Friday, July 4, 2014

أريد أن أعود // أم حسين






صرخةٌ.. قوتها الكامنة بداخلك ترهقك، مستمرة لا تهدأ تلح عليك بالعودة، فغرائزك وأعضاءك وكل ما في داخلك خلق لهدف معين يقودك لتحقيق هدف وجودك وأنت قد ضللت الطريق.
 
هل تسمع تلك الصرخة المنطلقة من أعماقك!؟
 
اهدأ..
 
وأستمع لداخلك يناديك ...(أريد أن أعود)
 
أين الطريق!!؟
 
خرائط النفس متشابكة بين سلوك سلبي وأسلوب تفكير خاطئ والتغيير للعودة يعتبر تحدي في ظل العالم المنكوس الذي نعيشه.
 
وتستمر تلك الصرخة تدوي في أعماقه حتى تعود، ومخطئ من يتهيأ له أنها اختفت، باقيةٌ هي ما بقيت، قد  يخفت صوتها أحيانًا لكثرة الضجيج بالنفس، وما أن تهدأ قليلًا حتى تسمع رنينها، ومع ذلك لا  يستطيع البعض العودة، لا لأنه لا يريد بل حاول كثيرًا وخذلته نفسه وغررت بعقله لتعود به إلى حيث تريد.. فيستسلم.
 
مكارة خادعة ماهرة..
 
لتنجح وتجرها معك عائدًا.. عليك أن تتعلم فنونًا تجعلك ماهرًا وفنانًا وتضمن لك وضع قدميك على الطريق الصحيح للعودة.
 
فعليك أولًا معرفة ما معنى التغيير وما معنى السلوك!؟
 
فالتغيير عبارة عن حالة راهنة وحالة مطلوبة.
 
وينتج السلوك من أسلوب تفكير معين تشكل بفعل تأثير خليط ممزوج من القيم والمعتقدات والمشاعر والجينات الموروثة والبيئة المحيطة بك والأشخاص الذين تتعامل معهم.
 
ماذا أريد!!؟ وكيف أعود!!؟
 
حدد هدفك، الهدف هو الحالة المطلوبة التي تريد أن تصل إليها. وليكن هدفك واضحَ المعالم، فوضوح الصورة تجعلك تدير الأمور وتوجهها إلى نقطة محددة.
 
عند تحديد الهدف ستتدخل النفس لتتلاعب بك تحت مظلة (الأنا)، لتفاديها  فكر بالكليات لا بالجزئيات.. وسِّع دائرة همومك لتشمل الآخرين، عندها فقط ستخرج من محيطها وتتجاوزها لتتلاشى من أمام عينك كل الماديات.. فعندما يكون هدفك مشروع حياة لن تتوقف وتضيع وقتك فالوقت سيكون من ذهب.
 
فمن يعيش وهو يحمل مسؤولية عظيمة حمله إياها الله سبحانه وتعالى سيعمل على تنمية عقله ونفسه على قدر شعوره بالمسؤولية.
 
 يقول الله تعالى:
((إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)) سورة الأحزاب (72)
 
يقول الإمام علي عليه أفضل الصلاة والسلام (قدر الرجل على قدر همته)
 
فكلما اتسعت دائرة همومك، كَبُرت أهدافك وكانت همتك عالية متحفزة إلى العمل.
 
وأنت تعمل لتحقيق أهدافك ستقفز الأنا من جديد بحلةٍ أخرى منمقة تجعلك صلبًا من الداخل وجامدًا من الخارج.. ستتخطاها إن جعلت أفكارك ومعتقداتك وسلوكياتك مرنة، وجعلتها قابلة للتغيير والتشكيل على إطارك المرسوم للعودة، فما الصلابة والجمود إلا فنون قتالية للأنا لتعود بك إلى حيث تريد.
 
فلتكن إيجابيًا حتى وإن غلبتك نفسك.. كُن هادئ وارجع بذاكرتك ودقق لتكتشف في أي منزلق تمكنت نفسك منك وأوقعتك.. وبعدها فكّر في أسلوب آخر للعودة. أبدًا لا تستهين بقدراتك كإنسان وكل هذا الكون مسخرٌ لخدمتك في تحقيق أهدافك.
 
