Friday, October 17, 2014

لا للإتكالية.. نعم للتعاون // محمود سهلان

 
 
بعض الناس اعتادوا الاتِّكالَ على غيرهم، حيثُ تجاوزت حالةُ الاتِّكالِ على الغير حدّ الإفراط، فيرمون بثقلهم على غيرهم، حتى أنّهم يجعلونها من مهامِّ الغير، فنرى البعض عاجزًا عن أن يقوم من مكانه ليشربَ الماء، بل يطلب ذلك من غيره دائمًا.


بعض الرجال على سبيل المثال، يرمون حِملَ التربية كلِّها على الأم، وكذلك حمل المنزل ومتطلباته، حتّى صارت الأمهات تُربي، وتَكنسُ، وتَغسل، وتشتري حاجياتِ المنزل، وتتابع الأولادَ بالمدارس، وتعلِّمهم، وتأخذهم من وإلى المدرسة، وقدْ يعاقبون هؤلاءِ على أيّ خللٍ أو تقصيرٍ حسب ما يرون هم، متغافلين عن أنّ هذه الأعمال ليستْ من واجبات المرأة شرعًا، لذلك فما تقدّمه هو خدمة لهم.


المثالُ السابقُ وغيره يتكرّر كثيرًا في واقعنا، فلا يكتفي أحدنا بالتراخي والكسلِ عن أداء مهامّه وأعماله، ولا بالاتكالِ والاعتمادِ على الغير، بل يتنصّل منها ويجعلها واجبةً على غيره! خصوصًا إذا وجد الطرف الآخر قد تقلّد هذه المهام، وكأنّها فعلًا مهامُّه وواجباته.


أنا لا أقول أنْ لا تتعاونوا، فهو أمرٌ جيد، ولكنْ أنْ تحمل أكثر من طاقتك، فليسَ في ذلك مصلحة، والتعاون منكَ يتطلّبُ تعاونَ الطرفِ الآخر، فلو كنتَ تستطيع أنْ ترفعَ أربعينَ كيلوغرامًا، هل يصحّ أنْ ترفعَ ستّين كيلوغرامًا؟


لا أرى ذلك أمرًا صحّيًا، فلا بدَّ أنْ أرفعَ ما تستوعبه قدرتي.
 
إذًا فالمطلوب حسبما أرى، أنْ لا نُفْرِطَ حدّ الاتّكال، بل نتعاون في حدودِ قدراتنا وطاقاتنا، بما يقودنا لبرِّ الأمان، وبما يمكّننا من أداءِ واجباتنا على أكملِ وجه، مع الحفاظِ على طاقاتنا من الخلل والمرض.
 
 
٢٢ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ

مساحة للذكريات فقط // أم علي

 
 
دع لنفسك ساعة أو مجرد برهة وقلّب دفتر ذكرياتك.. عُدْ إلى أعوام قليلة مضت، حتمًا ستجد بعض اللحظات التي تود طمسها، تمر بحلو أيامك المنصرمة تمني النفس وتتوق إليها.
ستجد الخطوات التي تقدمت من خلالها إلى الأمام والمنغصات التي غيرت طعم أيامك وجعلت ليلك ونهارك ظلامًا دامسًا.. قلّب دفتر الذكريات ستجد الدروس التي تعلمت منها والمواقف البالية والباهتة.. ستمر بالذنوب والمعاصي وبالأفعال التي ترجو منها الثواب والرحمة.


نعيش ولا غرابة في دوامة ذكرياتنا دون أن نجعل الماضي قوة تدفعنا لمعانقة المستقبل بتفاؤل وبصيرة.
ندعي الحكمة أحيانًا ونحن لا نقوى على تدبير أبسط الأشياء.. نعظم الأمور والمواقف ونعطيها أكبر من حجمها ولأننا نعجز عن التصرف حيالها نستشير القاصي والداني خاصة ممن يعتقدون أنهم العارفون ببواطن الأمور وظاهرها.
نسمعهم جيدًا وننفذ توصياتهم حتى ولو جلبت لنا الضرر المادي والمعنوي وفي حياة كل فرد منا مثل هؤلاء ممن أدخلناهم لأدق تفاصيل حياتنا دون ضغط من أحد وبكامل إرادتنا حتى أصبحوا أسوء الذكريات وأمرها.


من العقل أن تتعلم من ماضيك ومن تمام الحكمة أن تعتني بكل لحظة وتستغلها لغدك.. دع عنك كثرة التسويف قبل أن تندم على أيام حولتها إلى ذكريات بالية لا فائدة منها ولحظات مرت دون استغلال ودون منفعة تذكر. منّا من يتجرع الألم لأنه أخطأ الاختيار وأوقع نفسه في المحظور وأدخلها في حسابات معقدة وهواجس لا يستطيع التخلص منها.. بل إن الوقوع في الضيق بالنسبة لبعضنا أمرٌ يقلب عليه الطاولة ويحيله إلى الويلات حتى وإن كان هذا الضيق عثرة لا تعيق طريقه.. فأحيانًا نرى جناح البعوضة بحجم الفيل المتمرد ونغير ألوان الأشياء بلا وعي.
 
