Friday, October 24, 2014

المدمن إنسان // أم حسين


شاب في منتصف الثلاثين من عمره، طويل، قوي البنية، أسمر اللون وابتسامته ساحره.. معه لا تستطيع أن تسيطر ضحكاتك فتنطلق عاليةً مع نكاته اللطيفة وروحه المرحة، كان يلجأ لبيتنا حين ييأس من واقع حياته كمدمن هربًا من رفاق السوء ليعتكف مع نفسه  للإقلاع عن إدمانه، وكنت خلال تلك الفترات لا أكاد أراه، فقد كان يمضي يومه بين الآلام التي تعصف بجسمه ليتخلص من السموم وبين النوم منهكًا لنفس السبب.
 
إرادته قوية حين يقرر الإقلاع، ففي كل مرة لجأ فيها إلى بيتنا ليقلع رحل عنا معافى من إدمانه..


وما أن يعود إلى بيته حتى يبدأ رفاق السوء وشياطينهم بالتفنن في أساليب دعوته للعودة معهم..


يقاوم.. بطردهم مره وبتوسلهم مرة أخرى لتركه والابتعاد عن حياته ولكنهم أبوا تركه، فرحل قبل عدة أعوام عن هذه الحياة بعد أن أمضاها بين الإقلاع والعودة من جديد لإدمانه.
 
الإدمان..
 
عرفت هيئة الصحة العالمية (سنة 1973) الاعتماد (الإدمان) بأنه حالة نفسية وأحيانًا عضوية تنتج عن تفاعل الكائن الحي مع العقار، ومن خصائصها استجابات وأنماط سلوك مختلفة تشمل دائمًا الرغبة الملحة في تعاطي العقار بصورة متصلة أو دورية للشعور بآثاره النفسية أو لتجنب الآثار المزعجة التي تنتج عن عدم توفره، وقد يدمن المتعاطي على أكثر من مادة واحدة.


يتضح علميًا إن المدمن مجرد (إنسان مريض) ومرضه جانب سيء قد تصطف معه جوانب إيجابية عديدة، وهذا المرض بالإمكان علاجه..
 
فلماذا يصر الناس على تجاهل كل إيجابيات المدمن ومحوها بسلبية واحدة في شخصيته!!؟
 
كشفت الخبيرة العلاجية د. معصومة عبد الرحيم في صحيفة الوطن المحلية بتاريخ (17 سبتمبر 2014م) عن أن إحصائيات منظمة الصحة العالمية تشير إلى وجود 20 إلى30 ألف مدمن في البحرين، مشيرة إلى أن الأمراض المنتشرة عند المدمنين بشكل عام متمثلة في التهاب الكبد الوبائي 95% C، والتهاب الكبد الوبائي، 5% B، حالات HIV التي أدت إلى الإيدز 350 حالة، ازدياد حالات الإيدز من 16-20 حالة سنويًا.
 
30 ألف مدمن!!
 
حتمًا تقف خلف ذلك الرقم الضخم أسباب كثيرة وعميقة ونقف نحن كأفراد ومجتمع نواجه الرقم ذاته حاملين على أكتافنا مسئولية كبيرة اتجاهه.
 
فمن هو المدمن في حياتنا!!؟
 
عائلته والمجتمع..
 
يعيش مع عائلته يتمنى قربها واحتوائها، وهي أبعد ما يكون عن احتياجاته النفسية،  فيهرب من كلمات التقريع والتأنيب ونظرات النبذ والاشمئزاز من دائرته الأولى، ليواجه مجتمع أغلق أبوابه وأوصدها أمامه ليتركه الجميع يواجه مرضه وحيدًا.


فكيف سيصمد!!؟


لا شك في أن التعامل مع مدمن المخدرات حساس جدًا وقد يكون صعب في الغالب نظرًا لكل الظروف العضوية والنفسية التي يمر بها، فنعامله وكأنه مخلوق غريب أو جان مخيف.. وتغيب عنا حقيقة أنه إنسان سيطرت عليه نفسه الأمارة بالسوء فضعف وزلت قدمه ليسقط في حفرة الإدمان فنهرب أو نجتمع حوله وبدل إنقاذه نبدأ برجمه وكأنه شيطان رجيم.


الخطأ الفادح الذي ترتكبه العائلة أولًا وبعدها المجتمع هو الاعتقاد أن المدمن عضو فاسد ينبغي استئصاله من جسد العائلة والمجتمع، فنحكم عليه وننفذ حكمنا الظالم متناسين بذلك كل مبادئ النصح والتكاتف  للإصلاح والعلاج بدل الاستئصال، ألم يقول رسول الله (ص): 


مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو: تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى. 


فلا بد من الإيمان بوجود نسبة وإن كانت بسيطة في عودة المدمن إلى السيطرة على نفسه ولجمها ومن هذه النسبة ننطلق معه يدًا بيد لنعود به إلى جادة الصواب.


فالمدمن إنسان..

25 أكتوبر 2014

الاعتدال عند الاختلاف في الرأي // محمود سهلان

 
 
في ظلِّ الأحداث المتسارعة في البلد، ترتفع أصواتُ التخوين والتسقيط والمطالبة بالعزل الاجتماعي بشكلٍ ملفتٍ جدًا، فبات كلّ من نختلف معه في الرأي خائنًا، ولا يبحث إلا عن مصالحه الشخصية، أو الحزبية، ولا نفكّر أبدًا سوى في ذلك.