فما عليك سوى الإنصات إلى كل صرخةٍ تسمعها من أعماقك فهي صرخة استنجاد لخلل يتألم منه عضوٌ أو غريزةٌ أودعها الله في داخلك وتطالبك بإيقاف الألم ومداواتها للعودة إلى الهدف الذي خلقها الله من أجله.. لَبِّي نداء العودة للهمسة قبل الصرخة، ففي العودة خيرٌ كثير.
 
1 يوليو 2014

التدخين.. بعيدًا عن الشرع // محمود سهلان



لن أتحدثَ عن الحكم الشرعي في هذه المسألة، إنما سأسردُ بعض ما جال بخاطري عن التدخين.
 
لم أسمعْ عن فوائدٍ للتدخينِ وإن وردت بعضُ الكلمات هنا أو هناك، إلا أنها ليسَتْ من الكثرة والوضوح بما يجعلُها تنتشرُ بين الناس على نطاقٍ واسع، وعلى العكسِ نجدُ التركيزَ كبيرًا على مضارِ التدخين الكثيرة، حتى وصل الأمرُ لكتابة بعض الملاحظاتِ على نفس علبِ السجائر.

فإنَّ التدخينَ يعدُ سببًا رئيسيًا لبعضِ الأمراض، وقد يكونُ السرطانُ وأمراضُ القلبِ من أهمِها، وهذا الضررُ الكبيرُ لا أتخيلُ تقبله من المدخنين في قبالِ لا شيء، أو في قبالِ فوائدٍ قد تكونُ معدومةً، فإنَّه من المؤكدِ تأثيرُ التدخينُ على المدخنين صحيًا.

وللتدخين مضارٌ اجتماعيةٌ ليسَتْ بالقليلةِ، فالمدخِّنُ تظلُ رائحةُ الدخانِ لاصقةً بجسمه وملابسه ويده وفمه، مما يؤثرُ على تعاملِهِ مع الآخرين، وبالإضافةِ لذلكَ فإنَّ ضررَ التدخينِ ليسَ محصورًا على المدخن فقط، بل يتعداهُ ليضرَ بغيرهِ ممَّنْ يكونُ جليسَهُ أو قريبًا من مجلسِهِ أو مكانَ وقوفِهِ، لحدٍ قد يتجاوزُ الضررَ الذي يصيبُ نفسَ المدخن.

من جانبٍ آخر نجدُ تكاليفَ التدخين ليستْ باليسيرة مقارنةً بالحالةِ الماديةِ لأغلبِ الناسِ، ولا نبالغُ إنْ قُلنَا أنَّها تشكلُ ما يقاربُ الـ 10 بالمئة أو أكثرَ من ميزانيةِ الكثيرِ من المدخنين، بل أنَّ بعضَهُم يضحي ببعضِ ما يحتاجُه من أشياءٍ أهمَ بكثيرٍ من أجلِ علبةِ سجائر!

يرفضُ الكثيرُ من المدخنين الحديث حتى عن فوائدِ ومضارِ التدخينِ ووضعَها في الميزان، ويقولُ البعضَ ممَّنْ يدَّعي أنَّهُ يريدُ تركَ التدخين أنه لا يملكُ الإرادةَ الكافيةَ للإقلاعِ عنه! وهذا ما لا أراهُ مقبولًا عقليًا، فإنَّ الأولَ لا يريدُ تدبرَ أمورِه ليضعَها على أحسنه، والثاني يتحدثُ عن شيءٍ غيرِ متصورٍ بالنسبةِ لي، فإنَّ إرادةَ الإنسان أقوى بكثيرٍ مِمَّا يتفضلُ بِه.

القضيةُ في رأيي تحتاجُ إلى قرارٍ يعطي فيه المُدَخِنُ للعقلِ دورَهُ فيه، بعيدًا عن الرغباتِ والنزواتِ، ولنْ أقولَ أنَّ الأمرَ سهلٌ جدًا بما أنَّني لمْ أكُن من المدخنين يومًا، لكنَّنِي أقولُ أنَّ التخلصَ من هذه العادةِ ممكنٌ جدًا، ويحتاجُ بعدَ القرارِ إلى إرادةٍ وعزيمةٍ صلبةٍ، وأنا على يقينٍ أنَّهُ مع مرورِ الأيامِ، ومع الشعورِ الجميلِ المكتسبِ مع مرورِ الأيامِ سيصبِحُ الأمرُ أسهلَ كثيرًا عمَّا كانَ عليه.