نعجز عن تبرير بعض القرارات التي نتخذها بمزاجية، نخشى من تكرار التجارب الفاشلة إذ نستعيد الآلام دون أن نعي أن خوضها للمرة الثانية لن يكون بذات الأسلوب والتصرف متى ما قررنا الإقدام عليها بتأن وتعامل مع الموقف بعين العناية والاهتمام. أخطاؤنا دروس لا تقدر بثمن وكم من التجارب أعيدت بعد فشلها وأثمرت متغيرات ساهمت في إثراء حياتنا بالكثير من الآمال والطموحات.. فالعبرة في اتخاذ القرار الصائب ومسايرة الأمور خطوة بخطوة وصولًا إلى الأهداف التي نرجوها. تعثر الخطوات أمر من طبيعة الحياة وسنتها فكلنا نخطئ لنتعلم من أخطائنا.


الذكريات مخزون لا بد من اللجوء إليه ووقود لمواجهة الحياة وصعوباتها حتى تتغذى أرواحنا وننهل من تجاربنا مهما كانت ومهما كان حجم فشلنا فيها.. ومن تجارب غيرنا نستطيع الاستعانة بما يعيننا على مصاعبنا وهمومنا المتكررة والأهم من ذلك أن نسجل في صفحات أيامنا ما يشفع لنا أمام الخالق البارئ ويسهم في رقي حياتنا ودفع عجلتها للدوران. صونوا ذكرياتكم وعودوا إليها بين فترة وأخرى. لا تخجلوا من سيئها وأسودها وأبيضها فالدنيا ساحة للتجارب والذكريات.
 
جنبني الله وجنبكم كل مكروه وجعل ذكرياتنا بردًا وسلامًا علينا جميعًا.
 
 
18 أكتوبر 2014

عيدُ الغدير.. وفشل النظام الدّيمقراطي // أبو مقداد

 
 
حادثة الغدير الشهيرة، والتي شهدها -كما يذكرُ المؤرخون- أكثر من مئة ألف رجلٍ مسلم، وجميعهم سمعوا وصيّة النبي التي أكملَ بها دينهم، "من كنت مولاه.. فهذا عليٌّ مولاه" سمعها جميعهم، وكانت الرسالة واضحة جدًّا مفادها، أني أنا محمدٌ رسول الله مولاكم، لم يتم اختياري من قبلكم بل تنصَّبتُ رسولًا عليكم من إرادة ومشيئة الله، وأنا الذي لا أنطقُ عن الهوى أنقل لكم إرادة ومشيئة السماء مرةً أخرى بتنصيب عليّ ابن أبي طالبٍ مولىً لكم، تبايعوه وتوالوه.


ولما استشهد نبيّ الرحمة محمدٍ صلى الله عليه وآله، وأثناء انشغال الإمام علي عليه السلام بتجهيزه للدفن، كانت مؤامرةُ السقيفة التي نسفت وصية النبي وضربت بها عرض الحائط، ولم تعترف بتنصيب النبي ولا بتعيين السماء للخليفة بعد النبي. فترشّح للانتخابات آنذاك جمعٌ من زعامات قريش، من بينهم عبدالله بن أبي قحافة المعروف بأبي بكر. وأجمع المسلمون تقريبًا على انتخابه والتصويت له، فأصبح الخليفة على المسلمين، وعُطّلت بطريقة ما إرادة السماء!
 
نظريًا، فإن فوز الخليفة الأول هو فوزٌ ديمقراطيّ، حيث أنه نال النسبة الأكبر من الأصوات آنذاك، ومن يحصل على أكبر نسبة تصويت يكون الفائز بين المترشحين، بغض النظر عن رأي الأقلية وبغض النظر عن الكفاءة وعن كل الإعتبارات، ومن بقي مع الخليفة الحقيقي المُنَصّب من السماء علي بن أبي طالبٍ، لم يتجاوز الأربعة من أصحابه، مع أهل بيته. لذلك فديمقراطيًّا، الإمام علي لايستحق الخلافة فضلًا عن أن عليًّا لم يترشّح لانتخاباتهم وشوراهم أصلًا!
 
والغريب في الأمر أن انتخابات السقيفة التي نزعت حقّ الإمامة من صاحبها أبي الحسن، هي ذاتها من اختفت حين انتقلت الخلافة للخلفاء اللاحقين.. مما يجعلنا في حيرةٍ استنكاريةٍ أصلًا.. هل الشورى هي الأجدى؟ أم أنها كانت حجّة لنزع الحق من صاحبه وحرف مسار الولاية التي أرادها الله؟
 
ما أفهمه واستنتجهُ من هذه المعادلات جميعها، أن الديمقراطية فكرة دخيلة على الإسلام، تم اقحامها في النظام الإسلامي لحرفِ مساره عن المسار الصحيح الذي أرادهُ الله له، والتعويض عنه بنظام البشر القاصر، وما الديمقراطية إلا تمرّد البشرية على حكم الله، واللجوء لحكم أنفسهم بأنفسهم.


لا يعني ما أقولهُ بأن الانتخابات مبدأ مرفوض من أساسه، ولكن له قواعده ومبتنياته وفق الشريعة الإسلامية، وحسب التنزلات اللازمة التي يقررها فقهاء المذهب.


