Saturday, February 7, 2015

على ضفاف الذكريات (10) // ز.كاظم

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

بداية السكن خارج المعهد:

قررنا - فيصل وأنا - أن نسكن خارج المعهد بالقرب من المركز الإسلامي نظرًا لوجود أغلب الطلبة الخليجيين من القطيف والإحساء في تلك المنطقة. هذه المنطقة تُسمى مدينة بيفرتون وهي تبعد قرابة النصف ساعة عن مركز مدينة بورتلاند. وبينما كنّا نبحث عن شقة، طرح علينا الأخ أبو محمد فكرة السكن معه مبدئيًا كونه يسكن لوحده بعد أن أرجع زوجته وأولاده إلى القطيف، فوافقنا على ذلك المقترح.



كانت تجربة السكن مع الأخ أبي محمد رائعة ومثمرة، وقد تعلمنا منه الكثير نظرًا لوجوده قبلنا في أمريكا بسنتين أو أكثر، وهو من الطلبة المبتعثين من شركة أرامكو السعودية وكان يكبرنا سنًا وقد أحاطنا برعايته وعنايته. يُعتبر أبو محمد من الطهاة الماهرين وقد تعلمنا طرق الطبخ على يديه، ومن الملفت للنظر أنه يقوم بعدة أمور في آن واحد حين يعدّ الطعام، فتراه يتحدث إليك، ويطبخ، ويغسل الأطباق، بل أنه لا يترك المطبخ إلا وهو نظيفٌ جدًا. كذلك فإن شقته ملتقى أصدقائه من الطلبة، ففي كل ليلة من ليالي الأسبوع يسهرون في المذاكرة وحل الواجبات. أما ليالي الويك إند، فإن الشباب يلتقون في هذه الشقة - كونها شقة العزاب - للسهر وتبادل أطراف الحديث. وكان أبو محمد شغوفًا بالسياسة ومتابعة الأخبار أولًا بأول، لذلك تراه خصوصًا في الأحاديث السياسية مطلعًا جدًا ويشدّك بتحليلاته السياسية، وكان أيضًا يمتلك روح الدعابة والمرح. لم نمكث مع أبي محمد فترة طويلة، إذ استأجرنا - فيصل وأنا - شقة في نفس السكن.


السيارة:

صديقي فيصل لم يكن مقصرًا في إيصالي إلى أي مكان أريد، إلا أنني بدأتُ أشعر بضرورة أن تكون لديّ سيارة خاصة بي خصوصًا أننا على مفترق الالتحاق بالدارسة الأكاديمية مما يعني اختلاف الجامعة أو الكلية، وكذلك اختلاف مواعيد المحاضرات. لذلك قررتُ أن أبحث على سيارة بسعر معقول. كان في المركز الإسلامي إيرانيٌ يُسمى حسن أكبري، وهو رجل كبير السن يقوم بتوفير اللحوم الإسلامية في المركز وله خبرة في السيارات وأسعارها. أخبرته عن رغبتي في شراء سيارة رخيصة مستخدمة. اشتريت سيارتي الأولى عن طريق أكبري وكانت عبارة عن "ستيشن واجن" أطلق عليها فيصل مُسمى "الأسطول" لكبر حجمها، وبالرغم من قِدَمِها إلا أنها كانت مريحة جدًا، لكن فيها علة واحدة حاولتُ مرارًا أن أصلحها بدون جدوى. أخبرتُ أكبري عن علتها، فاسترجعها وجاء لي بسيارة ظلت معي طوال سنوات مكوثي في بورتلاند.. سيارة قديمة جدًا، داتسون موديل سنة 1979 ذات لون بني داكن كلفتني حوالي الخمسة مئة دولار. كانت هذه السيارة موضع سخرية من فيصل لكنه بعد سنوات وفي لحظة صفاء ذهن اعترف لي بأن صفقتي في شراء هذه السيارة أفضل بكثير من تجاربه مع سيارات دفع فيها مبالغًا كبيرة، لكنه لم يتوفق فيهم.