أقول أنّ علينا أنْ لا نتسرعَ في الحكم على أي فرد، حتّى لو اختلفنا معه في الرأي اختلافًا كبيرًا جدًا يصل حد التباين، فنحن لا نعرفُ منطلقات قراره الفكرية، ولا نواياه، فليسَ من العدل أنْ أسارع بعزل هذا الفرد مجتمعيًا، ووصفه بكلِّ ألقاب التخوين والتسقيط.


أين ذهبتْ كل القيم؟ أين ذهبتْ أحاديث حمل المؤمن على سبعين محمل؟ وأين ذهبتْ الدعوة إلى سبيل الله بالحكمةِ والموعظةِ الحسنة؟


كل هذه المعاني صِرنا لا نكترث بها، وكأنّها لم تكنْ يومًا، وليس من الصواب أنْ نصلَ لهذه الحالة من الابتعاد عن المبادئ والقيم، حتّى مع اختلافنا كما سبقَ الكلام.
 
لا أقولُ ينبغي السكوت نهائيًا بحجة أنّها حريةٌ فكريةٌ، أو تشخيصٌ شخصي، أو ما شاكل، ولكن فلنتعامل مع الموضوع بطرقٍ أكثر وعيًا، وأكثر فاعلية، فإنّ تسقيط فلان وتخوينه لنْ يحلَّ المشكلة، وحتّى عزله اجتماعيًا كذلك، بلْ قد يزيد المشاكل بيننا، بينما نحتاج لأن نتقارب ونتوحّد على كلمةٍ سواء، تقودنا لما فيه الخير والصلاح، دون النّظر للمصلحة الشخصية والحزبية الضيقة.
 
وليسَ هناك قدوة أفضل من أمير المؤمنين (ع) عندما قدّم المصلحة العامَّة للأمّة والمجتمع، على أي مصلحةٍ أخرى، حتّى مع كونه صاحب الحق، فقال: (لأسالمنَّ ما سلمت أمورُ المسلمين، ولم يكن فيها جورٌ إلا عليّ خاصة)، فهذا الكلام وغيره من كلام الأمير، مع اختلاف الموارد، إلا أنّه يرشدنا لتغليب المصلحة العامة على أي مصلحةٍ ضيقة.


فلنَهدأ قليلًا، ونفكر ونتدبر ونتأمل كثيرًا، ونبحث عن تلك المصلحة التي تصب في مصلحة جميع الناس، دون أي تعصّب أو تعد على الغير أو ما شابه.
 
وإذا وصلنا في الختام لقرارٍ بأنّ فلانًا أخطأَ في قراره، فلنحاول معه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولنتدرج معه في محاولاتنا، دون التعدي عليه أو على غيره، ودونَ فضحه وتشويه سمعته كما يحدث أحيانًا، فالمذنب والمخطئ قد يتراجعُ ويتوب، فلا ينبغي أنْ نقطعَهُ عن التوبة، ونجعلَ خطأه وصمة عارٍ مدى الحياة.



٢٧ ذو الحجة ١٤٣٥ هـ

عاشوراء بين الشعائر والطقوس // أبو مقداد

 
 
أولًا نُعرّف العنوان في مصطلح الشعائر ومصطلح الطقوس.


الشعائر: ما ندب الشرعُ إِليه، وأمر بالقيام به وفي التنزيل العزيز: الحج آية 32 (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَالله فَإنَّهَا منْ تَقْوَى القُلُوبِ) وطريقة من طرق العبادة.
الشعيرة هي مجموعة من الأفعال لها دلالة رمزية وتؤدى على فترات زمنية محددة أو في مناسبات خاصة.


الطقوس: هي طريقة العبادة العامة المألوفة التي تقوم بها مجموعة دينية طبقًا لعاداتهم وتقاليدهم المعينة.*

إذًا فالفرق بين الشعيرة والطقس الديني هو أن الأول مما أمر به الدين أو حث عليه ووجهه، والثاني هو من وضع الإنسان وابتكاره، وبالطبع حين أقول من ابتكار الإنسان فهو لا يعني الأمر السيء على الإطلاق، فهناك الكثير من الطقوس المُبتكرة، تحقق أهدافًا ونتائجًا طيبة، أو على أقل الاحتمالات لن تخلف أي ضرر من إقامتها! 


في كل عامٍ يكون موسم عاشوراء موسمٌ حيويٌّ، وزاخر بالفعاليات والإحياءات لذكرى استشهاد الإمام العظيم، الحسين بن علي عليه السلام، ويتفرّغ الكثير ويجتهد لمثل هذه الإحياءات بشتى أنواعها، وكلٌّ يُمسكُ مجاله الخاص به، الذي يتقنه ويجد نفسه فيه، فالبعض في الموكب، والبعض في الشعر، والبعض في الخطابة الحسينية، والبعض في الإطعام وغيره، والغالب يساهم في تطوير الإحياء هذا.


