حبيبي يا حسين
 
قلبان يتملكهما همٌ واحد وهو الحفاظ على الرسالة المحمدية.. قلب بألم مضى وقلب بألم قادم.. اندمجا فكَوَّنا قلبًا واحدًا هو قلب الإسلام.
 
 
أنت يا ريحانة القلب حقيقٌ بالبلاء
إنما الدنيا أعدت لبلاء النبلاء
لكن الماضي قليل في الذي قد أقبلا
فاتخِذ درعين من صبر وحسمٍ سابغين
 
لحظات روحانية حفّتها الملائكة، حفاظًا على صفائها وقدسيتها، فنبي الرحمة ينقل لسبطه صورة للتضحية التي سيحفظ بها الدين.
 
 
ستذوق الموت ظلمًا ظاميًا في كربلاء
وستـبقى في ثراها عافرًا مجندلا
وكأني بلئيم الأصل شمرٍ قد علا
صدرك الطاهر بالسيف يحزّ الودجين
وكأني بالأيامى من بناتي تستغيث
سغبًا تستعطف القوم وقد عزّ المغيث
 
 
كلمات لقصة تضحية حملها أرحم قلب منذ وﻻدة السبط وقد آن أوانها.
 
 
قد برى أجسامهن الضرب والسير الحثيث
بينها السجاد في الأصفاد مغلول اليدين
فبكى قرّة عين المصطفى والمرتضى
رحمةً للآل لا سخطًا لمحتوم القضاء
 
 
أبشع جريمة على مر التاريخ لأطهر خلق على وجه الأرض.
 
(سلام على آل ياسين)
 
مشاهد ملحمة حسينية أراد الله ببشاعتها إحياء الأنفس لتبحث عن الحقيقة..


جرح وُلِدَ ولم يمت


(حسين)


ستبقى ما بقي الليل والنهار.
 
 
8 محرم  1436

ما هي المعرفةُ المطلوبة؟ // محمود سهلان

 
 
 
رُوي عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنّه قال: (زوروا الإمامَ الحسين (ع) ولو كان كلُّ سنة فإنّ كلَّ من أتاه عارفًا بحقِّه غيرَ جاحد لم يكن له عوضٌ غير الجنة).
 
وعنه (ع) أنّه قال: (مَن أتى الإمامَ عارفًا بحقِّه كتبه الله في أعلى علّيين).
 
وعنه (ع) في رواية أخرى: (مَن أتى قبرَ الحسين (ع) عارفًا بحقِّه كان كمن حجّ مائة حجة مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم).


وعن أبي الحسن الرضا (ع) : (ما زارني أحدٌ من أوليائي عارفاً بحقي، إلا تشفّعت فيه يومَ القيامة).


هذه الروايات تتحدثُ عن المعرفة، معرفة الحسين (ع)، أو معرفة الإمام الرضا (ع)، أو غيرهما، وعن فضل زيارتهما وغير ذلك.
 
فما هي نوعية هذه المعرفة؟
 
بالطبعِ هي ليستْ معرفةُ الاسم ولا الهوية الشخصية، ولا متى وُلد ولا متى استشهدَ أو انتقلَ إلى جوارِ ربِّه، فكلُّ هذا لا يغير شيئًا على الأغلب، لذلك أقولُ بأنّ المعرفةَ المطلوبة، هي معرفةُ معتقداتِ هذا الشخص، وسيرته، وسلوكه، وفكره، وأخلاقه، وكلِّ ما يتعلق بحركته في المجتمع، ولكنّ هذا ليس كافٍ أيضًا إذا لم يتحولْ لسلوكٍ وعملٍ في حياتنا، فما فائدةُ ما عرفته عن هذه الشخصية إذا كنتُ لا أتّبع ما يقول وما يفعل؟ وما فائدةُ المعرفةِ إذا حُبست داخلَ الشخص دون أنْ يحوّلها لواقعٍ عملي وسلوكي؟


لا فائدةَ من هذه المعرفة ما لم تتحول لسلوكٍ في حياتنا، ما لم نجعلْ أمثالَ هؤلاءِ قدوةً لنا، فالمعرفة بصدقِ الحسين (ع) ـ مثلًا ـ ما لم أقتفِ أثره وما لم أكنْ صادقًا، ماذا سأجني حينها؟


فالإنسان يجدُ الجزاءَ على عمله، فإنْ كان خيرًا أُثيبَ عليه، وإنْ كان شرًا عُوقبَ عليه، لذلك فالمعرفة التي لا تستبع عملًا صالحًا، لا رجاءَ منها.
 
المطلوبُ منّا، هو معرفةُ مقامِ هؤلاءِ، ومنطلقاتِهم الفكرية والأخلاقية والسلوكية وما إلى ذلك، ثم مشايعتِهم واقتفاءِ آثارهم المباركة والسيرِ على هديهم، ومن هنا أقولُ بِمجردِ أنْ تُسمّى شيعيًا دونَ عملٍ لا يكفي، وقد قالَ الشهيد الثاني في متنِ اللمعةِ (الشيعةُ من شايعَ عليًا)، والمشايعةُ تعني المتابعة والاقتداء.
 
 
٥ محرم ١٤٣٦ هـ

Friday, October 24, 2014

انظر لنفسك أولًا // أم علي

 
 
* التأمل فيما حولك غاية ينبغي عليك الانغماس فيها.. كثيرة هي الأشياء التي تضيع منا في غفلة دون أن ندري.. نسير بلا إدراك وبلا تفهم لمسألة البقاء في هذه الدنيا، هي عمر وإن مر ألم.. هي الدنيا ما اسمها إلا من الدنو، ليس منا من هو في حاجة إلى الآخر إلا في مرضاة الخالق.. خلقنا لنكون عونًا على ذكر الله، والوجود في ملكوت الله حكمة، لم يصنع الشيء للعبث فلكل أداؤه غاية ولكل شمس كتاب.

* التأمل فن لا يتقنه إلا ذو بصيرة وإن كان «أعمى».. وهو في الطب مخفض لضغط الدم.. ولكل منا طريقته في تأمله في الأشياء.. انظر حولك وتبصر.. إن أردت الإحساس بطبيعة الأشياء ستسمح لنفسك بلوغ الحقائق مبكرًا.. اشعر بالاسترخاء ولو للحظة.. حاول أن تنعزل عن الآخرين.. تأمل في يومك.. ماذا فعلت؟ هل سيكون لك عليه أجرًا؟ هل هو ما سيجعلك تتفوق على نفسك وتواجه حقيقة التقصير والهروب من الواقع.. عليك قبول كل شي حولك « غثيثو الأوجه»، «المتغطرسون» كل صنف.. وإن بلغت ذلك ستصفو لك الدنيا.. انظر للأمور بميزان عدل تكن يسرًا وتهنأ نفسك.
* بكاؤك غير بكائي واسترخاؤك يختلف عما أفعله، حتى طريقة الفرح تختلف من شخص إلى آخر.. من لا يتأمل تطمس لديه الرؤية ويرى الأمور على غير حقيقتها.. اشعر بالسلام بداخلك.. اطمئن لكل من حولك، ستشعر بتغير شعورك تجاه الآخرين.. امنح الفرصة للبحث في التفاصيل.. «تأمل».. جرب ذات مره أن تجلس مع أفكارك.. ابحث عن الانسجام بين عقلك وروحك وبين الجسد الذي يسكنك قبل أن تسكنه.. رتب أولوياتك قبل الإقدام على أي أمر.. فكم من تصرف «أحمق» أسهم في جعلك دائمًا في ذيل القائمة.
* عليك استغلال طاقتك الداخلية وإن بلغت مرحلة «التوهان» والانغماس في تكذيب الذات.. اقترب من نفسك قدر الإمكان فهي لك وأمانة تحملها.. سفاسف الأفكار لوث دماغي تخلص منه.. ترفع عن المكابرة واكتشف المعاني والعبر العميقة مما تحمله في ذاتك.. هي الدنيا هكذا، سلف ودين «طقها والحقها».. لا تجعلها هي من تسير لك الأمور.. فكر في النهاية.. هي الدروس التي تمر ولا نعتبر.. اكتشف رسالتك في الحياة في أي مكان أنت فيه.. كيف تريد أن تكون؟ أأنت تعمل لصلاح حالك في الدنيا والآخرة.. تساءل ولو مرة وستجد نفسك مصدومًا بما تحمله في صدرك تجاه نفسك والآخرين.
 