الغريب فعلًا أنني لم أتعرض إلا لمشاكل بسيطة مع هذه السيارة، وغالب المواطنين في تلك الفترة وتلك المنطقة كانوا يقتنون سيارات قديمة لكن أداء السيارات جيد، ويرجع السبب في ذلك إلى طقس المنطقة، فهو غير حار مما يؤثر سلبيًا على أداء السيارة. إنّ الشعور الذي تملكني حين اقتنيت هذه السيارة هو شعور بالحرية والراحة.. على الرغم من أن فيصل لم أشعر منه يومًا بمنّة في توصيلي إلى أي مكان، بل كنا نقضي معظم الأوقات نتسامر ونتحادث مع بعضنا البعض ذهابًا وإيابًا، إلا أن الإحساس بامتلاك سيارة شعور لا يوصف. هذه السيارة أقلتني للكثير من المناطق ولي معها مغامرات كثيرة. ومن الصدف الغريبة أنه في أحد الأيام سمعتُ طرق الباب، ولما فتحته وإذا برجلين ضخمين من الإف بي آي (شرطة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية).. سألوني عن صاحب السيارة السابق، وهو إيراني يبدو أن ملفه عندهم. قلتُ لهم لا علم لي به، وأخبرتهم أنني اشتريت السيارة عن طريق وسيط. بعد إجابتي على أسئلتهم مضوا إلى حيث أتوا..


تم سرقة السيارة العزيزة على الرغم من شيخوختها مرتين، وفي إحداهما وجدوا سكرانًا نائمًا فيها، إذ يبدو أن السارقين بعد أن سرقوا منها المذياع ورموا أشرطة الكاسيت والتي أغلبها عزاء أو محاضرات، تركوها في أحد الشوارع فجاء هذا السكير ودخل فيها ونام.. وقد قام السارقون بكسر مشغّل السيارة وكنتُ أقوم بتشغيلها بدون مفتاح لفترة طويلة وذلك عن طريق استخدام مفك البراغي حتى تمكنت من شراء مشغّل جديد لها.

لم أتذكر أنني غيّرتُ فيها الزيت لعدة سنوات، بل كل ما أفعله أنني أضيف الزيت كلما نقص. حتى أن أحد الأصدقاء تبرع بتغيير الزيت لسيارتي واستغرب من تجمّد الزيت فيها وكيف أنها لا تزال تعمل على هذه الحالة. لكن للأسف، بعد عملية تغيير الزيت هذه، ظهرت المشاكل فيها. لحسن الحظ أنني كنت على وشك ترك المدينة للانتقال إلى مدينة دراسية أخرى، وقد أعطيتها لأبي حيدر ليستفيد منها، وقد علمتُ أنه لم يتوفق فيها بتاتًا. فأول ما أخذها مني حصل على مخالفة، ثم بعد أٍسبوع عمل حادث بها، فعاجل ببيعها على عراقي آخر بعد أن أصلحها.. لم يهنأ العراقي بها، إذ عطبت الماكينة بعد فترة وجيزة، وعلى إثرها قرأتُ الفاتحة على روحها.


رخصة القيادة:

عندما اشتريت السيارة لم يكن معي رخصة قيادة.. وقد استمريت على هذه الحالة لمدة سنتين. بعدها وفي إحدى المرات أوقفني شرطي المرور، فسألني عن رخصة القيادة فقلتُ له ليس عندي رخصة قيادة. فسألني عن البطاقة الشخصية، ولم تكن معي.. فخاطبني بلهجة صارمة: "إذًا ستذهب إلى السجن". قلتُ له أنه يوجد معي دفتر شيكات وعليه اسمي وعنواني. أريته دفتر الشيكات ولا أعلم كيف قَبِل بذلك الدفتر بأن يكون بطاقة تعريفية بي. إلا أنه أعطاني ثلاث مخالفات. الأولى: السياقة بدون رخصة، الثانية: عدم امتلاكي تأمين للسيارة (وقد بدأ للتو التأمين الإلزامي)، والثالثة: انتهاء التسجيل للسيارة. بلغت قيمة المخالفات الثلاث قرابة الثلاثمائة وخمسين دولارًا، حينها قلتُ في نفسي: حان الوقت لاستخراج رخصة القيادة.