جميلٌ أن نبتكر ما يساهم في تطوير هذه الإحياءات، فبدل أن يقتصر الشعر على قصائد النعي في المنبر وقصائد الموكب، صارت تقام أمسيات شعرية خاصّة بالموسم، وبدل أن يكون توزيع الطعام على حب الحسين عشوائيًا، صارت تُشيّد المضائف، وصارت تُنشأ المراسمَ الحسينية التي تستعرض مواهب الرسّامين والفنانين والمصورين والمصممين في الأعمال الحسينية، والكثير من الأمور التي ابتُكِرت بهدف تطوير الإحياء. ولكن المشكلة كانت في تحويل بعض الشعائر لمجرد طقوس خاوية، وتحويل الابتكارات والطقوس لشعائر مقدسة لا يمكن انتقادها أو الحديث عنها أو حتى تصحيح مساراتها!


فقد تجد مثلًا في مسار موكبٍ مركزيٍّ كالعاصمة أكثر من 200 مضيف للإطعام، وكلّها تقدم ما لذّ وطاب من مأكولات ومشروبات، وتتنافس لتقدم الأفضل. بعض هذه المظاهر قد يُفقد الموسم الحزين روحيته وقد يتحول لأشبه بمهرجان، وقد يوحي بأن عاشوراء تُختزل في الطعام والإطعام مما يجحف حقّ الحسين فيه، هذا فضلًا عن أن الكثير من الأطعمة تُرمى في القمامة بسبب الإسراف فيها وزيادتها عن الحاجة، وحين تحاول إبداء هذا الرأي ستواجه بسيلٍ من الهجمات مفادها أن هذا مال الحسين ونصرفه للحسين والإطعام مستحب ولا تمس الشّعائر، وقد يُستشهد بمضائف العراق في طريق المشّاية وكثرتها !!!


تحوّلت هذه المضائف لشعيرة المساس بها طعنٌ في الحسين، بغض النظر عن الكثير من السلبيات المسيئة التي قد تحدث بقصدٍ أو بدون قصد، والحديث هنا ليس بقصد إنهاء هذه المضائف إنما تنظيمها بالشكل الذي يخدم شيعة الحسين، بدون إفراطٍ ولا تفريط، وبما يُحافظُ على هيبة الموسم.


المضائف كانت مثالًا لتوضيح كيف أن بعض الطقوس، تتحول لشعائر بسبب الاعتياد على ممارستها، فتعود بنتائج سلبيةٍ بسبب سوء تنفيذها.


إنّ َعاشوراء هي محطة عظيمة جدًا ونحتاج أن نعرف جيّدًا كيف نستثمرها في ما يجعل من نهضة الحسين وهجًا ينير الحياة بدون انخفات، لا أن نساهم في قتل روح هذا الموسم بهدف إحيائه، فـ على حب الحسين سنجد الطرقات ممتلئة بالنساء والفتيات اللاتي جلسن لانتظار مرور مواكب العزاء للتفرج عليها، وقد تشارك في زحمة المضائف وإن اختلطت مع الرجال -لأخذ البركة- والغريب أن هؤلاء النسوة ستجبن أيضًا بأنهن تواجدن للموكب بهذه الصورة لإحياء الشعيرة!!!


مشكلة حقيقيةٌ حين تُستغلّ قيمُ الحُسينِ في قتلِ قيم الحسين وشعائر الحسين في تشويه شعائر الحسين، فمثلًا.. لبس السوادُ في محرّم هو إظهار للحزنِ والأسى، وبيان لحرمة الشهر وعظم المصاب، بينما بعض الفتيات في الشوارع تراهم قد صبغن أظافرهن باللون الأسود من باب المواساة، متناسين أن هذه تُعتبر زينة مما لا يرضي الحسين!
 
أو أن تتحول مواكب العزاء لوجبة دسمة للصراع والاقتتال بين المواكب، فنجد الموكب الفلاني، يتعمّد أن يضر الموكب الآخر في نفس المنطقة!
أو أن تكون شعيرة ما عند فئة، تعتبرها الفئة الأخرى طقسًا محرمًا، وجبة دسمة لبث العداوات والتهجم على الآخرين في كل عام!
 
وكله على حب الحسين!
 
وهكذا يتحول الموسم بغالب تفاصيله لمجرد طقوس وعادات يمارسها الشيعة في كل عام، خالية من أي مضامينٍ تُذكر، و من المؤسف جدًّا أن يتحول عاشوراء الحسين ونهضته الإصلاحية والفكرية العظيمة التي ضحى من أجلها بكل شيء لمجرد طقوس اعتدنا عليها!