 
25 أكتوبر 2014

إلى أين // ز.كاظم


قال الإمام الصادق (علية السلام):العامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق فلا تزيده سرعة السير إلا بعدًا.
 
في كل أربعاء في تمام الساعة الثامنة صباحًا نحضر اجتماعًا للإنتاجية يستغرق حوالي النصف ساعة، يتم فيه مناقشة ما تم إنتاجه خلال الشهر ومدى توافقه مع معدل المبيعات، مع طرح المشاكل التي تواجه الإنتاجية وطرق حلها. ويتم حضور مختلف الأقسام في المصنع من خدمة العملاء، والمهندسين، ومسؤول الإنتاجية، ومدير الجودة ومديرة الموارد، وغيرهم..
 
جاء مدير المصنع -الجديد في منصبه الحالي- ذات أربعاء وقد كان صارمًا حازمًا وافتتح الاجتماع بإعلانه أنه لن تتم مناقشة الإنتاجية في هذا الاجتماع، وأنه ضاق ذرعًا بانخفاض مستوى الأداء وأنه سيكون صريحًا واضحًا ولن يقبل بمثل هذا الأداء، وعلى الجميع أن يراجع أداءه وأن يتحسن وإلا.. ثم قال كلمته الأخيرة بأن على الكل أن يأتي لمكتبه يوم الجمعة ليعلن عنده أنه معه في رفع مستوى الأداء، ثم خرج بسرعة غاضبًا.
 
خيّم الصمت على الجميع بعد خروجه، فقامت مديرة الموارد بإعلان تضامنها مع المدير وأنه محقٌ في كلامه وأنها معه. وبعدها وجهت مديرة الموارد بصرها لي على أن أقول كلمة معقبّة، فقلت: ليس لدي ما أقوله. انتهى الاجتماع وخرج الجميع من الاجتماع.
 
في خروجنا من الاجتماع كان بصحبتي مسؤول الجودة، فاقترحت عليه أن نذهب لمكتبي لمناقشة هذه الحادثة. أقفلتُ الباب خلفه، وسألته عن الرسالة التي استقاها من موقف المدير. فذكر أربعة أمور، 1) تحمل المسؤولية، 2) القيادة، 3) رفع مستوى الأداء، 4) المحاسبة. قلتُ له جميل جدًا، كيف ستحقق هذه الأمور؟ فبهت المسؤول ولم يحر جوابًا.
 
لم أستغرب تصرف المدير، لكني لم أعد أؤمن بمثل هذه الأساليب الإدارية العقيمة، وذلك للأسباب التالية:
 
1. أسلوب الهزة -الذي قام به المدير- لا يفيد بتاتًا إلا مؤقتًا، فما لم يُتبع بخطوات عملية، فإنه يفقد أثره بعد فترة وجيزة، بل أنه يُفقد المدير المصداقية في هذا الأسلوب بحيث تصل القناعة عند الموظفين أنها مجرد هبة ستخفت بعد هنيئة.

2. عندما تريد من الموظفين أن يرفعوا من مستوى أدائهم فأنت بحاجة إلى ثلاثة أمور أساسية: أولًا/ إيضاح مستوى أدائهم وتقييمه، وثانيًا/ وضع هدف (أهدافٍ) لمستوى الأداء المطلوب، وثالثًا/ وضع خطة عملية للارتقاء بهم نحو الأهداف المنشودة.
 
 
3. مستوى الأداء: عندما تقول للموظفين أن مستوى أدائهم متدني، فأنت بحاجة إلى توضيح هذا التدني، فالموظف في الغالب يظن أن مستواه جيد وأنه يقوم بأقصى ما لديه في توظيف مهاراته وخبرته وعلمه في أداء مسؤوليته. لا يكفي بتاتًا أن تقول للفرد مستواك متدني، إذ لا بدّ من توضح ماهية هذا التدني، وهذا لا يتم هكذا وبصورة جماعية على الكل، بل يحتاج إلى معلومات دقيقة ومتابعة لهذا الأداء. ومثالٌ على ذلك إذا كنت تقيّم مسؤول الإنتاجية فاللازم أن توضح له أن مستوى أداءه في الإنتاج اليومي أقل من المطلوب، وأن مستوى الجودة للمنتجات رديئة بنسبة كذا، وهكذا.
 
4. وضع أهدافٍ لمستوى الأداء المطلوب: بعد أن توضح للموظف مستوى أدائه تأتي إلى الأهداف ولنواصل مثال مسؤول الإنتاجية، فتضع هدفًا للإنتاجية اليومية، وتوضح له كيف تم وضع هذا الهدف وهل هو هدف معقول أم لا، ويتم فيه مقارنة الإنتاجية إزاء الهدف المطروح، وهكذا مع الأهداف الأخرى.
 
5. وضع خطة عملية للارتقاء بهم نحو الأهداف المنشودة: وهذه أهم وأصعب خطوة، فليس فقط المطلوب منك كمدير أن تضع الأهداف وتجلس تقيّم، بل المفترض في المدير الناجح أن يرتقي بمستوى موظفيه، ويعمل على رفع مستواهم المتدني، وذلك لا يتم إلا بمعرفة معوقات تدّني الأداء، فهل هي راجعة إلى قدرات المسؤول أم خبرته أم كفاءته، أم إلى عدم كفاية أو كفاءة الآلات أو عدم وجود قوة عاملة كافية أو تدني مستواها العملي، أو أو أو.. وبعد أن يتم معرفة تلك المعوقات فعلى المدير أن يضع مع المسؤول خطة لتجاوز تلك العقبات بحيث يستطيع المسؤول أن يرفع من مستوى أدائه. وهذه بالطبع عملية صعبة وشاقة لكنها مثمرة وعملية ومنتجة.
 
 
وهناك الكثير من الأمور اللازم اتخاذها من قبيل مراقبة مستوى الأداء للموظف على فترات، واخضاعه لدورات ترفع من مستوى كفاءته. من السهل جدًا الانتقاد فهي عملية لا تحتاج إلا إلى لسان في أدنى حدودها، لكن أن ترتقي بأداء الموظفين وترفع من مستواهم فذلك ما يحتاج فيه المدير إلى أكثر من اللسان.. طبعًا لم أعلم أن أحدًا ذهب إلى مكتب المدير يوم الجمعة ليعلن تضامنه معه (ربما قام البعض بذلك) وهو تصرف غريب جدًا، ماذا يعني التضامن، تضامن على ماذا وفي ماذا وإلى ماذا!!! ومر الأسبوع الذي بعده ولم يتغيّر شيء، وتلك سقطة لا شك أنها أفقدت بعض المصداقية لهذا المدير عند موظفيه، فسواء كان موقفه (التضامن معه) سليمًا أو خاطئًا، فمتى ما لم يتابعه ويحاسب عليه، فهو لا يعدو كونه هبة ريح أزالت بعض المصداقية من هذا المدير..
 