يتطلب الحصول على رخصة القيادة تقديم اختبار نظري وآخر عملي. أما النظري فهو عبارة عن اختبار بالكمبيوتر لعشرين سؤال، ولكل سؤال أربعة إجابات. وأما العملي فهو أن تُختبر بسيارتك مع موظف في إدارة الرخصة والقيادة. قدّمتُ الاختبار ونجحت واستخرجتُ رخصة القيادة. وقمتُ بتجديد تسجيل السيارة والتأمين عليها.



المحكمة:

قررتُ أن أذهب إلى المحكمة ومع أني كنتُ خائفًا، إلا أن المبلغ المقرر عليّ دفعه للمخالفات كثيرٌ جدًا وهناك احتمال أن يقوم القاضي بتخفيض قيمتها. كانت تلك أول مرة أدخل فيها المحكمة، وقد قمتُ بالسؤال عن لوجستيات المحكمة فقيل لي أن عليّ أن أخاطب القاضي بصيغة معينة وأن أحاسب في طريقة وقوفي وحركاتي. دخلت القاعة وقد كانت ممتلئة بالمخالفين من أمثالي، وهذا جعلني أشعر بأنني لستُ المذنب الوحيد، فغيري كثير ولله الحمد. كان القاضي قاضية.. لاحظتُ طريقة تعاملها مع القضايا، فالذي يقرّ بذنبه ولا يجادل تكون متساهلة معه، أما مَن يُبرر ويجادل فهي شديدة وقاسية معه.

جاء دوري ونودي علي.. وقفتُ أمامها صامتًا وهي تنظر إلى أوراقي، لم ترفع بصرها إلي، بل خاطبتي وهي لا تزال تنظر في الأوراق. زهير كاظم، أراك قد حصلت على رخصة القيادة، وجددّت التسجيل وأمّنت السيارة، فماذا تريد أن تقول؟ قلت: لا شيء يا سعادة القاضية. رفعت ببصرها نحوي وابتسمت وقالت الحكم فلم أسمعه جيدًا لأني كنتُ مرتبكًا.

خرجتُ لأدفع قيمة المخالفات، فقال لي كاتب المحكمة في قسم المخالفات: ثلاثة عشرة دولار. قلتُ: كم؟ قال: 13 دولار، فقد قامت القاضية بإسقاط مخالفتي الرخصة والتأمين، وخفضت مخالفة التسجيل من 31 دولارٍ إلى 13 دولار. دفعت قيمة المخالفة وخرجتُ من المحكمة مسرورًا. 


الحياة الأكاديمية:

بعد قضاء أربعة فصول في معهد اللغة، حان الوقت للدخول إلى معترك الحياة الأكاديمية، وقبل ذلك أود أن أوضح أن الفصل الدراسي في أمريكا على هيئتين: الأولى نظام الربع "الكوارتر" وهو نظام الأربعة فصول "الخريف، الشتاء، الربيع، الصيف" وتكون الدراسة في كل فصل منه حوالي الشهرين والنصف مع عطلة أسبوع أو أسبوعين بين الفصل والآخر، وهو نظام معمول به في القليل من الكليات والجامعات، أما الثاني وهو الأكثر شيوعًا، فهو نظام "السيمستر" وهو نظام الثلاثة فصول: "الخريف، والربيع، والصيف" ويستغرق حوالي الثلاثة أشهر والنصف.