ما أرفُضُهُ هوَ القولُ بأنَّني لا أستطيعُ تركَ التدخين، خصوصًا من قِبلِ الشبابِ، لأنَّ كبارَ السنِ يصلونَ لمرحلةٍ يكونُ تركُ التدخينِ فيهَا أخطرُ على حياتِهِمْ من الاستمرارِ عليه، والأجدرُ بِهِمْ أنْ يقُولُوا أنَّنا لا نريدُ تركَ التدخين.

29 يونيه 2014
 1 رمضان 1435

 

إنسانية الحيوان // إيمان الحبيشي



كانت المرة الأولى التي أشهد فيها عملية ولادة (حيوان ما / قطة).

لم نعتد على اقتناء الحيوانات في المنزل فوالدتي حساسة تجاهها.. كما أنها حريصة جدًا على النظافة.. إلا أن أحد أشقائي أصرَّ هذه المرة على اقتناء قطة فارسية ممشوقة القوام لكنها حبلى !!

 
لم أُفكر في موضوع حملها كثيرًا لذلك تفاجأتُ ذات ظهيرة حين وجدتُها على أرض منزلنا تضع قططًا صغيرة. شعرتُ بالتقزز قليلًا ثم تحولت مشاعري للشفقة عليها.
 
تلك القطة كانت صامتة تمامًا، تعيش حالة وضع صغارها وحيدة. استمرت عملية وضعها ما يُقارب الساعة، لم تئن ولم تحتج لمن يُبعد عنها صغارها ليُحممهم أو يلفَّهم.. بإبداع إلهي مُنقطع النظير كانت تلك القطة تُمارس أُمومتها غريزيًا، ليس عبر ولادة الصغار فحسب، بل عبر تطبيب نفسها وقطع الحبل المتصل بينها وبينهم، ثم لعق صغارها وتنظيفهم ثم إرضاعهم. مَنْ أَلْهَم هذه القطة لتكون طبيبة نفسها وراعية أولئك الصغار؟!

الغريزة التي قادت تلك القطة لم تكن غريزة حيوانية متوحشة، بل كانت غريزة راقية نشترك نحن بني الإنسان معها فيها. لا زلت أشعر بالذهول كلما تذكرتُ حالة ولادتها، ورغمًا عني انتقلتُ بتفكيري للجنس البشري. تذكرتُ عددًا من الحوادث التي ألقت فيها أم بإبنها الرضيع الذي لم يتجاوز عمره ساعات وأحيانًا أيام عند باب مسجدٍ أو حتى في عمق قمامة!!!
 
تُرى أين استحالت غريزة الأمومة حين تمكَّنَت تلك المرأة من قذف طفلها بعيدًا عنها، لتُدير له ظهرها متجاهلة قسوة الحياة التي من الممكن أن يُعانيها طفل كان في ساعاته الأولى من الحياة؟!

أُدرك أنه لا يُمكن لأم أنجبت طفلًا شرعيًا أن تُلقيه في المهملات مُتخلية عنه، ذلك أنه وإضافة لغريزتها التي كانت تستعد لاستقباله دون خوف أو وجل، فإنها تعيش وضعًا اجتماعيًا ضمن مجتمع ينتظر أن ترعى تلك الأم طفلها، فيُلحق جماله بجمالها، وحسن خِصاله بحسن تربيتها، فيما تحررت تلك الأم الجانية على صغيرها من ذلك الوضع الاجتماعي.

 
إن تكرار حوادث العثور على أطفالٍ رضعٍ عند أبواب المساجد والمنازل وفي حاويات القمامة، هو مؤشر على حالة من التفسخ الأخلاقي الثقافي الذي أخشى أنه بدأ ينخر في مجتمعنا، ولا بُدَّ من وضع حلول عميقة له، وأول أوجه هذه الحلول هو أن نُضخِّم داخل نفوس الأجيال مسؤولية الإنسان نحو الإنسان، فحين تُقبل امرأة / رجل ما على إقامة علاقة ما (شرعية أو غير شرعية) فإن ذلك يعني أنهما مسؤولان مسؤولية مباشرة أمام الله وأمام طفل من المحتمل ان يُحضراه للحياة وأمام المجتمع، ولا بُدَّ أن تُطبّق الحدود الشرعية والقانونية ضد عدم احترامهما لتلك المسؤولية. إن معنى تكرار تلك الحوادث يعني أن بعضنا يعيشُ ضمن مجتمعٍ منفلت لا يستطيع فيه الأب، أو لا يقوم فيه الأب بدوره تجاه أبنائه وبناته، إلا ضمن (سمعة اجتماعية) يُحافظ عليها، دون اكتراث ببواطن تلك السمعة. إن تكرار تلك الحوادث يعني أن بيننا من لا يُدرك معنى الحدود الشرعية التي أقرها الله في دينه، ولا ينظر إليها إلا كقوانين من الممكن تجاهلها في غفلةٍ من الشارع، تمامًا كإشارة مرور حمراء، أغفلنا كاميرا التسجيل الموضوعة على رأسها، وقطعناها في غفلة من شرطي المرور والمارة، وإن عنى ذلك أن نصطدم بأحدهم ونتسبب بخسارته ماديًا وبشريًا ومعنويًا لنستمر بالسير دون أن ننظر للخلف!
 