هناك إشكالٌ قد يُثار، إذا كانت الديمقراطية غير إسلامية، فالإسلام غير ديمقراطي، فهل الإسلام دكتاتوري؟
أقول: صحيح بأن الدكتاتورية هي النقيض للديمقراطية، ولكن المغالطةُ تقع في حصر الأنظمة الممكنة بين الديمقراطية والدكتاتورية، فأنت إن لم تختَر الديمقراطية كخيارٍ لك، فأنت دكتاتوريٌ بشكلٍ تلقائي حسب تصنيفهم، والصحيح، أنه كما أن هناك نظامًا ديمقراطيًّا، نحنُ المسلمون نملك نظامًا إسلاميّا جئنا بها من السماء منحة من الله إلينا، فالمسألة أولًا ليست حصرًا، وثانيًا أن مروجي الديمقراطية هم أنفسهم صُنّاع الدكتاتوريات لترويج خيارهم الأول وإيضاح أفضليته. ولو عدنا للخلافة، سنجدُ أن الديمقراطية التي نادى بها الأولون، هي من صنعت الدكتاتوريات التي تعاقب في حملها الحكم الإسلامي، ولأننا - الشيعة - تحررنا في البدء من الديمقراطيات الدخيلة على الإسلام، لذلك فإن حكم الشيعة في أي بقعة في الأرض وفي أي زمان فلن يلجؤوا للدكتاتورية أو الديمقراطية، فالنظام الإسلامي هو خيارنا وهو جديرٌ بتنظيم وقيادة الحياة بأكملها.


هناك مخطط شرسٌ إعلاميّ قديم، في إظهار أن حكم الأديان فاشل دكتاتوري مستبد، كإقصاء الكنائس من حكم أوربا، وتمكين السعودية من البطش والجبروت، وغيرها من الأمثلة على مر التاريخ، وهذا كله للترويج لخيارهم الذي هم لم يلتزموا به أصلًا! 
 
والجدير بالذكر، أنّ فشلَ أحدٍ ما في تطبيق نظريةٍ ما، لا يعني أبدًا فشل النظرية، إنما قُصورٌ من مُطبّقيها!
ولو جئنا لتطبيق دولة أمير المؤمنين اليوم، سنواجه إشكالية كبيرة بسبب اختلاف الظرف الزمكاني، لذلك فهناك أنواعٌ عدّة من الأنظمة الإسلامية، التي بإمكانها حكم البلدان، دون اللجوء لخيارات الديمقراطيين!

إذًا.. فالديمقراطية هذه هي من حاربت خطبة الغدير وتفاصيلها، وهي من ضربت الإسلام في عمقهِ وحرفتهُ عن مساره.. منذ يوم السقيفة لليوم.. فهل يمكن أن تكون الديمقراطية هي الخيار المُنقذُ للشعوب؟
 
 
18 أكتوبر 2014

(إنْ شاءَ اللهُ) و(عورةُ بن العَاصِ)مُناقَشَةٌ لِجانِبٍ مِنْ مقالِ الأُسْتَاذة إيمان الحُبَيشي // محمد علي العلوي



• مُقَدِّمَةٌ عَامَّةٌ:
 
عندما نُقَرِّرُ الارتباط الوثيق بين إطلاق الرؤى والأفكار وبين التصحيح والتقدم في المجتمع، فإنَّنا حينها نُقَرِّرُ أمرًا آخرَ وهو مطالبة كلِّ ذي فكرة ورؤية بطرح ما يحمل وتحويل ملكيته إلى العقول بغرض النقد والتصحيح والبلورة، وهذه مرحلة تأسيسية من مراحل التحولات الثقافية والفكرية المُطَّرِدة في المجتمعات، وهي إمَّا إلى تقدم وإلَّا فإلى تردٍّ، وما يُتَخَيَّلُ بينًا هو في الواقع من النوع الثاني؛ إذ أنَّ التوقُّفَ عن التقدم، هو في الواقع تراجع بالقياس إلى حركة الزمن التي من المفترض أن يملأها العاقل بالتصحيحات والتقدم الإيجابي باستمرار.
 
وبالبناء على ما مرَّ، فإنَّ المناقشة لفكرةٍ أو أسلوبٍ أو ما شابه، لا ينبغي أن تكون لغير غاية واحدة، هي التصحيح والتكامل بأدوات طلب الصواب.
 
• مُقَدِّمَةٌ خَاصَّةٌ:
 
كتَبَتْ الأستاذة إيمان الحبيشي مقالًا بعنوان: (حَمَلاتُ النصبِ.. ووعاظُ السلاطين)، تناولتْ فيه مظاهر أو أخلاقيات وسلوكيات سلبية (خطيرة) من بعض حملات الحج، وما تركته تلك المظاهر أو الأخلاقيات والسلوكيات من ردَّاتِ فِعل أسفرتْ عن حالةٍ مِنَ الاستياء سادت من وقع عليهم (الظلم).
 
في تصوري أن من حَقِّ الكاتبة على أصحاب الحملات من جهة، وعلى الحُجَّاج من جهة أخرى، وكذلك من حقِّ أصحاب الحملات والحجَّاج، وأيضًا من حقِّ المجتمع تعريض المقال لمناقشة مبسوطة، الغرض منها تصحيح الأوضاع بمعالجة الخلل أينما كان، وهذا يحتاج إلى صدور واسعة ولين عريكة وسعة أفق مع ابتسامة جادَّة مستمرة.
 