(طبعًا عند هذا المدير الكثير من المميزات الإيجابية التي ستجعل منه مديرًا ناجحًا يومًا ما، وما ذكرته من هذا الموقف مجرد موقف سلبي في قبال الكثير من الإيجابيات التي يتمتع بها)..
 
الشاهد من هذا الموقف هو ضرورة وأهمية معرفة الهدف -الأهداف- الذي نطمح له سواء على المستوى الفردي أو المجتمعي، ومعرفة طريق السير إلى هذا الهدف، فبدون معرفته لا نعدو أن نكون مطايا لتحقيق أهداف الآخرين وعدم إحرازنا للبصيرة في السعي نحوه تزيدنا ابتعادًا عنه. من الجيد أن تعرف أين أنت، وإلى أين، وكيف الطريق إلى ذلك الأين.
 
 
25 أكتوبر 2014

كالتي نقضت غزلها // أم حنين

 

فكر، وقرر وسعى جاهدًا لترتيب الإجراءات اللازمة للذهاب إلى الحج ووفقه الله لما سعى.. ودّع أهله وأقاربه وجيرانه وأصدقاءه وطلب منهم براءة الذمة فهو ذاهب لأداء فريضة الحج ولا يريد أن يذهب وذمته محمّلة بحقوق للآخرين مهما كان نوعها.

أحرم، وقف في اليوم المشهود، يوم الاعتراف بالخطايا وغفران الذنوب ويوم تجديد العهد عند الله بوحدانيته (عن الإمام الصادق عليه السلام: "واعترف بالخطايا بعرفات، وجدّد عهدَكَ عندَ الله بوحدانِيّته".)، جمع الحصوات ليدخل في مرحلة الصراع بين الحق والباطل، ورمى الجمرات بكل ثقة فالشيطان يقف أمامه ذليلًا وحقيرًا لا حول له ولا قوة، ومن ثم ذبح الاُضحية في يوم عيد الأضحى (عن الإمام عليّ عليه السلام: "لَوْ عَلِمَ النّاس ما في الأُضْحِيَةِ لاسْتَدانُوا وَضَحُّوا، إِنَّهُ لَيُغْفَرُ لِصاحِبِ الأُضْحِيَةِ عِنْدَ أَوّلِ قَطْرَةٍ تَقْطَرُ مِنْ دَمِها")


وبدأ بحلق شعره الذي كان يتباهى به ويحافظ عليه فهو يريد أن يتخلص من كل ما هو متعلق بما قبل هذا اليوم، فيتساقط شعره على الأرض وتتساقط معه كل ذنوبه ليعود كما ولدته أمه إن شاء الله نقيًا طاهرًا.

أنهى أعماله وحَلّ من إحرامه وكأنما بذلك حَلّ من كل ما هو مرتبط بهذا الإحرام، فكما لبس الإحرام عاد ليلبس ثياب الدنيا، وكما جمع الحصوات الصغيرة الرخوة ليرجم بها الشيطان بدأ بجمع الحصوات الكبيرة والقاسية وحادة الأطراف ليرمي بها هذا وذاك، فهذا فعل وذاك لم يفعل، وهذا أخذ وذاك لم يعطِ، وهذا كذا وذاك كذا، ولم يسلم أحد من حصواته الجارحة فأصاب بها من أصاب، وجرح من جرح وأدمى من أدمى وكان كمن قال الله تعالى (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا)، ونسي أو تناسى بأن الحج ليس رحلة سياحية، أو نزهة ترفيهية، أو واجب ملزم هو بأداءه وانتهى، بل دورة تربوية ونقطة تحول يؤهل فيها الإنسان نفسه لتغيير حياته والانطلاق نحو حياة جديدة طاهرة ونقية من الذنوب.


تقبل الله أعمالكم وغفر لكم ذنوبكم وجعلنا الله وإياكم من الحجيج وليس من الضجيج كما قال الإمام الباقر صلوات الله عليه (ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج).
 
 
25 أكتوبر 2014

المدمن إنسان // أم حسين


شاب في منتصف الثلاثين من عمره، طويل، قوي البنية، أسمر اللون وابتسامته ساحره.. معه لا تستطيع أن تسيطر ضحكاتك فتنطلق عاليةً مع نكاته اللطيفة وروحه المرحة، كان يلجأ لبيتنا حين ييأس من واقع حياته كمدمن هربًا من رفاق السوء ليعتكف مع نفسه  للإقلاع عن إدمانه، وكنت خلال تلك الفترات لا أكاد أراه، فقد كان يمضي يومه بين الآلام التي تعصف بجسمه ليتخلص من السموم وبين النوم منهكًا لنفس السبب.
 
إرادته قوية حين يقرر الإقلاع، ففي كل مرة لجأ فيها إلى بيتنا ليقلع رحل عنا معافى من إدمانه..


وما أن يعود إلى بيته حتى يبدأ رفاق السوء وشياطينهم بالتفنن في أساليب دعوته للعودة معهم..


يقاوم.. بطردهم مره وبتوسلهم مرة أخرى لتركه والابتعاد عن حياته ولكنهم أبوا تركه، فرحل قبل عدة أعوام عن هذه الحياة بعد أن أمضاها بين الإقلاع والعودة من جديد لإدمانه.
 
الإدمان..
 
عرفت هيئة الصحة العالمية (سنة 1973) الاعتماد (الإدمان) بأنه حالة نفسية وأحيانًا عضوية تنتج عن تفاعل الكائن الحي مع العقار، ومن خصائصها استجابات وأنماط سلوك مختلفة تشمل دائمًا الرغبة الملحة في تعاطي العقار بصورة متصلة أو دورية للشعور بآثاره النفسية أو لتجنب الآثار المزعجة التي تنتج عن عدم توفره، وقد يدمن المتعاطي على أكثر من مادة واحدة.


يتضح علميًا إن المدمن مجرد (إنسان مريض) ومرضه جانب سيء قد تصطف معه جوانب إيجابية عديدة، وهذا المرض بالإمكان علاجه..
 
فلماذا يصر الناس على تجاهل كل إيجابيات المدمن ومحوها بسلبية واحدة في شخصيته!!؟
 
كشفت الخبيرة العلاجية د. معصومة عبد الرحيم في صحيفة الوطن المحلية بتاريخ (17 سبتمبر 2014م) عن أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية تشير إلى وجود 20 إلى30 ألف مدمن في البحرين، مشيرة إلى أن الأمراض المنتشرة عند المدمنين بشكل عام متمثلة في التهاب الكبد الوبائي 95% C، والتهاب الكبد الوبائي، 5% B، حالات HIV التي أدت إلى الإيدز 350 حالة، ازدياد حالات الإيدز من 16-20 حالة سنويًا.
 
30 ألف مدمن!!
 
حتمًا تقف خلف ذلك الرقم الضخم أسباب كثيرة وعميقة ونقف نحن كأفراد ومجتمع نواجه الرقم ذاته حاملين على أكتافنا مسئولية كبيرة اتجاهه.
 
فمن هو المدمن في حياتنا!!؟
 
عائلته والمجتمع..
 
يعيش مع عائلته يتمنى قربها واحتوائها، وهي أبعد ما يكون عن احتياجاته النفسية،  فيهرب من كلمات التقريع والتأنيب ونظرات النبذ والاشمئزاز من دائرته الأولى، ليواجه مجتمع أغلق أبوابه وأوصدها أمامه ليتركه الجميع يواجه مرضه وحيدًا.