إن مسؤولية الإنجاب لا تتوقف عند تربية الأطفال والإحسان لهم أم لا، بل إنها مسؤولية تمسّ المجتمع بأسره وقد تكفَّل الإسلام بحفظ مجتمعه من عبث العابثين.
 
29 يونيه 2014

أوصيكم بالنسيان خيرًا.. وبألم الذكريات شرًا // أم علي

 


 
"لا يجب دائمًا قلب الصفحة، أحيانًا ينبغي تمزيقها" - مالك حداد
 
مَنْ منا لم يسلم من ألم وخيبة أمل.. تعددت الآلام والحزن واحد.. مَنْ منا لم يمر في فصول حياته بحرِّ الابتلاء وخريف الكآبة وبرد الوحدة وربيع الأمل.. تتعاقب علينا الفصول الأربعة حتى ينفخ الملَك إسرافيل عليه السلام في البوق معلنًا قيام الساعة.
 
خلف كل نافذة قصةٌ.. نطلُّ على أصحابها خلسة فنرى المحزون والمكروب والمجروح، ونطلُّ عليهم من نفس النافذة يومًا آخرًا فنشهد عند البعض بداية ربيع يلي شتاءً قارسًا والبعض الآخر وقع فريسة للذكريات الأليمة، فتجرفه إلى حفرة الماضي ثم تنخر كل عضلة من عضلات جسده.. فهو كالمنتحر الذي يموت في كل وقت بالوسيلة ذاتها التي اختارها لموته في حياته، قد اختار أن يحيي الذكرى المميتة في نفسه كل ثانية ليعيشها حدثًا جديدًا!
 
الذكريات الأليمة سلاسل حديدية ثقيلة تقيدنا كي تبقينا دائمًا أسرى للماضي.. لنتوه في طرقاتها ودهاليزها فلا نعرف للنسيان طريقًا ولا للحرية سبيلًا.، فهي كسرطان المخ، إما أن يكون حميدًا تستطيع التعايش معه ولا مضرة ترجى منه أو يكون خبيثًا إن لم تكبح جماحه تفشى وانتشر في كامل الجسد، يأكله كما يأكل الدود جثث الموتى، فلا تنفعه آنذاك جلسات كيمياوية ولاعمليات استئصال.
 
متى تبصر الأعين وتصغي الآذان! متى تفطن العقول إلى أن العمر لحظة! فلتفتح القلوب أبوابها ولتعش أيامها وكأن الأمس لم يكن، وكأن عقولنا لا تستوعب سوى "اليوم" بنجاحه وإنجازه.
لنهجرَ الأطلال، ولنستقبل شمس آذار ولنشيع غروب الأتراح.. فما الحياة إلا مطبات إن لم نتجاوزها ونستفد منها هلكنا وخسرنا كل جميل من أجلنا خُلق، يقول اليابانيون: "نقع سبع مرات ونقوم ثماني".

فلا تعمر في الذكريات الحزينة وتبنيها عمارات شاهقة، فتقع عليك ذات يوم عند تعرضها لأبسط أنواع الزلازل فتهلكك.. ولا تدفنها في زاوية ما في أغوار نفسك فيأتي عليك يومًا وتنبش قبرها لتطل عليها وترثيها من جديد.. بل مزقها إربًا إربًا وانثرها في بحر الزمان العميق حيث لا رجعة إلى الماضي الغريق.
 