في هذه السطور لا أتعرض لمناقشة موضوع المقال، فهذا يحتاج إلى اطِّلاعٍ وتتبع، أفتقر إليهما، ولكنني أردتُ التعرض لجانب من جوانب الأسلوب الدلالي الذي ظهر في عبارات الكاتبة في غير مكان من المقال.
 
إنَّ للمكون الدلالي أهمية بالغة، فهو المتكفل بنقل القارئ أو المستمع إلى المعنى المطلوب للكاتب أو المتحدث، ولذلك قيل بحجية الظهور، وتعني حجية الظاهر من المعنى في اللفظ المستعمل، وفي نفس هذا الموضوع يبحث السياق والحال لدخالتهما في نفس الظهور.
 
ما لاحظته أنَّ الكاتبة اعتمدتْ أسلوبًا يحتاج –في نظري- إلى مراجعة، وأذكر مسألتين:
 
- مسألة المقابلة:
 
وأدخل من خلال المثال التالي:
 
قالوا: سَمِعَ أوربي من أحد العرب كلمة (إن شاء الله) رَدًّا على أمر كان يطلبه منه، فقال: أرجو أن لا تكون (إن شاء الله) كلمة تتوارى خلفها للهروب من الوفاء بالعهد.
 
يبدو إن كلمة (إن شاء الله) تحولت من دلالتها على المعنى السامي الذي من المفترض أن تنقل السامع إليه، إلى معنى آخر أقرب ما يكون إلى سلوك التهرب والتملص.
 
أقول: في هذا المثال وُضِعَ التزام الأوربي في قبال (إن شاء الله) المسلم، ومقتضى المقابلة خطير كما هو واضح، في حين أن ما ينبغي التركيز عليه هو جعل (إن شاء الله) مقياسًا لمدى التزام القائل، فهي ثابتة وهو المتحرك في إطارها، وبالتالي فالإساءة تلحق له لا بالدال؛ فهو الذي استعمل اللفظ في غير معناه، بل استعمله استعمال المُستَغل!
 
ما يؤسف إليه هو أن لفظ (إن شاء الله) أصبح ذا دلالة عند البعض على عدم جِدِّية القائل، والسبب -في نظري- هو إفساح المجال أمام تلك المقابلة الظالمة.
 
قالت الأستاذة إيمان الحبيشي في مقالها المشار إليه: "لم يكن الأغرب هو تعرض الحجاج للنصب والإهمال بل والتلاعب بالأرواح مقابل ربح كان يفكر فيه أصحاب تلك الحملة.. بل وجدتُ الأغرب من ذلك هو إصرار البعض على (غفر) ذنب أصحاب الحملة، وخفض الأصوات المطالبة بمحاسبتهم بل والامتناع تمامًا عن التلويح حتى بتقديم شكوى رسمية ضدهم (حتى لا يتم قطع أرزاقهم)، وهذا البعض متضرر تمامًا ومستاء جدًا مما حصل!!
 
كان الحديث عن الصبر على البلاء كعبة يطوف بها البعض حتى تُقبل حجتهم وترتفع لبارئهم.. وكان (النصب والاحتيال واللعب بأرواح الناس) سيئة من الضروري أن تقابل بحسنة!
 
أما المعروف الوحيد الذي يجب أن يدفع باتجاهه فهو (الصبر) والمنكر الوحيد الذي وجب دفعه كان (الجدال)!!"
 
ملاحظة مهمة: (مناقشتي لظاهر المكون الدلالي، ولا علاقة للأمر بنية الكاتبة وما تحمل من مقاصد؛ فالواسطة هي اللفظ والمركب، ولا نملك في المقام غيرها).
 
ما فهِمتُه هو أن الكاتبة تقابل بين مبدأ (تحصيل الحقوق) وبين مقاصد (العفو والصبر)، وهذه مقابلة خطيرة لا ينبغي تجاوزها، خصوصًا إنَّه ليس من الخافي ما تبعث عليه المنظومة الإسلامية من ممارسة العفو والصبر وما نحوهما من فضائل إلى نهاية الخط.
ولكنَّ الذي يحتاج إلى بيان هنا، هو إن مثل (العفو والصبر) لا يتعارض على الإطلاق مع مبدأ (أخذ الحقوق)، بل وفي مواطن تاريخية متعددة كانا من الأسباب الرئيسية لتحصيل الحقوق.
 
نحن هنا وفي ما يخص موضوع المقال أمام مسلكين:
الأول: أن تتحرك الكاتبة ومن يتفق معها في الرؤية على مشروع مركز لتصحيح ثقافة الآخرين حول فضيلتي (الصبر والعفو)، وبيان اتساقهما تمامًا مع مبدأ (أخذ الحقوق).
وفي حال أن الآخرين لم يقتنعوا بما تحمله الكاتبة ومن يتفق معها، فـ:
 
الثاني: أن تتحرك الكاتبة ومن يتفق معها على ما يرون من سبل لتحصيل حقوقهم أو تصحيح الأوضاع حتى لا يقع غيرهم في ما وقعوا فيه، وطالما أنَّ هناك من لا يرى ما يرون، فليس من الصحيح -في نظري- إقحام مسألتي (العفو والصبر) في المقال إلا استطرادًا ومن باب تصحيح المفهوم مع المحافظة التامة على محلِّ قناعات الآخرين الذين لم يقع اختيارهم على ما يوافق الكاتبة ومن يتفق معها.
 