فكيف سيصمد!!؟


لا شك في أن التعامل مع مدمن المخدرات حساس جدًا وقد يكون صعب في الغالب نظرًا لكل الظروف العضوية والنفسية التي يمر بها، فنعامله وكأنه مخلوق غريب أو جان مخيف.. وتغيب عنا حقيقة أنه إنسان سيطرت عليه نفسه الأمارة بالسوء فضعف وزلت قدمه ليسقط في حفرة الإدمان فنهرب أو نجتمع حوله وبدل إنقاذه نبدأ برجمه وكأنه شيطان رجيم.


الخطأ الفادح الذي ترتكبه العائلة أولًا وبعدها المجتمع هو الاعتقاد أن المدمن عضو فاسد ينبغي استئصاله من جسد العائلة والمجتمع، فنحكم عليه وننفذ حكمنا الظالم متناسين بذلك كل مبادئ النصح والتكاتف  للإصلاح والعلاج بدل الاستئصال، ألم يقول رسول الله (ص): 


مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى. 


فلا بد من الإيمان بوجود نسبة وإن كانت بسيطة في عودة المدمن إلى السيطرة على نفسه ولجمها ومن هذه النسبة ننطلق معه يدًا بيد لنعود به إلى جادة الصواب.


فالمدمن إنسان..

25 أكتوبر 2014

الاعتدال عند الاختلاف في الرأي // محمود سهلان

 
 
في ظلِّ الأحداث المتسارعة في البلد، ترتفع أصواتُ التخوين والتسقيط والمطالبة بالعزل الاجتماعي بشكلٍ ملفتٍ جدًا، فبات كلّ من نختلف معه في الرأي خائنًا، ولا يبحث إلا عن مصالحه الشخصية، أو الحزبية، ولا نفكّر أبدًا سوى في ذلك.


أقول أنّ علينا أنْ لا نتسرعَ في الحكم على أي فرد، حتّى لو اختلفنا معه في الرأي اختلافًا كبيرًا جدًا يصل حد التباين، فنحن لا نعرفُ منطلقات قراره الفكرية، ولا نواياه، فليسَ من العدل أنْ أسارع بعزل هذا الفرد مجتمعيًا، ووصفه بكلِّ ألقاب التخوين والتسقيط.


أين ذهبتْ كل القيم؟ أين ذهبتْ أحاديث حمل المؤمن على سبعين محمل؟ وأين ذهبتْ الدعوة إلى سبيل الله بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة؟


كل هذه المعاني صِرنا لا نكترث بها، وكأنّها لم تكنْ يومًا، وليس من الصواب أنْ نصلَ لهذه الحالة من الابتعاد عن المبادئ والقيم، حتّى مع اختلافنا كما سبقَ الكلام.
 
لا أقولُ ينبغي السكوت نهائيًا بحجة أنّها حريةٌ فكريةٌ، أو تشخيصٌ شخصي، أو ما شاكل، ولكن فلنتعامل مع الموضوع بطرقٍ أكثر وعيًا، وأكثر فاعلية، فإنّ تسقيط فلان وتخوينه لنْ يحلَّ المشكلة، وحتّى عزله اجتماعيًا كذلك، بلْ قد يزيد المشاكل بيننا، بينما نحتاج لأن نتقارب ونتوحّد على كلمةٍ سواء، تقودنا لما فيه الخير والصلاح، دون النّظر للمصلحة الشخصية والحزبية الضيقة.
 
وليسَ هناك قدوة أفضل من أمير المؤمنين (ع) عندما قدّم المصلحة العامَّة للأمّة والمجتمع، على أي مصلحةٍ أخرى، حتّى مع كونه صاحب الحق، فقال: (لأسالمنَّ ما سلمت أمورُ المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة)، فهذا الكلام وغيره من كلام الأمير، مع اختلاف الموارد، إلا أنّه يرشدنا لتغليب المصلحة العامة على أي مصلحةٍ ضيقة.


فلنَهدأ قليلًا، ونفكر ونتدبر ونتأمل كثيرًا، ونبحث عن تلك المصلحة التي تصب في مصلحة جميع الناس، دون أي تعصّب أو تعد على الغير أو ما شابه.
 
وإذا وصلنا في الختام لقرارٍ بأنّ فلانًا أخطأَ في قراره، فلنحاول معه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولنتدرج معه في محاولاتنا، دون التعدي عليه أو على غيره، ودونَ فضحه وتشويه سمعته كما يحدث أحيانًا، فالمذنب والمخطئ قد يتراجعُ ويتوب، فلا ينبغي أنْ نقطعَهُ عن التوبة، ونجعلَ خطأه وصمة عارٍ مدى الحياة.



٢٧ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ

عاشوراء بين الشعائر والطقوس // أبو مقداد

 
 
أولًا نُعرّف العنوان في مصطلح الشعائر ومصطلح الطقوس.


الشعائر: ما ندب الشرعُ إِليه، وأمر بالقيام به وفي التنزيل العزيز: الحج آية 32 (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَالله فَإنَّهَا منْ تَقْوَى القُلُوبِ) وطريقة من طرق العبادة.
الشعيرة هي مجموعة من الأفعال لها دلالة رمزية وتؤدى على فترات زمنية محددة أو في مناسبات خاصة.


الطقوس: هي طريقة العبادة العامة المألوفة التي تقوم بها مجموعة دينية طبقًا لعاداتهم وتقاليدهم المعينة.*

إذًا فالفرق بين الشعيرة والطقس الديني هو أن الأول مما أمر به الدين أو حث عليه ووجهه، والثاني هو من وضع الإنسان وابتكاره، وبالطبع حين أقول من ابتكار الإنسان فهو لا يعني الأمر السيء على الإطلاق، فهناك الكثير من الطقوس المُبتكرة، تحقق أهدافًا ونتائجًا طيبة، أو على أقل الاحتمالات لن تخلف أي ضرر من إقامتها! 


في كل عامٍ يكون موسم عاشوراء موسمٌ حيويٌّ، وزاخر بالفعاليات والإحياءات لذكرى استشهاد الإمام العظيم، الحسين بن علي عليه السلام، ويتفرّغ الكثير ويجتهد لمثل هذه الإحياءات بشتى أنواعها، وكلٌّ يُمسكُ مجاله الخاص به، الذي يتقنه ويجد نفسه فيه، فالبعض في الموكب، والبعض في الشعر، والبعض في الخطابة الحسينية، والبعض في الإطعام وغيره، والغالب يساهم في تطوير الإحياء هذا.


جميلٌ أن نبتكر ما يساهم في تطوير هذه الإحياءات، فبدل أن يقتصر الشعر على قصائد النعي في المنبر وقصائد الموكب، صارت تقام أمسيات شعرية خاصّة بالموسم، وبدل أن يكون توزيع الطعام على حب الحسين عشوائيًا، صارت تُشيّد المضائف، وصارت تُنشأ المراسمَ الحسينية التي تستعرض مواهب الرسّامين والفنانين والمصورين والمصممين في الأعمال الحسينية، والكثير من الأمور التي ابتُكِرت بهدف تطوير الإحياء. ولكن المشكلة كانت في تحويل بعض الشعائر لمجرد طقوس خاوية، وتحويل الابتكارات والطقوس لشعائر مقدسة لا يمكن انتقادها أو الحديث عنها أو حتى تصحيح مساراتها!