والطالب إما أن يكون مبتعثًا (وهناك مستويات مختلفة من الابتعاث)، أو يدرس على حسابه الخاص مثلي. في الغالب يضطر الطالب أن يلتحق بكلية لمدة سنتين لإنهاء المواد الأولية من الدراسة ثم يلتحق بعد ذلك بالجامعة والسبب في ذلك أن مصاريف الجامعة عادة ما تكون باهظة الثمن (تقريبًا ثلاثة أضعاف مصاريف الكلية).. كانت هناك كلية يدرس فيها أغلب الطلبة الخليجيين واسمها "كلية بورتلاند"، وكانت قريبة من منطقة سكني، بينما توجد كلية أخرى بعيدة باسم "كلية كلارك" في الولاية المجاورة (واشنطن) بمدينة فانكوفر، وكان الطلبة الخليجيون أقلية في هذه الكلية. كانت المسافة إلى كلية كلارك قرابة الساعة إلا ربعًا.

قررتُ أن ألتحق بالكلية القريبة مني ولكن...
 
يتبع في الحلقة القادمة..


7 فبراير 2015
 

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (15) - "مناقشات وردود (6) / التنظيماتُ الحُقوقِيَّةُ والنقَابِيَّة" // محمد علي العلوي

• في البدء ملاحظة:
يقع عنوان (مناقشات وردود) مرحلة ثانية من مراحل ثلاث تشكل سلسلة (الشُيُوعيَّة وإنْ غابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُهَا)، وهي مرحلة تعني بالتفكيك دون التركيب، وهذا الأخير سوف يأتي في المرحلة الثالثة من السلسلة إن شاء الله تعالى، ولذلك، أطلب من القارئ الكريم عدم الاستعجال، فالحلول والبدائل تأتي تاليًا بحوله وقوته عزَّ وجلَّ.

• مقدِّمة:
هذا خلقٌ بشريٌّ قائم، فيه الحَسَنُ من قِيَمٍ ومَلَكَاتٍ إنسانية مثل العدل والشجاعة والتسامح وحبِّ الخير، وفيه القَبِيِحُ، وهو الضِدُّ المباشر حتميُّ التحقق بمجرد ارتفاع الحَسَنِ؛ فترك الإنسان لممارسة العدل هو بالضرورة ظلم، وإن التزم داره وصام عن كل علاقة اجتماعية، ولذلك كان الساكت عن الحقِّ شيطان أخرس، غير إنَّ هذه القاعدة الأخيرة، ولمَّا فُسِّرتْ بحسب بعض الثقافات، أو كأثرٍ لها، عادَ عَدَمُ السكوت عن الحَقِّ توغُّلًا في الشيطَنَةِ بدل أنْ يكون فِرارًا منها!

إنَّه لا معنى لحصرِ (عدم السكوت) في الصِرَاخ، وهو كذلك في مختلف القضايا الإنسانية، ومنها قضية المطالبة بالحقوق التي يُطلق عليها عنوان (الحقوق المدنيَّة) تارة، و(العمَّالية) تارة أخرى، و(الأساسية) و(الطبيعيَّة) وما نحوها..

- هنا معادلة واضحة:
عندما يكون الغاصِبُ للحقِّ ضعيفًا، فإنَّ دفعه سهلٌ يسيرٌ، ولكنَّ هذا الضعيف نفسه، عندما يتحول إلى موقع القوَّة، فإنَّه يعمل على تحصين نفسه من جهة، وإحكام قبضته (الرادعة) لكُلِّ من (تُسوِّل) له نفسُه المطالبة بحقِّ من حقوقه.

تضعف القدرة على مواجهته؛ فالمواجهة مكلِفة، ولن يرتدع، والتاريخ يشهد بأنَّ القويَّ لا يكسره إلَّا الأقوى، وقوة القنبلة التي تدمر العشرات، لا تقدر عليها إلا أخرى تماثلها، ولذلك فإنَّ انحدار القويُّ وتسافل القيم عنده، لا يكسره (بحسب موازين البشر) إلَّا تسافل يوازيه أو يطغى عليه، ومن هنا كان القضاء على البرجوازية غير ممكن إلا بدكتاتورية البروليتاريا.