وقد نتمكن من اتخاذ موضوع (العفو والصبر) إدانة شديدة للطرف الآخر؛ إذ أنَّ المتعدي الذي يجد الفضائل العالية من الذي يتعدى عليه، من المفترض أن يخجل من نفسه ويتوب عن ذنبه، خصوصًا إذا كان مواليًا شيعيًا مؤمنًا.
 
ولكنَّ الذي ظهر من الكاتبة إدانة لأهل العفو والصبر وتحميلهم مسؤولية التمادي في تعديات المتعدين، ولم تتمكن الكاتبة -كما أرى- من معالجة هذا التوجيه عندما قالت: "أعرف تمامًا كيف كانت نوايا هؤلاء بيضاء كقلوبهم النقية"، كما وأن ذكرها لقانون (القصاص) في الإسلام لم يكن في محلِّه؛ فمن يعمل تحت عناوين الصبر والعفو لا يُنكِر (القصاص). فتأمل.
 
أرى أن الكاتبة مصرة -كما يظهر- على حصر خيارات الحل في ما تحمل من قناعات.
 
خلاصة الرسالة التي أريد توجيهها:
 
كان من الممكن جِدًّا أن تُحدِثَ الكاتبة موجة إيجابية من رد الفعل العام بما يساهم في حل المشكلة، ويكون طريقها في ذلك مكونات دلالية أكثر توازنًا في مخاطبة التوجهات الأخرى التي تشترك معها في المعاناة.
 
وعلينا في الغالب تجنب الدوال الحاسمة من قبيل: مستحيل.. لا يمكن.. كل.. كافة.. وما نحو ذلك، إلا بالبناء على دراسات واستقراءات مستقيمة صحيحة.
 
- مسألةُ غائية العلاج:
 
وهنا مثال تاريخي:
 
كان من الممكن أن يقضي أمير المؤمنين (عليه السلام) على رأسٍ من رؤوس الفتنة بضربة سيف حاسمة، ولكنَّ الرأس وهو عمرو بن العاص كشف عن عورته القبيحة فعدل الإمام علي (عليه السلام) عن قتله صيانةً للقيم والفضائل.
 
فالراجح -كما هو واضح- تقديم القيمة والفضيلة على حل ورفع ما قد يكون سببًا في معاناة الناس، وهذا مُتَكَرر في سيرة المعصومين (عليهم السلام).
 
قد يكون مقال الأستاذة إيمان الحبيشي من المقالات التي لاقت انتشارًا واسعًا بين الناس، ولا يبعُدُ أبدًا أن يكون طريقًا لحل مشكلة طالما عانى منها الناس، وهذا شبيه بسيف أمير المؤمنين (عليه السلام) لو وقع على هامة بن العاص، ولكن التأسيس حينها سوف يكون إلى تجاوز رذيلة الاستقواء على الهارب الناشر في طريقة هروبه لكثير من العناوين المُسقِطة للفضيلة والمروءة، وهذا -كما مرَّ- يعارض ما يريد الثقلان التأسيس له من فضائل وقيم.
 
وأما هنا فحل المشكل من المتعدي خوفًا من الفضح ليس حلًّا في الواقع، بل ربما يُولِّدُ ذاك الخوف ردود أفعال أكثر التواء من المقدمات التي أدت إلى معاناة الحجاج من بعض الحملات كما أشارت الكاتبة في مقالها.
 
ومن جهة أخرى فإنَّ الانتهاء إلى حلول ظاهرة وبهذا الطريق من (شِبْهِ الفضح) من شأنه أن يؤسسَهُ منهجًا وطريقًا قد يكون أقصر من غيره!
وهذا ما يؤسس الكتاب والعترة لخلافه.
 
وما أفهمه من منظومة الثقلين المُقدَّسين ضيق وانحصار التصعيد العِقابي في موارد محددة بدقة وبرعاية خاصة تُجَنِّبُ المجتمع الخطأ في التقديرات ذات البال.
 
الخاتمة:
 
أتفق تمامًا مع لابُدِّيَةِ إيجاد حلول حقيقية للموضوع الذي تفضلت الأستاذة إيمان الحبيشي بطرحه في مقالها المشار إليه، ولكنني أقترح الوقوف على والانطلاق من مناهج وأساليب تحقق المراعاة الواضحة لمختلف أطراف المعادلة، فإنَّه ليس من الصحيح أن نعالج جانبًا بعلاج يؤسس إلى سلبيات في جوانب أخرى، والمفاضلة مفاضلة نوعية كيفية، لا كمِّية.
 
 
18 أكتوبر 2014

في موسم الحج: الأطفال الحلقة الأضعف // إيمان الحبيشي




في بقعة هي من أطهر البقاع، وعلى أرض فجّرها الله إكرامًا لطفل، هو النبي إسماعيل عليه السلام، وتروية لحاجته الملحة بالماء، ورأفة بعاطفة الأمومة التي أجبرت هاجر أن تسعى سبعًا بين جبلين، متوكلة على الله راجية أن يحفظ لها فلذة كبدها..