كلاب رقية:
الكثير من فعالياتنا التي تقام في هذا الموسم، تُستَنسخُ من تجارب  لدولٍ أخرى، كاستنساخ المضائف من طريق مشاية كربلاء، وبالرغم من أنه في كربلاء ضرورة وفي البحرين أحيانًا كثيرة يصل لحد الترف، إلا أننا نقول بأن لا مشكلة في أصل الاستساخ، إنما في كيفيته وتقييمه إن كان صالحًا أو فاسدًا، وإن لم يكن فاسدًا، فهل يلائم أجواء المنطقة أم لا، وما حجم الفائدة المرجوة منه.
قبل أيام استمعت لمقطع صوتي لأحد مواكب البحرين لرادودٍ بحراني، يسمون أنفسهم بـ كلاب رقية، ويقول رادودهم في لطميته: 
"لن يفهم هذا الجنون
إلا الذي اختار الحسين
تعرفه من يحجي ويقول
زحفت بين الحرمين
لا مو رياء هذا الأمر
هذا نداء وللحشر
كلب رقية وافتخر"!!
ولا أتمكن من وصف حجم الإساءة التي أشعرني بها وهو يطلق على نفسه ويردد معه جمهوره" كلب رقية وافتخر"!!!
الموكب هذا استُنسخت فكرته من تجربة ايرانية لأحد المواكب هناك ممن يطلقون على أنفسهم ذات الاسم، وها نحن تربة خصبة لاستقطاب كل صالح وفاسد من تجارب العالم، ولو تُرِكت هذه الممارسة لا أستبعد أن تتحول لاحقًا لشعيرة مقدسة الحديث عنها هو طعن في الحسين ومحاربة لشعائر الحسين!

هل يعقل أن يخرج الحسين بشعار هيهات منا الذلة الذي يعز كل من والاه، لنتحول في أخر الزمان لكلاب ابنته؟
 
أي إهانةٍ ينشرون!
 
أتمنى أن تكون هناك وقفة جادة من المعنيين، علماء ورؤساء مواكب ومسؤولي مآتم ووجهاء القرى وغيرهم من أصحاب الرأي لتنظيم هذه الشعائر وحمايتها من العبث والتشويه. من المهم جدًّا أن يكون هذا الموسم، موسمًا خاصًّا لإحياء مبادئ وقيم الحسين، لإعادة نهضته الإصلاحية، لإشعال حركته الفكرية، لتحفيز روحه الشجاعة بيننا. من المهم أن نفهم معنى أن تكون كربلاء عِبرةٌ قبلَ العَبرة.


لا أبخس حق التحركات النهضوية الرسالية التوعوية الفكرية التي تتكاثر في كل عام وتنشط، وتحاول أن تعيد لمنهج الحسين روحه، وتحافظ على اشتعاله في أرواحنا، ولكن المشكلة في أن الموجة العامة مليئة بسلبياتها، فتغطي على إيجابياتها!!


ونسأل الله أن يوفقنا لخدمته، ويُعرِّفنا بهِ وبقدرهِ كما يستحق.


"المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري الراحل.. في استقبال عاشوراء:
 
هناك من يستقبل عاشوراء ببطنه وصدره، لا يجد شيئًا في عاشوراء إلا الولائم والأطعمة، والأسمطة، والَّلطم على الصدر، دون أن يعي أو يُدرك أيُّ معنىً للذكرى غير فرصة اللقاء بالأحباب، والسهر، والجلوس في الطرقات، وهذا استقبال مرفوض."



25 أكتوبر 2014
_________________________________________________
* التعريفات من موسوعة ويكيبيديا، ومعجم المعاني.

الفضيلة .. بين الافراط والتفريط // إيمان الحبيشي

 
 

لفتت نظري مجموعة من التغريدات لأحد المدونين العرب، انتقد فيها (فريضة الجهاد) بصورتها التقليدية القائمة على ثقافة المدد الإلهي، ورغم أني أختلف معه في بضع توصيفات كتبها، إلا أن تغريداته تقاطعت في بعض جزئياتها مع أفكار كنتُ قد مررت عليها، إما عبر قراءاتي أو بين بضع مناقشات خضتها مع آخرين، منها على سبيل المثال فكرة للدكتور علي شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار تتلخص في الفقرة التالية:
 
(عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، فكيف إلى عمل آخر؟ فالاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف إلى عمل آخر ما هو إلا استحمار وإن كان عملًا مقدس أو غير مقدس)!


في اعتقادي إن فكرة ترتيب الأولويات هنا هي الفكرة التي تسيطر على منتقدي المجتمعات الإسلامية في تعاطيهم مع بعض القيم والواجبات الدينية، فالتصرف الطبيعي مثلًا لمن احترق بيته أن يحمل الماء ويستنجد بالجيران لينقذ عياله وممتلكاته، لا أن يصلي صلاة الاستسقاء حتى ينقذه الله بغيث من السماء!

أتصور أننا نحمل الكثير من القيم، بصورتها التقليدية التي تخلق منا بشرًا متواكلين وكسالى، وتُخرج من تحت أيدينا مجتمعات استهلاكية مغلوبة على أمرها، يبتزها الحاكم جهرًا والدول العظمى مواراة وسرًا.


بنظرة سريعة على المجتمعات الإسلامية ستجد أن الأسلوب السلبي في حملنا لقيم السماء هي أساس للكثير من مشكلاتنا، نحن مجتمعات مهزوزة لا تثق بقدراتها ولا بقيمها، وإلا فعلام نُمنى بالهزيمة كل حين؟! لأننا كثيرًا ما ظننا أن النصر يعني أن نحمل السيف ونتقدم، دون خطة، دون مراقبة، دون علم مادي نستثمره في دراسة مقدمات المعركة ثم أسباب النصر، ثم حين تغرقنا الهزيمة ندفع بالاتهامات تجاه قيم السماء (الي ما تجيب خبر) ثم صرنا نفتش بين دفات الشعوب المنتصرة عن قيم بديله وأنظمة أخرى غير التي منَّ الله بها علينا!