يقول فلاديمير لينين:
"إنَّهم يخافون من الاعتراف بأنَّ ديكتاتورية البروليتاريا هي أيضًا مرحلة من مراحل النضال الطبقي المحتوم طالما لم تُمح الطبقات، والذي تتغيَّر أشكالُه وتشتدُّ ضراوتُه وحِدتُّه، ويغدو جِدَّ أصيل في الأزمنة الأولى التي تلي إسقاط الرأسمال. إنَّ البروليتاريا لا تكفُّ عن النضال الطبقي بعد الإستيلاءِ على السلطة السياسيَّة، إنَّما تواصِل النِضال حتى محو الطبقات، ولكن طبعًا في أحوال أخرى، بِشكل آخر، بوسائل أخرى" (الحوار المتمدن-العدد: 2933 – 3 مارس 2010 ميلادية).

هذا محور من محاور معادلة المواجهة، وأمَّا المحور الثاني فهو تطويع المطالبة بالحقوق لمصلحة أمرين يتضحان تاليًا إن شاء الله تعالى.

هذا حقِّي أطالب به.. هذا حقِّي أنتزعه.. هذا حقِّي أحميه من أن أُغْصَبَه..

هي عناوين قديمة قِدَم المجتمع البشري، ولتحقيق مضامينها برزت الكثير من الأفكار كان من أكثرها تداولًا ورعاية أمميَّة، فكرة التنظيمات المدافعة عن (حقوق الإنسان)، وفي الغالب، تقوم هذه التنظيمات على أدبيات صريحة واضحة، تأتي في مقدمتها (سلميَّة المطالبة على طول الخط)، ولأنَّ السلميَّة في (المطالبة) لا تعني شيئًا للظالم الغاصب المستبد الجائر، فإنَّ أساليب المواجهة فيها عادة ما تكون مقدِّمة لتحول مفهوم المطالبة من حَقٍّ يُراد استخلاصه، إلى وظيفة تخصُّصِيَّة لها قوانينها وأصولها الموضوعة بحسب موازين فلسفيَّة ثابتة، قد لا يكون العامل في مجال (حقوق الإنسان) ملتفت إليَّها، ولكنَّ الذي أعتقده هو إنَّ (منظومة الأدبيات الحقوقيَّة) هي في الواقع ثقافة مقصودة تستند إلى (ثوابت) فلسفية لها جذرها التاريخي.

أتمكن باطمئنان، من الربط بين الثقافة العامة لحقوق الإنسان اليوم، وبين عقيدة الفيلسوف الألماني فويرباخ (1804 – 1872)، الذي يرى الألوهيَّة في الإنسان، ولا شيء سواه، وفي هذه النتيجة الفلسفيَّة تتحد معه النظرية الليبرالية، وهي فلسفة سياسيَّة تقوم على قيمتيّ الحرية والمساواة.

- فلنتأمل بشكل جيِّد أطراف المعادلة:
الطرف الأول: دول تمارس الدكتاتورية والاستبداد بروح واحدة وأشكال مختلفة، فتلك التي تدَّعي الحريَّة، فإنَّ الحريَّة عندها ليست أكثر من تمثال ينتصب بتاج يعلوه وشعلة هي في أدبياته الراية، وما دونه، سجون وتحقير وبيع للأجساد ومتاجرة بالعقول، وكلُّها باسم الحريَّة والانفتاح.

الطرف الثاني: شعوب ممنوعة من حقوقها، ومنها من هو ممنوع من حقِّ المشاركة السياسيَّة، ومنها الممنوع من حق التفكير الإبداعي خارج المنظومة السياسيَّة العليا، وهناك الممنوع من حقوقه الاقتصاديَّة والاجتماعية وغيرها، فكلُّ حكومة تمارس الغصب بما يناسب عقليتها.

الطرف الثالث: انقسام المجتمعات من حيث المطالبة بالحقوق إلى ثلاث فئات رئيسية:
الأولى: فِئَة مُخدَّرة، ولا تتمكن من التفكير في أكثر من معاشها وبأي مستوى يتاح لها، فهي تمشي بدائها ما مشي بها، دون أدنى دافع لتغيير.