ستجد هناك على ذات الأرض، بينما تمارس مناسك هاجر، وبينما تستذكر الأمومة والرحمة، والطفولة واللطف الالهي، ستجد أن الطفولة هناك يتم استغلالها بكل قسوة.. ستجد أن عاطفة الأمومة ليست سوى سلاحًا لاستدرار عطف الحجاج، الذين أمَّوا تلك البقاع من كل واد.. وستجد أن السعي مهملٌ تمامًا ولا يتجاوز كونه مجرد طقس، عند من اختار أن يجتذب الأموال، عبر استعطاف الآخرين ببكاء الأطفال، بجوعهم ودموعهم وأحيانًا باستعراض بتر أعضاءهم! 



أذهلني كثيرًا أن أجد على قارعة الطريق، أمهات بعز شبابهن أحيانًا، يصطففن على امتداد صحراء منى، وبشكل أكثر تحديدًا عند منطقة رمي الجمرات، مستعرضات أطفالهن من مختلف الأعمار، بينما يبكون بحرقة تحت لهيب شمس منى الحارة، طمعًا في بعض الريالات!

لم أتمكن من التركيز كثيرًا في تلك المناسك، بينما أرى أطفالًا بعضهم لم يتجاوز السابعة من عمره، وهو يكشف عن كتفه المنزوع منه ذراعه ويمد اليد الأخرى لاستلام الأموال!
إحدى الأمهات كانت تضع طفلتها المنهكة، ذات الثلاث سنوات ربما، جالسة تمامًا أمامها، بينما يقع رأسها كل ثانية على كتفها حين يغلبها النوم.. طلبتُ من الأم أن تضع ابنتها في وضعية الاستلقاء إلا أنها رمقتني بنظرة غاضبة وأشارت عليّ بيدها أن (ابتعدي)!

هل من الغريب أن تستغل أمهات أطفالهن بهذه الصورة؟ هل من الغريب أن تتجمد عاطفة الأمومة عندهن لدرجة أن يقبلن بترك أبنائهن الرضع، تحت لهيب الشمس لاجتذاب المال؟

ربما تنتفي غرابة ذلك حين نفكر كيف من الممكن أن يغير الفقر نفس الإنسان، وكيف يضطره لمخالفة إنسانيته التي جُبل عليها، لكن هل تنتفي غرابة أن يكون ذلك الاستغلال تحت مرأى ورعاية دولة -إسلامية- بحجم السعودية وفي موسم الحج! موسم المساواة!



أحد الشباب المرافقين لنا بالحملة أخبرني حين رأى شدة ذهولي، بأن هؤلاء (جماعات أفريقية) يمتهنون التسول، يحضرون كل عام في موسم الحج ثم يمتنعون عن العودة لبلدهم، وأنهم يتعمدون كثرة الإنجاب زيادة في الأيدي المتسولة، ومن أجل استدرار العطف يقطعون أيديهم، أو يتظاهرون بقطع أرجلهم.. واستدل على ذلك بما شاهده في إحدى الدول الآسيوية أيضًا!

هي مؤسسة لها إدارييها وعمَّالها الذين يتاجرون بالإنسانية!

كنا كحجَّاج نُمنع من التجمع عند الاسطوانات البعيدة عن الرمي لإعادة جمع أنفسنا من قبل العسكر، بينما يفترش أولئك الأطفال مع أمهاتهم أرض منى، وفي عمق الازدحام الذي يضطر له الحجاج لتأدية مناسكهم!

كنت أستغرب بشدة لماذا نُمنع بينما يُترك المتسولون؟! والطبيعي أن يبعد هؤلاء عن الازدحام الخانق بأرض منى، الأمر الذي وجدت فيه رعاية لاستغلال الأطفال من قبل الدولة، وإلا فمن واجب السعودية ومن تزعم أنها أكبر دولة إسلامية، والتي تحصد الكثير الكثير من أموال المسلمين على امتداد العام أثناء زيارتهم للأراضي المقدسة، أن ترعى هذه الفئة وأن تستنقذهم من الجهل والفقر واستغلال الطماعين.

هل يعقل أن تعجز السعودية، عن فتح قنوات مع بلد هؤلاء المتسولين، لمتابعة أحوالهم وإعادتهم لبلدهم، بعد تأهيلهم إنسانيًا وعلميًا ليمارسوا التغيير في مجتمعهم؟ هل يعقل أن تغفل السعودية أو تعجز عن فتح مراكز تعليمية واجتماعية ترعى هؤلاء، وأن تقدم مساعدات مالية لبلدهم إن كان يعاني الفقر ليتمكن من احتضان أبنائه وتغيير وضعه الفكري والاجتماعي والعلمي والاقتصادي، الامر الذي بدوره سيخدم المجتمع الإسلامي عامة!

لا أدري لمَ استقر بقلبي شعور تعمّد بعدم مساعدة هذه الفئات، إذ أن مساعدتهم تعني تطوير الإنسان فكريًا وإنسانيًا، وهو حتمًا ما لا تسعى إليه بلدة تُصدِّر الإرهاب والتكفير، وتربي أبنائها ليكونوا آلة قتل تُدار لرعاية مصالح الدول العظمى دون أدنى اكتراث بالله وبالإنسان وبالمجتمعات!