اليوم يهرب كثيرون من القيم النبيلة، لأن هناك من استخدمها بصورتها البالية الفجة، حتى أثبت لهم فشلها، وكأنها باتت مجرد فضائل أو قيم نظرية فحسب ولا تصلح للحياة الواقعية. كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم تعيش أزمة الاستغراق في الماضي، كالجماعات الإسلامية التي ربما تعيش أكذوبة أن الحق كل الحق في أن ترجع أيام الخلافة الإسلامية على الطريقة الأموية، فتسبي النساء وتقطع الرؤوس وتأكل أكباد البشر!! وكثير من المجتمعات الإسلامية تريد الانطلاق نحو مستقبل غريب لا يعرفونه ولا يعرفهم، لا يربطهم في بالإسلام رابط، فالإسلام ليس سوى مكبل للشعوب، وقاهر لها، ومحارب للعلم، متوحش يدعو لافتراس الآخر وسحقه دون رحمة!!

كثيرات كفرن بالالتزام الديني، ذلك أنهن اخترن لهن أزواجًا ملتزمين دينيًا ظاهرًا، يظنون أن الدين هو أن لا يبتسموا في وجوههن، وأن يشاوروهن ليخالفوهن، وأن يعاملوهن من منطلق أنهن ناقصات عقل ودين!! حتى إذا ما اراد لها الله أن تخرج من حلق ذلك الزواج حتى تصر على أن تتزوج بآخر لا يستمع للخطب الدينية، ولا يكترث بالمتوارث من الأقوال والعادات، حريص على الاستماع للأغاني، متدبر في برامج التلفاز، مستغرق في المقاهي، نسي الطريق للمسجد!!
 
كثيرون سئموا من مقولة (رضا الله من رضا الوالدين)، ذلك أن والدهم لم يرض عنهم يومًا، رغم أنهم أطاعوه حين قرروا أن يدرسوا تخصصًا أراده هو ولم يريدوه هم، ذلك أنهم حين تزوجوا اختاروا زوجة يريدها هو لا هم من أرادوها، ولا زالوا يعنفون صبحًا ومساء تحت ذريعة هذه العبارة وتلك، ناسين أو متناسين أن رضا الله لا يتوافق مع قهرهم وكبت حاجاتهم والتدخل بكل شؤونهم، وأن نصيب الوالدين هو البر والإحسان لا الطاعة العمياء!


كثيرون صاروا يطالبون بقوانين وضعية تلغي قوانين السماء كقانون الأحوال الشخصية، ذلك أن المحاكم الشرعية ملئى بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ذلك أن كثيرون ممن وضعوا أنفسهم تحت طائل مسؤولية الحكم بين الناس، قد فقدوا عدلهم واتجهوا نحو شهواتهم واستغلوا مطرقة سلطتهم لينفذوا رغباتهم لا عدل الله وإحسانه!

لا أدري حقًا إن كان من حقنا أن نلوم أفرادًا تمردوا على مجتمعهم الذي يكبل الفضائل، ليحولها من معناها المرن الإنساني الوادع، لسجن بغيض يحبس داخله إرادة الإنسان وحريته وسعادته التي أراد الله لها أن تحفظ، لكني أثق أننا مطالبون بتصحيح الأمور.
أنه من واجب كل فرد أن يتعرف حقًا، على دين الإسلام بصورته المحمدية الأصيلة، التي تتباهى في أروع صورها عند أهل بيت نبي الرحمة، الذين عبدوا الله حق عبادته، وأدوا إليه حقوقه، وكانوا كالبلسم الشافي يضمدون جراح الأمة التي ما هدأت جراحها منذ وفد نبي الرحمة على العلي الأعلى.


لنحفظ فضائل الصبر والحب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداراة والإحسان للوالدين وغيرهم من سندان الإفراط ومطرقة التفريط، حتى تثق الأجيال بما تحمل من ثقافة إسلامية إنسانية لا يأتي عليها الدهر أبدًا.


25 أكتوبر 2014

نظريةُ: العَبْدُ عَبْدٌ // محمد علي العلوي

 
 
تقوم أهم النظريات السياسية وأكثرها نفوذًا على واقعيةِ تَرَكُّبِ المجتمع (البشري) من طبقات عقلية وفكرية وربَّما (عِرقية) لن يتمكن أحدٌ أنْ يتخلص منها أبدًا.
 
هكذا يَدَّعون، والتنبيه هنا على أنَّ الطبقية المقصودة ليست الطبقية الاقتصادية، بل تلك التي تُحَدِّدها الثقافة في عمقها الوجودي، ولذلك قالوا:
 
لا يمكن للعبد إلا أنْ يكون عبدًا ولو وُزِّرَ ولو تُوِّجَ، وليس للملك غير الملوكية وإنْ بات على بساط الفقر، والعامل الكادح لن يكون غير عامل كادح، وهكذا هُم يتحدَّثون عن الحقيقة الثقافية المتجذرة والتي لن تتغير -بحسب زعمهم- وإنْ عرضتْ عليها ثقافاتٌ يفرِضُها التَّغَيُّرُ الظاهري للظروف.
 