اخلقوا في باطن عقولكم سلة النسيان إذ بضغطة زر تلقون فيها الذكريات الأليمة الغير مرغوب فيها والتي تسبب "لود" على الهارد ديسك لعقولكم، فلتكن الدموع حدادًا على موتها وبعد الحداد انزعوا السواد وارتدوا الألوان وهرولوا إلى طرقات الأمل، فما الذكريات إلا بابًا تفتحه وتقفله خلفك إلى الأبد.
 
لا تسلِّم نفسك لشبح الظلام، حاربه بكل ما أوتيت من قوة، جاهده بالإيمان بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطئك لم يكن ليصيبك.. اشهر بوجهه ثقتك بقول الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي، فان ظننت بي خير وُجدت، وأن ظننت بي شر وُجدت"، فإن آمنت بالهلاك جاءك لا محال.. وإن آمنت بالحياة والسعادة غمرتك من كل صوب وحدب.. ولا مانع أبدًا من أن تستعين عليها بعد القرآن الذي فيه شفاء للناس بشخص يستمع إليك ويساعدك على تحويل الألم قوةً، والذكريات رمادًا والجروح ترياقًا والوقوع وقوفًا وثباتًا.
 
28 يونيه 2014

شهر رمضان ومظاهره // ز.كاظم

 
أُقدِّم لكم أسمى آيات التبريكات بقدوم شهر رمضان المبارك وأدعو الله أن يعوده علينا جميعًا ونحن إلى طاعته أقرب وعن معصيته أبعد..

هذا الشهر الكريم محطة من محطات كثيرة يقف عندها الإنسان المسلم في مراحل حياته.. يقفُ قليلًا ثم يسير ويمضي في سفره الدنيوي القصير.. قد يستلهم بعض العِبَر والعظات من هذه المحطة وقد يمضي عنها بلا فائدة تُذكر بل مجرد تذكرةٍ إن ظلّت في الذهن كذكرى..

لعل ما يميّز هذا الشهر الكريم هو تغيير النظام اليومي عند الإنسان وفي بعض الأحيان رأسًا على عقِب.. فنظام الثلاث وجبات تتغيّر مواعيدها وعددها.. ونظام المباح يصبح محرّمًا.. فالفم مغلق إلا من الهواء واليد مقيّدة عن الاعتداء واللسان مسجون عن الغيبة والكذب والبهتان، وجميع جوارحك تحت المراقبة والتقييد.. وإن كان من المفترض أن تكون جميع جوارح المسلم مهذّبة ومراقبة ومقيدة على طول الوقت، إلا أنها في شهر الله تخضع تحت التهذيب والترويض أكثر وأكثر..

وكذلك يتغير نظام السهر.. سواءٌ كان السهر على سجادات العبادة تاليًا آيات الله من قرآنه الكريم.. أو جالس على كنبات التلفزيون تشاهد حلقات ومسابقات عدُّت مِن مَنْ يرجو أن يعجبك إخراجه..

ومظاهرٌ تصحب شهر الصوم والعبادة..

من الطبيعي جدًا أن نفرح بشهر رمضان وما يصاحبه من مظاهرٍ تربينا عليها منذ الصغر.. نَحِنُّ إلى هذه المظاهر بكل قلوبنا وجوارحنا.. سواء كانت تلك المظاهر عبادات كقراءة القرآن فرادى وفي المجالس والمآتم والمساجد، صلوات في المساجد، حلقات تعليم تجويد القرآن، زيارات للأهل والأحباب، صدقات وتبرعات للسائل والمحتاج والفقير.. أو تقاليد وعادات من شراء الأطعمة وتقديمها على موائد الطعام كالهريسة والقيمات، أو مشاهدة برامج رمضانية ترفيهية على محطات التلفزيون، أو ارتياد المقاهي والأسواق والأماكن الترفيهية..

علاقةٌ حميمةٌ جميلةٌ تتكوّن عند الإنسان المسلم مع مظاهر الشهر الكريم..

ما يجب أن نفكر فيه جيدًا هو/ هل نحن نسعد ونفرح ونشتاق لمقدم الشهر الكريم أم لمظاهره!؟ خصوصًا تلك المظاهر التي هي مجرد عادات وتقاليد اجتماعية من صنيعة أيدينا وبعضها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بهذا الشهر الفضيل.. هل نسعد بموعدٍ مع ما أُعدَّ له أن يكون محطة تربوية للإنسان خلال سنته وعامه، أم نفرح بمظهر صاحب الشهر الفضيل!