لله در الطفولة فحتى في موسم الأمومة واللطف الإلهي.. تستباح!!


18 أكتوبر 2014

بضــع كلمات // أم حسين

أنهيت واجبي بسرعة.. احتضنت دفتري وأسرعت نحو طاولة المعلمة.. فتحته ووضعته أمامها، ووقفتُ انتظر تصحيحه، وعيناي لا تفارقانه..
 
حَملتْ قلمها الأحمر وألقت نظرة على الدفتر وقالت: (امممممم متأكدة من إجاباتك؟)، فأومئتُ بنعم.. فبدأت التصحيح، السؤال الأول صح والثاني كذلك..، واستمرت في تصحيحها حتى تنفست الصعداء ورميتُ قلقي خارجًا مع زفرة عميقة رافقت علامة الصح الأخيرة.. مِلْتُ بجسمي إلى الأمام ويداي تتكئان على طاولتها ومددتُ رأسي قليلًا وبحذر نحو معلمتي توسعت عيناي تلقائيًا لأرى ماذا ستكتب لتمدحني ولم أفلح، فَمِلْتُ برأسي يمنة ويسرة في محاولة عقيمة لرؤية ما تكتب.. انتهت.. أغلقت الدفتر وسلمتني  أياه فأخذته مسرعة وقبل أن أجلس على الكرسي فتحته لأقرأ:
 
( لوحظ 28/4/1987)
 
فنظرتُ مستاءة لها وعيناي تتساءلان عن الأسباب التي منعتها من كتابة بعض الكلمات التشجيعية التي كنت أنتظرها كتقدير لجهدي.
 
ظهرًا..
 
رجعتُ إلى البيت بحثت عن قلمٍ لونه أحمر كقلمها فتحت دفتري وكتبت:
 
(ممتازة مرتبة ونظيفة)..
 
أغلقت دفتري واحتضنته من جديد مبتسمة ومطمئنة لشعوري بالرضا، واستمريت في كتابة الكلمات التشجيعية في دفتري في كل مرة لا تكلف المعلمة نفسها عناء التقدير والشكر لأي فرض أنجزه.
 
فكتبت الكثير من الكلمات..
 
كنت حينها طفلة لم يتجاوز عمرها العاشرة، تشعرني كلمات المدح والتشجيع على صفحات دفاتري بالرضا، ولم يكن مهمًا حينها من كتبها ما يهم هو أنني أستحقها.
 
كبرتُ وكبر عالمي وتعددت في حياتي أشكال ونسخ كمعلمتي البخيلة في مشاعرها، الشحيحة في كلماتها الطيبة.
 
فهناك نسخة تعتقد أن الكلمات اللطيفة تفقد رونقها لكثرة استخدامها، ولم تعلم أن لهذه الكلمات سحر خاص يُكيفها مع الموقف فيظهرها بصورة جمالية مختلفة لتلامس النفس في كل مرة بتأثير أجمل وأرق.
 
بخيل آخر قد نصادفه على قارعة الطريق، يرد الابتسامة بنظرة غريبة وعيناه تقول (نعم.. ماذا تريد؟) ناسيًا أن الابتسامة لغة عالمية. وقد تعمل مع النسختين فيكون يومك أطول. وتوجد نسخة غريبة فهي لا تكتفي بكون كلماتها تفتقر للطف بل تزيد الأمر سوءًا  بإصرارها على صباغة كلماتها بلون قاسي ظنًا بأنها ترسم لها شخصية مهابة فتفرض احترامها، وﻻ تعلم بأنه فرارٌ وليس أحترامًا.
 
كيف لي أن أتعايش مع هذا الوضع! فالأمر أكبر من مجرد دفترٍ وقلمٍ أحمرٍ وخط بضع كلمات، فالأمر كبير بكبر الحياة وعميق بعمق النفس البشرية..
 
لطالما تساءلت..
 
ما الذي ممكن أن يخسره الإنسان عندما يردد كلمات المدح والثناء ويجبر خاطر الآخرين!
 
ما الذي سيخسره لو تعلم اللطف في التعامل!
 
ما الذي تعود به الكلمات القاسية علينا وعلى الآخر!
 
مهما كان ارتباطه بحياتنا، سوى أنها تنفر الآخرين وتصنع الحواجز النفسية ليفقد الانسجام تلقائيًا، وتخلق فجوة تزداد مساحتها طرديًا مع القسوة في التعامل.
 
يقول الله تعالى:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.
 
ويقول:
 
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ(26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ  
 
الكلمة الطيبة والحسنة مفتاح من مفاتيح النجاح..
 
آندرو كارنيجي صناعي أميركي عصامي يضع إنسانيته في الدرجة الأولى في معاملته مع الآخرين أصبح ثريًا بعد أن بدأ حياته العملية خادمًا في أحد المصانع.. وكان آندرو ينادي بتوزيع فائض الثروات على الفقراء والمحتاجين. هناك من يعتقد بأن سر كل هذا النجاح في حياته هو امتداحه لمساعديه في السر والعلن حتى أنه أراد أن لا يحرمهم من مدحه يومًا فجهز لافتة قبره وكتب عليها:
 
(هنا يرقد شخص كان يعرف كيف يحيط نفسه برجال أفهم منه).
 