فقد تجد مثلًا في مسار موكبٍ مركزيٍّ كالعاصمة أكثر من 200 مضيف للإطعام، وكلّها تقدم ما لذّ وطاب من مأكولات ومشروبات، وتتنافس لتقدم الأفضل. بعض هذه المظاهر قد يُفقد الموسم الحزين روحيته وقد يتحول لأشبه بمهرجان، وقد يوحي بأن عاشوراء تُختزل في الطعام والإطعام مما يجحف حقّ الحسين فيه، هذا فضلًا عن أن الكثير من الأطعمة تُرمى في القمامة بسبب الإسراف فيها وزيادتها عن الحاجة، وحين تحاول إبداء هذا الرأي ستواجه بسيلٍ من الهجمات مفادها أن هذا مال الحسين ونصرفه للحسين والإطعام مستحب ولا تمس الشّعائر، وقد يُستشهد بمضائف العراق في طريق المشّاية وكثرتها !!!


تحوّلت هذه المضائف لشعيرة المساس بها طعنٌ في الحسين، بغض النظر عن الكثير من السلبيات المسيئة التي قد تحدث بقصدٍ أو بدون قصد، والحديث هنا ليس بقصد إنهاء هذه المضائف إنما تنظيمها بالشكل الذي يخدم شيعة الحسين، بدون إفراطٍ ولا تفريط، وبما يُحافظُ على هيبة الموسم.


المضائف كانت مثالًا لتوضيح كيف أن بعض الطقوس، تتحول لشعائر بسبب الاعتياد على ممارستها، فتعود بنتائج سلبيةٍ بسبب سوء تنفيذها.


إنّ َعاشوراء هي محطة عظيمة جدًا ونحتاج أن نعرف جيّدًا كيف نستثمرها في ما يجعل من نهضة الحسين وهجًا ينير الحياة بدون انخفات، لا أن نساهم في قتل روح هذا الموسم بهدف إحيائه، فـ على حب الحسين سنجد الطرقات ممتلئة بالنساء والفتيات اللاتي جلسن لانتظار مرور مواكب العزاء للتفرج عليها، وقد تشارك في زحمة المضائف وإن اختلطت مع الرجال -لأخذ البركة- والغريب أن هؤلاء النسوة ستجبن أيضًا بأنهن تواجدن للموكب بهذه الصورة لإحياء الشعيرة!!!


مشكلة حقيقيةٌ حين تُستغلّ قيمُ الحُسينِ في قتلِ قيم الحسين وشعائر الحسين في تشويه شعائر الحسين، فمثلًا.. لبس السوادُ في محرّم هو إظهار للحزنِ والأسى، وبيان لحرمة الشهر وعظم المصاب، بينما بعض الفتيات في الشوارع تراهم قد صبغن أظافرهن باللون الأسود من باب المواساة، متناسين أن هذه تُعتبر زينة مما لا يرضي الحسين!
 
أو أن تتحول مواكب العزاء لوجبة دسمة للصراع والاقتتال بين المواكب، فنجد الموكب الفلاني، يتعمّد أن يضر الموكب الآخر في نفس المنطقة!
أو أن تكون شعيرة ما عند فئة، تعتبرها الفئة الأخرى طقسًا محرمًا، وجبة دسمة لبث العداوات والتهجم على الآخرين في كل عام!
 
وكله على حب الحسين!
 
وهكذا يتحول الموسم بغالب تفاصيله لمجرد طقوس وعادات يمارسها الشيعة في كل عام، خالية من أي مضامينٍ تُذكر، و من المؤسف جدًّا أن يتحول عاشوراء الحسين ونهضته الإصلاحية والفكرية العظيمة التي ضحى من أجلها بكل شيء لمجرد طقوس اعتدنا عليها!


كلاب رقية:
الكثير من فعالياتنا التي تقام في هذا الموسم، تُستَنسخُ من تجارب  لدولٍ أخرى، كاستنساخ المضائف من طريق مشاية كربلاء، وبالرغم من أنه في كربلاء ضرورة وفي البحرين أحيانًا كثيرة يصل لحد الترف، إلا أننا نقول بأن لا مشكلة في أصل الاستساخ، إنما في كيفيته وتقييمه إن كان صالحًا أو فاسدًا، وإن لم يكن فاسدًا، فهل يلائم أجواء المنطقة أم لا، وما حجم الفائدة المرجوة منه.
قبل أيام استمعت لمقطع صوتي لأحد مواكب البحرين لرادودٍ بحراني، يسمون أنفسهم بـ كلاب رقية، ويقول رادودهم في لطميته: 
"لن يفهم هذا الجنون
إلا الذي اختار الحسين
تعرفه من يحجي ويقول
زحفت بين الحرمين
لا مو رياء هذا الأمر
هذا نداء وللحشر
كلب رقية وافتخر"!!
ولا أتمكن من وصف حجم الإساءة التي أشعرني بها وهو يطلق على نفسه ويردد معه جمهوره" كلب رقية وافتخر"!!!
الموكب هذا استُنسخت فكرته من تجربة ايرانية لأحد المواكب هناك ممن يطلقون على أنفسهم ذات الاسم، وها نحن تربة خصبة لاستقطاب كل صالح وفاسد من تجارب العالم، ولو تُرِكت هذه الممارسة لا أستبعد أن تتحول لاحقًا لشعيرة مقدسة الحديث عنها هو طعن في الحسين ومحاربة لشعائر الحسين!

هل يعقل أن يخرج الحسين بشعار هيهات منا الذلة الذي يعز كل من والاه، لنتحول في أخر الزمان لكلاب ابنته؟
 
أي إهانةٍ ينشرون!
 
أتمنى أن تكون هناك وقفة جادة من المعنيين، علماء ورؤساء مواكب ومسؤولي مآتم ووجهاء القرى وغيرهم من أصحاب الرأي لتنظيم هذه الشعائر وحمايتها من العبث والتشويه. من المهم جدًّا أن يكون هذا الموسم، موسمًا خاصًّا لإحياء مبادئ وقيم الحسين، لإعادة نهضته الإصلاحية، لإشعال حركته الفكرية، لتحفيز روحه الشجاعة بيننا. من المهم أن نفهم معنى أن تكون كربلاء عِبرةٌ قبلَ العَبرة.


لا أبخس حق التحركات النهضوية الرسالية التوعوية الفكرية التي تتكاثر في كل عام وتنشط، وتحاول أن تعيد لمنهج الحسين روحه، وتحافظ على اشتعاله في أرواحنا، ولكن المشكلة في أن الموجة العامة مليئة بسلبياتها، فتغطي على إيجابياتها!!


ونسأل الله أن يوفقنا لخدمته، ويُعرِّفنا بهِ وبقدرهِ كما يستحق.


"المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري الراحل.. في استقبال عاشوراء:
 
هناك من يستقبل عاشوراء ببطنه وصدره، لا يجد شيئًا في عاشوراء إلا الولائم والأطعمة، والأسمطة، والَّلطم على الصدر، دون أن يعي أو يُدرك أيُّ معنىً للذكرى غير فرصة اللقاء بالأحباب، والسهر، والجلوس في الطرقات، وهذا استقبال مرفوض."



25 أكتوبر 2014
_________________________________________________
* التعريفات من موسوعة ويكيبيديا، ومعجم المعاني.

الفضيلة .. بين الافراط والتفريط // إيمان الحبيشي

 
 

لفتت نظري مجموعة من التغريدات لأحد المدونين العرب، انتقد فيها (فريضة الجهاد) بصورتها التقليدية القائمة على ثقافة المدد الإلهي، ورغم أني أختلف معه في بضع توصيفات كتبها، إلا أن تغريداته تقاطعت في بعض جزئياتها مع أفكار كنتُ قد مررت عليها، إما عبر قراءاتي أو بين بضع مناقشات خضتها مع آخرين، منها على سبيل المثال فكرة للدكتور علي شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار تتلخص في الفقرة التالية:
 
(عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، فكيف إلى عمل آخر؟ فالاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف إلى عمل آخر ما هو إلا استحمار وإن كان عملًا مقدس أو غير مقدس)!