ليس جُرمًا أن تستمتع بمظهرٍ من مظاهر شهر رمضان الكريم المباحة.. فأكل طبق ما له خصوصيته في هذا الشهر، أو القيام بعمل ما له طعمه ورونقه الخاص في هذا الشهر الفضيل ليس جُرمًا ولا عيبًا.. نعم.. يهش القلب ويسعد ويفرح إذا ما رأى الأجواء الرمضانية تكسو منطقته..

لكن لا يكن كل همّي هو هذه المظاهر.. بل ليكن الهمُّ هو الشهر الكريم ودوره العملي في ترويض روحي وجسدي.. ترويض أفكاري وأهدافي.. ترويض أخلاقي وسلوكياتي.. ترويض حركاتي وسكناتي.. ترويض نواياي وجوارحي..

عندما أصوم:
فلتصم يداي عن الاعتداء..
ولتصم عيناي عن النظر الحرام..
ولتصم أذناي عن سماع كل ما حرّم الله..
وليصم لساني عن الكذب والغيبة والبهتان.. 
وليصم قلبي عن حمل الكره والضغائن والأحقاد..
ولتصم روحي عن الانحدار في وحل المعاصي والآثام..

وهل الصيام إلا الصوم عن ما حرّمه الله!

4 يوليو 2014

إيران كسبت ومنتخبها خسر // محمد علي العلوي



لا يمكن إلا أن تكون مهاجمًا أو في وضعية الهجوم، وإلا فأنت مدافع شئت أم أبيت.
هذا، لأن اللا هجوم وعدم الدفاع يعني الموت لا محالة.
 
أنهت الدولة الإيرانية حربها مع العراق في ١٩٨٩م، وتركت الاحتفالات بالنصر لغيرها، أما هي فقد ركزت جهودها في أمرين:
 
الأول: صد الهجمات من أعدائها على نحو الدفاع السلبي في مباريات كرة القدم، فالمدافع وفقًا لهذه الطريقة غير ملزم إلا بإبعاد الكرة عن مرماه، ولا يُطلب منه الإعداد من الصفوف الخلفية لهجمات مضادة.
 
أما الثاني: فهو التفرغ التام لبناء صفوف علمية قوية قادرة على البناء من جهة وتشكيل الهجمات متى ما اقتضت الحاجة من جهة أخرى.
 
من تابع مباراة المنتخب الإيراني ضد المنتخب الأرجنتيني في٢١ يونيو ٢٠١٤م (الأدوار التمهيدية لبطولة كأس العالم 2014 – البرازيل) يدرك جيدًا الإحكام الدفاعي الذي كان ينتهجه الإيرانيون طوال تسعين دقيقة هي مدة الشوطين، ولكن المفاجأة أن هدف الفوز الأرجنتيني جاء في الوقت بدل الضائع لِيُذْهِب بجهود الدفاعات الإيرانية أدراج الرياح.

دافع المنتخب الإيراني كما دافعت دولتُه، ولكنه أهمل الإعداد الداخلي لخط هجوم قوي يُفَعِّلُهُ عند ساعة الصفر التي عادة ما يُطْلَبُ فيها قلب المعادلات.
 
أخطأ المنتخب الإيراني، ولا ينبغي للشعوب أن تكرر المكرّر، وكذلك لا ينبغي لها أن تهاجم مهاجمة الثور الأسباني حتى لا ينتهي بها الأمر إلى مثل الخنجر الذي يُغْرَسُ في مُخَيخِيه فيخر صريعًا ويتراقص القاتل على جثته!
 
وبالمناسبة، فالإيرانيون اتبعوا استراتيجية البناء الداخلي مرتين، ونجحوا فيهما، أما الأولى فتربية الناشئة لعقدين قبل قيام الثورة، فالثورة وإن كانت بعقول الكبار، إلا أنها بعقيدة الشباب قبل سواعدهم، ومن أولئك الشباب الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد!
 
وأما المرة الثانية فهي التي أشرنا إليها قبل قليل، وهي مرحلة ما بعد الحرب مع العراق.
ولذلك فإن إيران اليوم هي إيران الجمهورية الإسلامية التي عادت رقمًا صعبًا في المنطقة، بل وأكثر من كونها كذلك، فهي الدولة التي تمسك تمامًا بالمهم من أطراف الخيوط المحركة للحدث، وقد كان في دائرة إمكان المنتخب الإيراني تحقيق الأعاجيب في مبارياته العالمية، لو كان قد قرر المشاركة من أجل المنافسة، لا من أجل مجرد المشاركة ورفع عدد المرات التي وصل فيها إلى بطولة كأس العالم!!
 