في الغالب هم لا يؤمنون بإمكانية التغيير إلا على المدى البعيد، وأقله جيل (33 سنة)، ومن هنا يكون تعاملهم مع الحالة القائمة على أساس أنَّها غير قابلة للتعديل، فالسارق يبقى سارقًا والجاهل على ما هو عليه، وكذلك صاحب الخمرة والمخدرات، ومثلهم البليد والعصبي، فهؤلاء يبقون، والتغيير في جيل بعدهم أو أكثر..


أمَّا المهم عندهم فهو أنْ تكون صياغتُهم للخطة السياسية متضمنةً وبشكل أساسي على استيعاب كُلِّ طبقات المجتمع، كل طبقة بحسبها، فطبقة الصراعات والنزاعات لا بدَّ أن تُقَوَّى فيها هذه النزعة وتُوَفَّرَ لها أرضية النزاع وفق معايير وموازين معينة، منها أن يُزَجَّ فيها كُلُّ من يريدون إشغاله عن لحظة استفاقة محتملة، وأمَّا طبقة جُمَّاع المال فيلاعبونهم في الأسواق بمختلف أنواعها، ولأصحاب (الكيف) يتفنون في مَدِّهم بأصناف الخمور والمخدرات وما نحوها، وعلى نفس النسق (يُنَطِّطُونَ) السياسيين.. وقِسْ على ذلك..


فقرةٌ اعتراضية:


(إذا علقتْ سمكةُ الهامور في صنارة الصياد، فإنَّه سوف يخسرها لو أمهلها لتختبئ بين الصخور، وأمَّا إذا علق (السبيطي) فطريقته مختلفة ولن يظفر به الصياد إن لم يتقن فَنَّ ملاعبَتِه بخيط الصيد.)


لن أستطرد كثيرًا في هذا الموضوع، فهو من المواضيع التي تحتاج إلى ورقة بحثية خاصة، وإنَّمَا بدأتُ به لأنعطف مع القارئ الكريم الانعطافة التالية:
 
بحسب استقرائي الناقص وجدتُّ أنَّ أغلب الناس يعتقدون بجهالة أغلب الناس!!
 
كُلُّ واحدٍ منهم يرى حاجة الآخرين لوصاية من نوع خاص، فهم (الآخرون) عنده أولًا وأخيرًا مخدوعون.. واهمون.. مُنساقون.. همج رعاع.. تُبَّع..
 
كما وأنَّ كُلَّ واحد منهم يبني قناعاته ورؤاه على أنَّ الناس لن يتغيروا، ثم يعطي نفسه صلاحية توجيههم وحمايتهم..
 
وبحسبة بسيطة نفهم الآن كيف أنَّ الصراعات دائرة بين هذا وذاك، شخصًا كان أو حزبًا أو تيارًا، والميدان هو (الناس) الذين حُكِمَ عليهم بأنهم (لا يفهمون)!!
 
بقدر ما هو محزن فهو أيضًا مضحك؛ فكُلُّ طرف في ساحة (البشر) يريد حماية (البشر) من الأطراف (البشرية) الأخرى، ويُظهِر للجميع خوفه وصدقه وإخلاصه في دفاعه عنهم، ولكنَّني أحتمل قويًّا جلجلةَ مقولة فرعون في داخله..(أنا ربكم الأعلى)!
 
وهو في الغالب يبرر بأنَّها قناعات وليس من العيب أن يدافع (بشرٌ) عن قناعاته!!
 
نعم.. هناك عقول وُفِّقَتْ للعلم ورُزِقَتْ الحكمة، وهذا أمر طبيعي لاختلاف الظروف من شخص إلى آخر، ولكن غير الطبيعي هو أن يُصِرَّ (المثقف) ومَنْ في حُكْمِهِ على أنَّ الناس لن ترقى إلى مستواه ولن تكون يومًا قادرة على الاختيار، وهذا هو المرض الأبرز الذي يحجزنا عن التقدم لقيادة أنفسنا..
 
الإنسانُ قادرٌ على التفكير وقادرٌ على التحليل وقادرٌ على الاختيار وقادرٌ على تحمل المسؤولية، ولا يحتاج إلى أكثر من فكِّ يد التسلط التي تخنقه..
 
لِكُلِّ صاحب قناعة أن يطرح قناعته في ضمن أطر ثلاثة: الاستدلال النقي، والأدب الصفي، والخُلُق الندي. ثم فليترك الناس لتقيم وتختار، وإن زلَّتْ أو انحرفتْ أو ضلتْ فليس له أكثر من البيان ثانيةً وثالثةً وعاشرة في ضمن نفس الأطر الثلاثة المذكورة، ولا حق لأحد أن يُنَصِّبَ نفسه (حاميًا للديار)، إلا بأمر من جهة العصمة.
 
يلاحظ القارئ الكريم وجه، بل أوجه الشبه بين السياسة العالمية لدول الاستكبار في تعاملها مع الأمم والشعوب، وبين السياسات الداخلية التي يمارسها سياسيون وخطباء ومبلغون وكُتَّابُ وشعراءُ ومنشدون ومغردون مع جماهير الناس، والفرق أن أولئك يرجعون نظرياتهم إلى فلاسفتهم، وأما هنا فالدين قرآنًا وعترةً وسنةً واستنباطًا!
 
لا أطيل. والسلام.
 
25 أكتوبر 2014

Friday, October 17, 2014

لقد كنتَ // ز.كاظم

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين..
 