في اعتقادي إن فكرة ترتيب الأولويات هنا هي الفكرة التي تسيطر على منتقدي المجتمعات الإسلامية في تعاطيهم مع بعض القيم والواجبات الدينية، فالتصرف الطبيعي مثلًا لمن احترق بيته أن يحمل الماء ويستنجد بالجيران لينقذ عياله وممتلكاته، لا أن يصلي صلاة الاستسقاء حتى ينقذه الله بغيث من السماء!

أتصور أننا نحمل الكثير من القيم، بصورتها التقليدية التي تخلق منا بشرًا متواكلين وكسالى، وتُخرج من تحت أيدينا مجتمعات استهلاكية مغلوبة على أمرها، يبتزها الحاكم جهرًا والدول العظمى مواراة وسرًا.


بنظرة سريعة على المجتمعات الإسلامية ستجد أن الأسلوب السلبي في حملنا لقيم السماء هي أساس للكثير من مشكلاتنا، نحن مجتمعات مهزوزة لا تثق بقدراتها ولا بقيمها، وإلا فعلام نُمنى بالهزيمة كل حين؟! لأننا كثيرًا ما ظننا أن النصر يعني أن نحمل السيف ونتقدم، دون خطة، دون مراقبة، دون علم مادي نستثمره في دراسة مقدمات المعركة ثم أسباب النصر، ثم حين تغرقنا الهزيمة ندفع بالاتهامات تجاه قيم السماء (الي ما تجيب خبر) ثم صرنا نفتش بين دفات الشعوب المنتصرة عن قيم بديله وأنظمة أخرى غير التي منَّ الله بها علينا!


اليوم يهرب كثيرون من القيم النبيلة، لأن هناك من استخدمها بصورتها البالية الفجة، حتى أثبت لهم فشلها، وكأنها باتت مجرد فضائل أو قيم نظرية فحسب ولا تصلح للحياة الواقعية. كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم تعيش أزمة الاستغراق في الماضي، كالجماعات الإسلامية التي ربما تعيش أكذوبة أن الحق كل الحق في أن ترجع أيام الخلافة الإسلامية على الطريقة الأموية، فتسبي النساء وتقطع الرؤوس وتأكل أكباد البشر!! وكثير من المجتمعات الإسلامية تريد الانطلاق نحو مستقبل غريب لا يعرفونه ولا يعرفهم، لا يربطهم في بالإسلام رابط، فالإسلام ليس سوى مكبل للشعوب، وقاهر لها، ومحارب للعلم، متوحش يدعو لافتراس الآخر وسحقه دون رحمة!!

كثيرات كفرن بالالتزام الديني، ذلك أنهن اخترن لهن أزواجًا ملتزمين دينيًا ظاهرًا، يظنون أن الدين هو أن لا يبتسموا في وجوههن، وأن يشاوروهن ليخالفوهن، وأن يعاملوهن من منطلق أنهن ناقصات عقل ودين!! حتى إذا ما اراد لها الله أن تخرج من حلق ذلك الزواج حتى تصر على أن تتزوج بآخر لا يستمع للخطب الدينية، ولا يكترث بالمتوارث من الأقوال والعادات، حريص على الاستماع للأغاني، متدبر في برامج التلفاز، مستغرق في المقاهي، نسي الطريق للمسجد!!
 
كثيرون سئموا من مقولة (رضا الله من رضا الوالدين)، ذلك أن والدهم لم يرض عنهم يومًا، رغم أنهم أطاعوه حين قرروا أن يدرسوا تخصصًا أراده هو ولم يريدوه هم، ذلك أنهم حين تزوجوا اختاروا زوجة يريدها هو لا هم من أرادوها، ولا زالوا يعنفون صبحًا ومساء تحت ذريعة هذه العبارة وتلك، ناسين أو متناسين أن رضا الله لا يتوافق مع قهرهم وكبت حاجاتهم والتدخل بكل شؤونهم، وأن نصيب الوالدين هو البر والإحسان لا الطاعة العمياء!


كثيرون صاروا يطالبون بقوانين وضعية تلغي قوانين السماء كقانون الأحوال الشخصية، ذلك أن المحاكم الشرعية ملئى بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ذلك أن كثيرون ممن وضعوا أنفسهم تحت طائل مسؤولية الحكم بين الناس، قد فقدوا عدلهم واتجهوا نحو شهواتهم واستغلوا مطرقة سلطتهم لينفذوا رغباتهم لا عدل الله وإحسانه!

لا أدري حقًا إن كان من حقنا أن نلوم أفرادًا تمردوا على مجتمعهم الذي يكبل الفضائل، ليحولها من معناها المرن الإنساني الوادع، لسجن بغيض يحبس داخله إرادة الإنسان وحريته وسعادته التي أراد الله لها أن تحفظ، لكني أثق أننا مطالبون بتصحيح الأمور.
أنه من واجب كل فرد أن يتعرف حقًا، على دين الإسلام بصورته المحمدية الأصيلة، التي تتباهى في أروع صورها عند أهل بيت نبي الرحمة، الذين عبدوا الله حق عبادته، وأدوا إليه حقوقه، وكانوا كالبلسم الشافي يضمدون جراح الأمة التي ما هدأت جراحها منذ وفد نبي الرحمة على العلي الأعلى.


لنحفظ فضائل الصبر والحب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداراة والإحسان للوالدين وغيرهم من سندان الإفراط ومطرقة التفريط، حتى تثق الأجيال بما تحمل من ثقافة إسلامية إنسانية لا يأتي عليها الدهر أبدًا.


25 أكتوبر 2014

نظريةُ: العَبْدُ عَبْدٌ // محمد علي العلوي

 
 
تقوم أهم النظريات السياسية وأكثرها نفوذًا على واقعيةِ تَرَكُّبِ المجتمع (البشري) من طبقات عقلية وفكرية وربَّما (عِرقية) لن يتمكن أحدٌ أنْ يتخلص منها أبدًا.
 
هكذا يَدَّعون، والتنبيه هنا على أنَّ الطبقية المقصودة ليست الطبقية الاقتصادية، بل تلك التي تُحَدِّدها الثقافة في عمقها الوجودي، ولذلك قالوا:
 
لا يمكن للعبد إلا أنْ يكون عبدًا ولو وُزِّرَ ولو تُوِّجَ، وليس للملك غير الملوكية وإنْ بات على بساط الفقر، والعامل الكادح لن يكون غير عامل كادح، وهكذا هُم يتحدَّثون عن الحقيقة الثقافية المتجذرة والتي لن تتغير -بحسب زعمهم- وإنْ عرضتْ عليها ثقافاتٌ يفرِضُها التَّغَيُّرُ الظاهري للظروف.
 
في الغالب هم لا يؤمنون بإمكانية التغيير إلا على المدى البعيد، وأقله جيل (33 سنة)، ومن هنا يكون تعاملهم مع الحالة القائمة على أساس أنَّها غير قابلة للتعديل، فالسارق يبقى سارقًا والجاهل على ما هو عليه، وكذلك صاحب الخمرة والمخدرات، ومثلهم البليد والعصبي، فهؤلاء يبقون، والتغيير في جيل بعدهم أو أكثر..