ليس الأهم أن يقول المؤمن للظالم: أنت ظالم!

ليس الأهم أن يخرج المعارض للطاغوت في مظاهرة أو مسيرة أو ما شابه!
 
المهم والأهم أن نتعلم كيف أن العاقل الحكيم لا يُعَرِّض نفسه لمخاطر الإبادة والتصفية، وفي نفس الوقت يمارس البناء الصحيح في مراحله المدروسة حتى يظهر في الواقع قويًّا ذا شأن، وإن كان وقد أخذتنا الحماسة في بعض المفاصل، فيبقى أمر المراجعة حالة صحية.
 
29 يونيه 2014

Thursday, July 3, 2014

شهرُ رمضان .. بالنسخة الـ الديجيتال // أبو مقداد

 
 
لا يمكنُ أن أدعوكم للانحرافِ بشكلٍ مباشرٍ فأُطاع، ولا يمكنُ أن أعرضَ عليكم دينًا بديلًا فيُتَّبع، لأننا مجتمعٌ عقائديٌّ بالدرجةِ الأولى، إذْ لو أنَّ قرارًا من الجهة الرسميةِ أُصدرَ لمنعِ صلاةِ الجماعة في مساجدنا، فستثورُ الطائفةُ برمّتها لتقفَ في وجهِ هذا القرار، وتمنع تعطيلَ هذهِ الصلاة، وقد شهِدْنا حالات شبيهة حين تم هدمُ المساجدِ وحرق كتاب الله، في ٢٠١١ المنصرم، إذ أننا عقائديون منذُ الولادة، والغيرةُ الدينيةُ في دمنا لا تسمحُ لنا بتمرير المساس بثوابتنا ومقدساتنا وعقائدنا الدينية!

لكن، ماذا لو عُرضَ علينا أن نستبدلَ شهرَ رمضان المبارك، بشهرٍ آخر من أشهرِ السنة؟ أو أن نستبدلَ الصيام والقيامَ فيهِ لفعاليةٍ أُخرى أكثر رقِيًا، وتناسب عصر التكنولوجيا الحديثة؟

أترانا نقبل، أم سنقفُ في وجهها؟(حقيقةً لا أدري)

شهرُ رمضان، الموسمُ الخاص جدًا والإستثنائي بين كلِّ مسلمٍ وربَّه، في الماضي القريب -حيثُ أتذكر- كان قدومُ شهرُ رمضان يعني لنا قراءة القرآن الفردية في النهار، ثم وجبة الإفطار البسيطة، ثم التنقل بين مجالس القرآن في القرية ثم الحضورُ للإستماع للخطيب في المأتم، ثم الاستعداد لوجبة السحور والنوم. ما يُميِّز هذا الشهر هو أجواءهُ العبادية ومجالس قرآنه، بعيدًا عن الأجواء العبادية، -كما اذكر- كان يتخلل البرنامج المذكور بعض البرامج الثانوية الكاميرا الخفية، ومشاهدة مسلسل شهر رمضان أثناء تناول الفطور، وأحيانًا كنا نلعبُ في الطرقاتِ في الوقت بين مجالس القرآن والمأتم، بينما كان الآباء منشغلون بالزيارات الأهلية والمجالس.
 