الثانية: فِئَة غير قادرة، أو إنَّها لا تريد التفكير في غير عنوان المواجهة المباشرة وانتزاع الحقوق بالقوة، وهذه هي الملامة دائمًا؛ فإن ضُرِبت بيد البطش، كان ذلك مُبَرَّرًا بكونها تشكل تهديدًا على الأمن الداخلي وما نحو ذلك من عناوين سياسية معروفة.

الثالثة: الفئة المدافعة عن (حقوق الإنسان) بحسب المواثيق الدولية المقرَّرة في الأمم المتحدة، وهي وإن تعدَّدت توجهاتها، إلَّا إنَّها تجتمع في الفلسفة الليبرالية في خطوطها الكليَّة العامة.

عندما ننتقل إلى المشاهدة الخارجية، فإنَّ ما نراه هو ملفات (حقوقيَّة) تتضخم مع كل حركة لها من دولة إلى دولة، ومن طاولة إلى أخرى، ومن منصَّة إلى ثانية، وفي كل لحظة تبدي المنظمات الحقوقية (قلقها)، ويكون توثيق الانتهاكات من ظلم وجور وسفك للدماء، انجاز بطولي قام به (الموثِقون)، وبه استحقوا الترميز، ثم يتجدد المشوار بانتهاكات جديدة وتوثيقات جديدة وقلق جديد، وهكذا..

بهذه المعادلة تُؤَمِّنُ حُكُوماتُ البطش والاستبداد وجودَها بنفس الأداة التي يُؤمِنُ الليبراليون بها طريقًا لنيل الحقوق، ثُمَّ لهذه التركيبة الحقوقيَّة دور آخر يأتي عندما تقرر الدول العظمى إزالة نظامٍ من أنظمة الحكم، فإنَّها تلجأ إلى اتخاذ قرار أمميِّ يستند على ملفات حقوقيَّة سابقة!

• ملاحظة مهمَّة: تشرفتُ بالتعريف على عدد غير قليل من العاملين في حقل حقوق الإنسان في بلدنا، ولم أجدهم إلَّا خيِّرين طيِّبين محبِّين للخير، فما أناقشه هنا إنَّما هو الفكرة، ولا علاقة للأمر بالشخصيات على الإطلاق.

تبقى عندنا الفئة الثانية من الطرف الثالث، وهي المعروفة بعنوان (الثوريَّة)، وفي نظري، هي الخطُّ الذي تدفع به الشيوعيَّة أمام خطِّ آخر تطلق عليه عنوان (النضال)، وهذا تنظيم أرى المُنّظِّرَ الشيوعي قد استحدثه بعد السقوط العنواني للاتحاد السوفيتي في نهاية (1991م)، فالمُنَاضِلُ اليوم هو الذي يفرغ نفسه لتحمل هموم الناس في الأطر الحقوقيَّة، التي كلَّما زاد تمسكُه بها، كلَّما علا نجمه بين الناس، وأمَّا (الثوري)، فهو الذي اختار طريق المواجهة المباشرة بالقوة، وعليه يعتمد المناضل الحقوقي في تحقيق أعلى مستويات المهنية في الملف الحقوقي الذي يحمله.

يتَّضِحُ الأمران، فالأول هو حماية الظلم مقصدًا للرأسمالية، واستغلالها مقصدًا للماركسية، وأمَّا الثاني، هو تخدير المطالبات وتحريكها في الاتجاه الذي يفرضه ديالكتيك الرأسمالية والشيوعيَّة.