أمَّا المهم عندهم فهو أنْ تكون صياغتُهم للخطة السياسية متضمنةً وبشكل أساسي على استيعاب كُلِّ طبقات المجتمع، كل طبقة بحسبها، فطبقة الصراعات والنزاعات لا بدَّ أن تُقَوَّى فيها هذه النزعة وتُوَفَّرَ لها أرضية النزاع وفق معايير وموازين معينة، منها أن يُزَجَّ فيها كُلُّ من يريدون إشغاله عن لحظة استفاقة محتملة، وأمَّا طبقة جُمَّاع المال فيلاعبونهم في الأسواق بمختلف أنواعها، ولأصحاب (الكيف) يتفنون في مَدِّهم بأصناف الخمور والمخدرات وما نحوها، وعلى نفس النسق (يُنَطِّطُونَ) السياسيين.. وقِسْ على ذلك..


فقرةٌ اعتراضية:


(إذا علقتْ سمكةُ الهامور في صنارة الصياد، فإنَّه سوف يخسرها لو أمهلها لتختبئ بين الصخور، وأمَّا إذا علق (السبيطي) فطريقته مختلفة ولن يظفر به الصياد إن لم يتقن فَنَّ ملاعبَتِه بخيط الصيد.)


لن أستطرد كثيرًا في هذا الموضوع، فهو من المواضيع التي تحتاج إلى ورقة بحثية خاصة، وإنَّمَا بدأتُ به لأنعطف مع القارئ الكريم الانعطافة التالية:
 
بحسب استقرائي الناقص وجدتُّ أنَّ أغلب الناس يعتقدون بجهالة أغلب الناس!!
 
كُلُّ واحدٍ منهم يرى حاجة الآخرين لوصاية من نوع خاص، فهم (الآخرون) عنده أولًا وأخيرًا مخدوعون.. واهمون.. مُنساقون.. همج رعاع.. تُبَّع..
 
كما وأنَّ كُلَّ واحد منهم يبني قناعاته ورؤاه على أنَّ الناس لن يتغيروا، ثم يعطي نفسه صلاحية توجيههم وحمايتهم..
 
وبحسبة بسيطة نفهم الآن كيف أنَّ الصراعات دائرة بين هذا وذاك، شخصًا كان أو حزبًا أو تيارًا، والميدان هو (الناس) الذين حُكِمَ عليهم بأنهم (لا يفهمون)!!
 
بقدر ما هو محزن فهو أيضًا مضحك؛ فكُلُّ طرف في ساحة (البشر) يريد حماية (البشر) من الأطراف (البشرية) الأخرى، ويُظهِر للجميع خوفه وصدقه وإخلاصه في دفاعه عنهم، ولكنَّني أحتمل قويًّا جلجلةَ مقولة فرعون في داخله..(أنا ربكم الأعلى)!
 
وهو في الغالب يبرر بأنَّها قناعات وليس من العيب أن يدافع (بشرٌ) عن قناعاته!!
 
نعم.. هناك عقول وُفِّقَتْ للعلم ورُزِقَتْ الحكمة، وهذا أمر طبيعي لاختلاف الظروف من شخص إلى آخر، ولكن غير الطبيعي هو أن يُصِرَّ (المثقف) ومَنْ في حُكْمِهِ على أنَّ الناس لن ترقى إلى مستواه ولن تكون يومًا قادرة على الاختيار، وهذا هو المرض الأبرز الذي يحجزنا عن التقدم لقيادة أنفسنا..
 
الإنسانُ قادرٌ على التفكير وقادرٌ على التحليل وقادرٌ على الاختيار وقادرٌ على تحمل المسؤولية، ولا يحتاج إلى أكثر من فكِّ يد التسلط التي تخنقه..
 
لِكُلِّ صاحب قناعة أن يطرح قناعته في ضمن أطر ثلاثة: الاستدلال النقي، والأدب الصفي، والخُلُق الندي. ثم فليترك الناس لتقيم وتختار، وإن زلَّتْ أو انحرفتْ أو ضلتْ فليس له أكثر من البيان ثانيةً وثالثةً وعاشرة في ضمن نفس الأطر الثلاثة المذكورة، ولا حق لأحد أن يُنَصِّبَ نفسه (حاميًا للديار)، إلا بأمر من جهة العصمة.
 
يلاحظ القارئ الكريم وجه، بل أوجه الشبه بين السياسة العالمية لدول الاستكبار في تعاملها مع الأمم والشعوب، وبين السياسات الداخلية التي يمارسها سياسيون وخطباء ومبلغون وكُتَّابُ وشعراءُ ومنشدون ومغردون مع جماهير الناس، والفرق أن أولئك يرجعون نظرياتهم إلى فلاسفتهم، وأما هنا فالدين قرآنًا وعترةً وسنةً واستنباطًا!
 
لا أطيل. والسلام.
 
25 أكتوبر 2014

Friday, October 17, 2014

لقد كنتَ // ز.كاظم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين..
 
 
أوقف تايرون مركبة الفوركلفت بعد أن مررتُ به وقلتُ له مداعبًا: أتريد أن تقتلني! فابتسم تايرون وقال: أتخاف من الموت؟ وبدون تردد قلتُ: نعم. تحدثنا قليلًا عن الموت، ومضينا كلٌ في سبيله..
 
الموت حقيقة لعلها من أوضح الحقائق التي لا يستطيع الإنسان أن يجادل فيها وقد كان الإنسان أكثر شيئًا جدلًا. تلك الحقيقة التي تغيب عن أذهاننا ولو كانت حاضرة لأعدنا النظر في الكثير من الأفكار والسلوكيات التي نقوم بها. لن أخادعك عزيزي القارئ فالموت يرعبني، ولكني أبعده عن ذهني بكل ما أوتيت من قوة.
 
أحد زملاء الدراسة الذين تعرفتُ عليهم في بداية حياتي الدراسية قد وافته المنية قبل سنة تقريبًا.. كانت وفاته صادمة.. لم يشكو من مرضٍ وحياته طبيعية جدًا.. في آخر ليلة من عمره كان يشاهد التلفاز كعادته.. أصبحت زوجته لتلقاه نائمًا نومته الأبدية. وهكذا هو الموت يجرّنا إليه الواحد تلو الآخر. ولا نزال نحاول أن نتجنب ذكره ونتغافل عنه علّه يُخطئنا..
 
تايرون -نفسه- وجالرز أمريكيان -من السود- يعملان في نفس المصنع، وكان الأول مرحًا لا يترك فرصة من متاع الدنيا إلا ويستلذ بطعمها، بينما جالرز كان هادئًا رزينًا متدينًا يرى في المسيح خلاصه.. وكنتُ دائمًا ما التمس بعض الدقائق للحديث معهما في أغلب الأيام.. ويكون الحديث في الكثير من الأحيان عن الدين والعادات والتقاليد.. كانت فكرة تعدد الزوجات تُعجب تايرون كثيرًا، ولذلك فهو دائم السؤال عن ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، لا حبًا في الدين وأهله، وإنما حبًا فيما يراه من ملذات الدنيا.. أما الخمرة وأكل الخنزير ففي شريانه يسريان.. أمّا جالرز فكان يُؤهل نفسه ويطمح لأن يصبح قسيسًا يومًا ما.. وكنتُ أقتنص الفرصة لمناوشته عقائديًا، خصوصًا لمعرفتي بطبيعة التدين الأمريكي الذي قد لا يختلف كثيرًا عن التدين العربي.. تدين الراحة والدعة والظهور.. تديّن الوجبات السريعة..