هذا الموسمُ الإستثنائي يتحولُ بقدرةِ قادر من شهر الدين والعبادة، لشهر المتعةِ والدنيا، وتتحولُ كل ممارساتهِ لممارسات "دجيتال" بعيدةً عن الروحيةِ المعهودة التي اختص بها هذا الشهر، فشهرُ رمضان قد تحوَّل بالدرجةِ الأولى لشهرِ الأطعمةِ والتلفاز، وشهر الصوتيات والمرئيات، وشهرُ البرامجِ والسهرات. الجميع يجتهدُ لابتكار برامجهِ الجديدة والتي اختِيرَ شهرُ الله محطةً لبثها وانطلاقها، ففي جانبٍ سنلاحظُ المسلسلات الخليجية* والعربية وما بها من تفسُّخٍ وانحلالٍ لايليقُ نشرها في أي شهرٍ فضلاً عن نشرها في شهر العبادة، أو برامج المسابقات والانحلالِ التي تبث خصيصًا في هذا الشهر. في الجانب الآخر قد يجتهدُ معارضوا تلك المسلسلات والبرامج في صنع برامجهم ومسلسلاتهم المضادةُ لتلك، فيكتظُّ الشهرُ الكريم ببرامج ومسلسلاتٍ بعضها تحارب الأجواء الإيمانية بشكلٍ صريح، والبعضُ الآخر ربما بدون قصدٍ سيساهمُ في عزوف أو انشغال الكثير عن الأجواء الإيمانية، لمشاهدة هذا المسلسل أو الفيلم او البرنامج، وكثيرٌ منها وإن كان محترمًا إلا أنَّه خالٍ من هذه الأجواء، أو قد يعتمدُ على أجواء الكوميديا، بطريقة إسلامية فقط!!
 
أنا لا أدعو هنا لإنهاء ومحاربة تلكَ المظاهرِ الإبداعية و الفنية والترفيهية وغيرها أبدًا، بل العكس، نحن نحتاج لتفعيل وتحريك كل الطاقات والكوادر بما يخدم الدين والمذهب والطائفة، ولكن ما أدعو له هو:

أولًا: تقنين هذه الفعاليات الكثيرة، والتي يتكفل الانشغالُ بها بالقضاء على كلِّ وقتٍ متاح للعبادة.

ثانيًا: توجيهها بالطريقة التي تخدم الدينَ ومتطلبات هذا الشهر، لا أن تكون عشوائية.

ثالثًا: توزيعها طوال السنة بحيثُ لا تقتصر على شهرٍ واحد، يملأُ الفراغ بقيةُ الأشهر، وأيضًا كي لايزدحمُ شهر العبادة بهذه الأعمال .. ويطغى عليها.

رابعًا: ابتكار الفعاليات التي تحقق أهدافَ الشهرِ وفضيلته، على سبيلِ المثال فعاليتان مبتكرتان تتم إقامتهما في البحرين الأولى هي عبارة عن فعالية قضاء الصلوات الفائتة بصورة جماعية في أحد المساجد، والثانية هي فعالية صلاة الليل بصورة جماعيةٍ في أحد المساجد أيضًا!

هناك الكثير مما يمكننا فعلهُ طوال الشهر، أكثر من إنتاج الأفلام والمسابقات والفعاليات الترفيهية التي تضيع علينا وقتًا ثمينًا لا يمكننا تعويضَ أي دقيقةٍ منه، وما زال شهرُ رمضانٍ بصورتهِ التقليديةِ المتمثلةِ بقراءة كتاب الله، والاجتهاد في ختمه، أحلى وأزهى من شهرِ رمضان بنسخته "الديجيتال" هذه.
 
عودة لمقدمة المقال، فقد قمنا نحن باستبدال شهر الله تلقائيًا بمجموعةِ الفعاليات هذه، فضلًا عن أنه موسمٌ صاخبٌ لزيارةِ المقاهي، والمجمعات والأسواق، وموسمٌ غني بما لذًّ وطاب من الأطعمة، وإن كان هدفٌ من أهداف الصيام، وفلسفةٌ من فلسفاتهِ أن يستشعر الجميعُ حالَ الفقير، فقد بات الجميعُ في دورِ الملوك من شدةٍ الإسراف في موائدِ الأكلِ في شهر الصيام!

تبدّلت المفاهيم، وتغيرت الممارسات، وكما أصبحت عليه حال الكثير من الممارسات الدينية، فقد بات شهر الله مجرد شهرٍ لممارسةِ طقوسٍ خاوية، نمتنعُ فيها عن أكلنا وشربنا فقط، متناسينَ أنه شهرٌ لتهذيب النفس والارتقاءِ بها قبل كل شيء، هنا.. لا أُعمم هذه الحالة في كل المجتمع الاسلامي طبعًا، ولكنها للأسف حالةٌ جرفت معها الكثيرين.. دونَ شعور.

2 يوليو 2014
___________________________________
*حسب دراسة شاهدتها هذا العام فإنَّ مجموع المسلسلات الخليجية التي بُثَّت هذا العام هو 99 مسلسل.. ولك أيها القارئ الكريم أن تفهم الغاية وراء هذا العدد الضخم!