 
أوقف تايرون مركبة الفوركلفت بعد أن مررتُ به وقلتُ له مداعبًا: أتريد أن تقتلني! فابتسم تايرون وقال: أتخاف من الموت؟ وبدون تردد قلتُ: نعم. تحدثنا قليلًا عن الموت، ومضينا كلٌ في سبيله..
 
الموت حقيقة لعلها من أوضح الحقائق التي لا يستطيع الإنسان أن يجادل فيها وقد كان الإنسان أكثر شيئًا جدلًا. تلك الحقيقة التي تغيب عن أذهاننا ولو كانت حاضرة لأعدنا النظر في الكثير من الأفكار والسلوكيات التي نقوم بها. لن أخادعك عزيزي القارئ فالموت يرعبني، ولكني أبعده عن ذهني بكل ما أوتيت من قوة.
 
أحد زملاء الدراسة الذين تعرفتُ عليهم في بداية حياتي الدراسية قد وافته المنية قبل سنة تقريبًا.. كانت وفاته صادمة.. لم يشكو من مرضٍ وحياته طبيعية جدًا.. في آخر ليلة من عمره كان يشاهد التلفاز كعادته.. أصبحت زوجته لتلقاه نائمًا نومته الأبدية. وهكذا هو الموت يجرّنا إليه الواحد تلو الآخر. ولا نزال نحاول أن نتجنب ذكره ونتغافل عنه علّه يُخطئنا..
 
تايرون -نفسه- وجالرز أمريكيان -من السود- يعملان في نفس المصنع، وكان الأول مرحًا لا يترك فرصة من متاع الدنيا إلا ويستلذ بطعمها، بينما جالرز كان هادئًا رزينًا متدينًا يرى في المسيح خلاصه.. وكنتُ دائمًا ما التمس بعض الدقائق للحديث معهما في أغلب الأيام.. ويكون الحديث في الكثير من الأحيان عن الدين والعادات والتقاليد.. كانت فكرة تعدد الزوجات تُعجب تايرون كثيرًا، ولذلك فهو دائم السؤال عن ديننا وعاداتنا وتقاليدنا، لا حبًا في الدين وأهله، وإنما حبًا فيما يراه من ملذات الدنيا.. أما الخمرة وأكل الخنزير ففي شريانه يسريان.. أمّا جالرز فكان يُؤهل نفسه ويطمح لأن يصبح قسيسًا يومًا ما.. وكنتُ أقتنص الفرصة لمناوشته عقائديًا، خصوصًا لمعرفتي بطبيعة التدين الأمريكي الذي قد لا يختلف كثيرًا عن التدين العربي.. تدين الراحة والدعة والظهور.. تديّن الوجبات السريعة..

كان ذلك قبل عدة سنوات.. أما الآن، فتايرون لا يزال يعمل في المصنع، وجالرز قد ترك العمل في المصنع منذ فترة.. لاحظتُ على تايرون تغيّرًا في عقيدته، فبعد طلاقه من زوجته بسبب المشاكل التي تصاحب زواج كل أمريكي، تزوج من فتاة صغيرة العمر ومنها تغيرت نظرته للحياة وبالخصوص اتجاه الدين.. فقد أصبح يذهب للكنيسة، وهو أقرب للدين من السابق. أما جالزر، فقد ترك الدين وانهمك في السكر والعربدة.. وسبحان مغيّر الأحوال..
 
لا أظن أن أيًّا منّا بمعزل عن التغيّر، فإذا ما اهتزت القناعة واستقرت مكانها قناعة أخرى، فالتغيّر محتوم.. وكما يقول المثل البحراني "يالله خير وخاتمة خير"..
 
التغيّر الجذري السريع يحصل عند القليل من الناس، وهو عادة ما يكون بسبب صدمة شديدة تهز كيان الإنسان فتنقله من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار أو العكس.. لكن هذا التغيّر قليلًا ما يحدث.. أما التغيّر التدريجي، فهو الخطر الأكبر، إذ يتسلل في نفس الإنسان وعلى فترة زمنية طويلة ليرى نفسه بعد ذلك أنه تغيّر، ولا يختلف إن كان التغير إيجابيًا أو سلبيًا فهذا التغيّر ما لم يكن الإنسان ملتفتًا وواعيًا له، فخطورته كامنة..
 
السؤال: كيف يتسلل هذا التغيّر إلى ذات الإنسان ويغيّر قناعاته وفكره وسلوكياته بدون أن يشعر؟
 
كيف لا يحدث ذلك وطوفان من الأفكار والثقافات والمعلومات تنهال على الإنسان الذي لا يملك دقيقة من وقته للتفكير بسبب مشاغل الحياة ومتطلباتها؟ نعيش في زمنٍ لا يهدأ الإنسان من التوترات على جميع الأصعدة! حتى وسائل الاتصال والمعلومات التي من المفترض أن تكون أدوات للتفكير والهدوء أصبحت وسائل للتوتر والقلق واللا تفكير.. كم من رسالة تمر عليك في الواتساب لا تقرأها من كثرة تدفق الرسائل، غثها وسمينها! كم من الفيديوهات التي إن فتحتها فلا تمر ثواني إلا وتُغلقها.. أكاذيب، خزعبلات، إجرام، قتل، صرعات، صراعات مذهبية كانت أو سياسية أو جهنمية!! والقائمة تطول.. تسوق السيارة فترفع ضغطك أصوات الهرنات.. سمة الكلام الصراخ، في البيت أو في المدرسة أو الشارع!  
 