كان ذلك قبل عدة سنوات.. أما الآن، فتايرون لا يزال يعمل في المصنع، وجالرز قد ترك العمل في المصنع منذ فترة.. لاحظتُ على تايرون تغيّرًا في عقيدته، فبعد طلاقه من زوجته بسبب المشاكل التي تصاحب زواج كل أمريكي، تزوج من فتاة صغيرة العمر ومنها تغيرت نظرته للحياة وبالخصوص اتجاه الدين.. فقد أصبح يذهب للكنيسة، وهو أقرب للدين من السابق. أما جالزر، فقد ترك الدين وانهمك في السكر والعربدة.. وسبحان مغيّر الأحوال..
 
لا أظن أن أيًّا منّا بمعزل عن التغيّر، فإذا ما اهتزت القناعة واستقرت مكانها قناعة أخرى، فالتغيّر محتوم.. وكما يقول المثل البحراني "يالله خير وخاتمة خير"..
 
التغيّر الجذري السريع يحصل عند القليل من الناس، وهو عادة ما يكون بسبب صدمة شديدة تهز كيان الإنسان فتنقله من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو العكس.. لكن هذا التغيّر قليلًا ما يحدث.. أما التغيّر التدريجي، فهو الخطر الأكبر، إذ يتسلل في نفس الإنسان وعلى فترة زمنية طويلة ليرى نفسه بعد ذلك أنه تغيّر، ولا يختلف إن كان التغير إيجابيًا أو سلبيًا فهذا التغيّر ما لم يكن الإنسان ملتفتًا وواعيًا له، فخطورته كامنة..
 
السؤال: كيف يتسلل هذا التغيّر إلى ذات الإنسان ويغيّر قناعاته وفكره وسلوكياته بدون أن يشعر؟
 
كيف لا يحدث ذلك وطوفان من الأفكار والثقافات والمعلومات تنهال على الإنسان الذي لا يملك دقيقة من وقته للتفكير بسبب مشاغل الحياة ومتطلباتها؟ نعيش في زمنٍ لا يهدأ الإنسان من التوترات على جميع الأصعدة! حتى وسائل الاتصال والمعلومات التي من المفترض أن تكون أدوات للتفكير والهدوء أصبحت وسائل للتوتر والقلق واللا تفكير.. كم من رسالة تمر عليك في الواتساب لا تقرأها من كثرة تدفق الرسائل، غثها وسمينها! كم من الفيديوهات التي إن فتحتها فلا تمر ثواني إلا وتُغلقها.. أكاذيب، خزعبلات، إجرام، قتل، صرعات، صراعات مذهبية كانت أو سياسية أو جهنمية!! والقائمة تطول.. تسوق السيارة فترفع ضغطك أصوات الهرنات.. سمة الكلام الصراخ، في البيت أو في المدرسة أو الشارع!  
 
فكّر، متى آخر مرة قضيت عدة ساعات مع نفسك تفكّر في نفسك وفيما حولك؟
 
ولماذا تفكّر؟ فقناعاتك يتم تشكيلها وصياغتها لك في خضم هذه الفوضى وبكل هدوء وسلاسة..
 
ألم يحن الوقت لتحسم وتملك زمام أمرك! ألم يحن الوقت لتلك الهزة مع ذاتك! هل لا يزال الموت غائبًا أو مغيّبًا عنك!
 
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  
 
 
 
18 أكتوبر 2014
 

 

ظاهرة المسترجلات // أبو فاطمة



قضيتُ أربعة أيام تقريبًا أبحثُ في شبكة الإنترنت عن حالة المسترجلات على شبكات التواصل الاجتماعي البويه أو البويات والتي تعني المرأة التي تتشبه بالرجال.. وهي متخذة من كلمة بوي باللغة الإنجليزية ومعناه ولد باللغة العربية. هو لفظ لجأت إليه بعض الفتيات كبديل عن استخدام لفظ "المسترجلة، الجنس الرابع"، والذي معناه أن الفتيات يقمن بصرفات الرجال!
 
تفاجأت بقصص وأحداث غريبة عن عاداتنا وتقاليدنا الصحيحة، ما جعلني أبحث عن تلك الحالة المرضية التي لم أصادف أحد شخوصها في حياتي الواقعية بتاتًا، لكن تراهم كثيرًا في العالم الافتراضي الإنترنت وخصوصًا على شبكات التواصل..


هي صدف جمعتني في أحدهن عبر إحدى مجموعات برنامج اللاين الشهير.. دَخلتْ إحدى (البويات) على المجموعة، وقد ظننتُ في بادئ الأمر أنها أحد الشباب متنكر باسم بنت للضحك ولتغيير الجو المخيم في تلك المجموعة من كثرة الحديث في الشأن السياسي المحلي.. لكن تفاجأتُ بوجود نفس الاسم في أكثر من مجموعة.. تتكلم بطريقة تشعرك أنها رجل! وفي إحدى المحادثات الجماعية قامت بتهديد أحد الأعضاء بمجرد أنهما اختلفا في الرأي!
تُقلِّد الشباب في جميع الحركات بحيث أنك تشك في كونها رجلًا متنكرًا باسم بنت! تخرج من بين كلماتها بعض الكلمات اللا أخلاقية وتوصلك لنتيجة أنها غير متربية  -مع احترامي الطبيعي لكل امرأة نصادفها في الإنترنت- يقوم بعضهن باستغلال احترام المجتمع للسيدات بشكل عام عن طريق إظهار ذكورتهم (مرضهم)على الآخرين. قد يقع البعض في خطأ القبول التدريجي لتلك الحالات من باب الاحترام وأن المجتمع يحثنا على احترام النساء.. لكن القبول بهؤلاء كالمرض الذي يسري انتشاره في المجتمع. فعندما تخرج البنت من أنوثتها وعفافها وتستخدم اسم مستعار، بشكل طبيعي ستقوم بنفس التصرفات في خارج الشبكات التواصل الاجتماعي.


كثيرةٌ هي أسباب انتشار هذه الظاهرة الغريبة في المجتمع، وقليل من تلك الحالات سببها نقص في الهرمونات في مرحلة الطفولة. لكن أكثر الأسباب راجعة لعُقَدٍ اجتماعية ونفسية وأهمها هي الاسرة.


الفتاة بشكل عام تحتاج للحنان والعطف الأسري لتشعر بالأمان في محيط أسرتها، وإذا لم تشعر بذلك الأمان بشكل طبيعي ستحاول الدفاع عن نفسها بأسلوب الرجال، فلا تجد نفسها إلا بين صراعات وعنف بين أسرتها وبالخصوص بين الأب والأم..  كون الأم في حالة ضعف في أغلب الأحيان فإن ذلك يدفع بالفتاة لرفض دورها كأنثى في تلك الأسرة والمجتمع، فحرمانها من الاهتمام في الاسرة يدفعها لاتخاذ طريقة البويه لجذب الانتباه والاهتمام.
 
التصدي لتلك الحالات ورفضها  ليس كأشخاص بل كمرض مرفوض مجتمعيًا مهم جدًا وعدم القبول به في المجتمع الإسلامي واجب.


لنجعل الضرب آخر الحلول، فاستخدام القوة أو عزلهم عن المجتمع ليس علاجًا لتلك الحالات فقد تكون لتلك الأفعال مردودًا عكسيًا يدفعهن للاستمرار في حالتهن. التركيز على الوازع الديني هو في وجهة نظري أفضل وأسهل الطرق للحل مع ترسيخ حكمة الله  في خلقهم كإناث..فالذكر يبقى ذكرًا، والأنثى تبقى أنثى، بل ويجب عليها أن تفتخر بكونها تنتمي إلى الجنس الأنثوي.
 
 
18 أكتوبر 2014