لا تندهش قارئي العزيز، نعم ما زال هناك من يُقدر كلماته ويزنها قبل أن يطلقها، ويضع اللطف في الدرجة الأولى ويفصله تمامًا عن صحة او خطأ موقفه، لأنه مؤمنٌ بأن الكلمات الطيبة بإمكانها أن تحل أصغر العقد وأكبرها..
 
فالكلمة الطيبة قادرة على أن تفتح منفذ جديد ليتسلل بصيص نور لنفس محبطة، بإمكانها تهدئة رياح نفس غاضبة وإرواء صحراء قاحلة.  


وبعد كل ذلك أقول بأن:

(الحل الحقيقي لا يتعدى كونه مجرد كلمات طيبة كالتي كتبتها بدل معلمتي).
 
18 أكتوبر 2014

Friday, October 10, 2014

مقص الأرحام // محمد يوسف العرادي



 

يقول الإمام الرضا عليه السلام: صل رحمك ولو بشربة من ماء ، وأفضل ما توصل به الرحم { كف الأذى عنها } وقال في كتاب الله : { ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } سورة البقرة الآية ٢٦٤ 
 
بلا شك أن صلة الأرحام لها من الفضل العظيم والفوائد الجمة التي تعود بالنفع الدنيوي والأخروي، فالروايات الواردة عن أهل العصمة والطهارة، قد أكدت على صلة الأرحام فهي تدفع البلاء، وتزيد في الاعمار، وتزيد في الأرزاق، فكم للإنسان من نسب وسبب يعتبر الحبل بينه وبين الجنان، ولو استثمر هذا الحبل جيدًا فلن ينقطع به. ولكن للأسف فإن هناك من يظهر وده وصلته برحمه أمام الناس رياءً ليكسب محبة الناس. فكم من علاقة ظاهرها صلة الأرحام والإصلاح ما بين الناس والأهل، وباطنها إشعال الحطب الجزل وزيادة النار، و ليلتذ من بعيد بمشاهدة الدمار والخراب ليشبع شهوة بداخله.

صلة الأرحام درجات وأفضلها {كف الأذى عنها}. لو كنت ذو منزلة في قومك وعرف عنك التقوى والورع الظاهري (اللهم إنَّا لا نعلم من ظاهره إلا خيرًا) وتصدرت جماعة الإصلاح ما بين ذات البين، فلا يكن همك إلا الإصلاح وإظهار الحق، ولكن للأسف فإن من يصلح يُفسد. فكم من أُسر قد تشردت وعاشت الفقر، وأهلها يتفرجون مملوءة بطونهم وبطون أطفالهم لا يهمهم غير أنفسهم قد أعشى أبصارهم حب المنصب والجاه، {وإذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وإن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}.
 
والنماذج في مجتمعنا كثيرة والأذى متنوع فليس شرطًا أن تؤذي بيدك، فلسانك وعونك على الظلم عند الله كبير. ولا بأس بسرد نموذج لعائلة قد ظلمها رب أسرتها وفرّق بين أولاده، وبعد الإمعان في الظلم ومرور السنوات وبعد أن كبر الأبناء، اعترف طرف من أطراف الإصلاح الظاهري في الأزمنة السابقة وفي لحظة أنطقه الله فيها فقال (أنا الذي حرضته على أن يمتنع عن الإنفاق على أبنائه). والغريب أنه كان يتجلبب بجلباب الإصلاح. لقد عرفت صلة الأرحام بالخير والصلاح وأهمل الجانب الآخر وهو أذى الأرحام، فالإمام الرضا عليه السلام أراد إصلاح المجتمع وتطهيره من هذه السلوكيات القاتله المدمرة ليصلح المجتمع ويتماسك ليصبح كالبنيان المرصوص.

ويجب أن يعلم كل مؤذي لرحمه أن هناك أطفال ستكبر ولن تنسى الظلم والأذى. وأن هناك من لا تحتجب عنه دعوة المظلوم. ولا بأس بذكر قصة حدثت لشخص كان والده يظلمه ويظلم والدته، ففي يوم من الأيام اتصل له شخص يعرفه وهذه الحادثة وقعت بعد وفاة أبيه، فقال له هل والدتك غير راضية على أبيك؟ فقال له ولِمَ؟ قال إني رأيت رؤيا أن أبيك قد أُحضر في مجلس غاص بالناس وهو مكفن وقد مُلِأَ المكان من ريحته النتنة، فتسأل الناس فقيل لهم أن تغسيل هذا المتوفى متوقف على أخذ الإذن من امرأة ولا يفسر ذلك إلا بظلمه لزوجته. إن عمر الإنسان قصير وأعماله كثيرة ولا تغادره، والحياة البرزخية مرتبطة بما قدمنا في هذه الحياة.. إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

فلا تكن ممن يحمل مقص الأرحام فتقطع هذا الحبل بظلم أو قطيعة بل صله بكل وسائل الاتصال ولا تكن عونًا في ظلم أحد من الناس.


11 أكتوبر 2014