فكّر، متى آخر مرة قضيت عدة ساعات مع نفسك تفكّر في نفسك وفيما حولك؟
 
ولماذا تفكّر؟ فقناعاتك يتم تشكيلها وصياغتها لك في خضم هذه الفوضى وبكل هدوء وسلاسة..
 
ألم يحن الوقت لتحسم وتملك زمام أمرك! ألم يحن الوقت لتلك الهزة مع ذاتك! هل لا يزال الموت غائبًا أو مغيّبًا عنك!
 
وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ  
 
 
 
18 أكتوبر 2014
 

 

ظاهرة المسترجلات // أبو فاطمة



قضيتُ أربعة أيام تقريبًا أبحثُ في شبكة الإنترنت عن حالة المسترجلات على شبكات التواصل الاجتماعي البويه أو البويات والتي تعني المرأة التي تتشبه بالرجال.. وهي متخذة من كلمة بوي باللغة الإنجليزية ومعناه ولد باللغة العربية. هو لفظ لجأت إليه بعض الفتيات كبديل عن استخدام لفظ "المسترجلة، الجنس الرابع"، والذي معناه أن الفتيات يقمن بصرفات الرجال!
 
تفاجأت بقصص وأحداث غريبة عن عاداتنا وتقاليدنا الصحيحة، ما جعلني أبحث عن تلك الحالة المرضية التي لم أصادف أحد شخوصها في حياتي الواقعية بتاتًا، لكن تراهم كثيرًا في العالم الافتراضي الإنترنت وخصوصًا على شبكات التواصل..


هي صدف جمعتني في أحدهن عبر إحدى مجموعات برنامج اللاين الشهير.. دَخلتْ إحدى (البويات) على المجموعة، وقد ظننتُ في بادئ الأمر أنها أحد الشباب متنكر باسم بنت للضحك ولتغيير الجو المخيم في تلك المجموعة من كثرة الحديث في الشأن السياسي المحلي.. لكن تفاجأتُ بوجود نفس الاسم في أكثر من مجموعة.. تتكلم بطريقة تشعرك أنها رجل! وفي إحدى المحادثات الجماعية قامت بتهديد أحد الأعضاء بمجرد أنهما اختلفا في الرأي!
تُقلِّد الشباب في جميع الحركات بحيث أنك تشك في كونها رجلًا متنكرًا باسم بنت! تخرج من بين كلماتها بعض الكلمات اللا أخلاقية وتوصلك لنتيجة أنها غير متربية  -مع احترامي الطبيعي لكل امرأة نصادفها في الإنترنت- يقوم بعضهن باستغلال احترام المجتمع للسيدات بشكل عام عن طريق إظهار ذكورتهم (مرضهم)على الآخرين. قد يقع البعض في خطأ القبول التدريجي لتلك الحالات من باب الاحترام وأن المجتمع يحثنا على احترام النساء.. لكن القبول بهؤلاء كالمرض الذي يسري انتشاره في المجتمع. فعندما تخرج البنت من أنوثتها وعفافها وتستخدم اسم مستعار، بشكل طبيعي ستقوم بنفس التصرفات في خارج الشبكات التواصل الاجتماعي.


كثيرةٌ هي أسباب انتشار هذه الظاهرة الغريبة في المجتمع، وقليل من تلك الحالات سببها نقص في الهرمونات في مرحلة الطفولة. لكن أكثر الأسباب راجعة لعُقَدٍ اجتماعية ونفسية وأهمها هي الاسرة.


الفتاة بشكل عام تحتاج للحنان والعطف الأسري لتشعر بالأمان في محيط أسرتها، وإذا لم تشعر بذلك الأمان بشكل طبيعي ستحاول الدفاع عن نفسها بأسلوب الرجال، فلا تجد نفسها إلا بين صراعات وعنف بين أسرتها وبالخصوص بين الأب والأم..  كون الأم في حالة ضعف في أغلب الأحيان فإن ذلك يدفع بالفتاة لرفض دورها كأنثى في تلك الأسرة والمجتمع، فحرمانها من الاهتمام في الاسرة يدفعها لاتخاذ طريقة البويه لجذب الانتباه والاهتمام.
 
التصدي لتلك الحالات ورفضها  ليس كأشخاص بل كمرض مرفوض مجتمعيًا مهم جدًا وعدم القبول به في المجتمع الإسلامي واجب.


لنجعل الضرب آخر الحلول، فاستخدام القوة أو عزلهم عن المجتمع ليس علاجًا لتلك الحالات فقد تكون لتلك الأفعال مردودًا عكسيًا يدفعهن للاستمرار في حالتهن. التركيز على الوازع الديني هو في وجهة نظري أفضل وأسهل الطرق للحل مع ترسيخ حكمة الله  في خلقهم كإناث..فالذكر يبقى ذكرًا، والأنثى تبقى أنثى، بل ويجب عليها أن تفتخر بكونها تنتمي إلى الجنس الأنثوي.
 
 
18 أكتوبر 2014