• النقابات والتعاونيات:
تنتشر في مجتمعاتنا ثقافة النقابات والتعاونيات كمَعْلَمٍ من معَالِم التحضر والرقي، وقد يكون هذا صحيحًا في نفسه، ولكنَّ الذي ينبغي لنا تتبعه بِدِقَّة هو مهارة الآخر في استغلال الواقع القائم لمصلحته، ومن أمثلة هذه الاستراتيجية المتقدِّمة، التوجه الشيوعي لاستغلال المنظمات النقابية والتعاونية بقوة وعن دراسة واهتمام، وقد جاء في مُقرَّر المؤتمر الثاني للشيوعيَّة الأمميَّة:

"يقرر المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية أن شروط القبول في الأممية هي التالية:

1- ينبغي أن يكون للدعاوة والتحريض اليوميين طابع شيوعي حقا، وأن يتفقا مع برنامج الأممية الثالثة وقراراتها، وأن يحرر كامل صحافة الحزب شيوعيون حقيقيون، أثبتوا تفانيهم في سبيل قضية البروليتاريا. ولا يحْسن الحديث عن الديكتاتورية البروليتارية كصيغة محفوظة ورائجة، بل يجب أن تتم الدعاوة بشكل يظهر ضرورة هذه الديكتاتورية لكل شغيل، لكل جندي، ولكل فلاح، عبر وقائع الحياة اليومية نفسها المدوّنة في صحافتنا. إن الصحافة الدورية أو غيرها وجميع مصالح النشر يجب أن تخضع كليا للجنة المركزية للحزب، أكان هذا الحزب شرعيا أو غير شرعي. فمن غير المقبول أن تسيء أجهزة الدعاوة استخدام الاستقلالية، من أجل اتباع سياسة لا تتفق مع سياسة الحزب. في أعمدة الصحافة، وفي الاجتماعات العامة، وفي النقابات، وفي التعاونيات، وفي كل مكان يصل إليه أنصار الأممية الثالثة، عليهم أن يفضحوا بشكل دائم ودون شفقة ليس فقط البرجوازية بل المتواطئين معها أيضا، الإصلاحيين بمختلف تلاوينهم.

2- على كل تنظيم يرغب في الانتساب إلى الأممية الشيوعية أن يبعد الاصلاحيين و«الوسطيين» بانتظام وبشكل دائم عن المراكز، التي تفرض ولو حدا أدنى من المسؤولية (منظمات الحزب، التحرير، الكتلة البرلمانية، التعاونيات والمجالس البلدية)، وأن يستبدلهم بشيوعيين مجربين – دون أن تخشى أن يكون عليه، خاصة في البداية، أن يستبدل مناضلين مجربين بشغيلة متدرجين.

3- يدخل الصراع الطبقي في جميع بلدان أوربا وأمريكا تقريبا مرحلة الحرب الأهلية، ولا يمكن الشيوعيين ضمن هكذا شروط أن يثقوا بالشرعية البرجوازية، وعليهم أن يخلقوا في كل مكان بموازاة التنظيم الشرعي، جهازا سريا قادرا على تأدية واجبه في اللحظة الحاسمة تجاه الثورة. وفي جميع البلدان حيث لا يتمكن الشيوعيون من تطوير نشاطهم بأكمله بشكل شرعي، بسبب حالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية، يصبح الجميع بين النشاط الشرعي والنشاط غير الشرعي ضرورة أكيدة.

4- إن واجب نشر الأفكار الشيوعية يفرض ضرورة اتباع دعاوة وتحريض منظمين ومستمرين بين الجنود، كضرورة مطلقة، وحيث تصعب الدعاوة العلنية بسبب القوانين الاستثنائية، يجب أن تتم بشكل غير شرعي، ورفض ذلك يعني خيانة الواجب الثوري وهو بالتالي لا يتناسب مع الانتماء للأممية الشيوعية.

5- هناك ضرورة للتحريض العقلاني والمنهجي في الأرياف. فالطبقة العاملة لا تستطيع أن تنتصر إذا لم تكن مدعومة على الأقل بجزء من شغيلة الأرياف (المياومين الزراعيين وفقراء الفلاحين) وإذا لم تحيّد بسياستها جزءا على الأقل من الريف المتخلف. إن النشاط الشيوعي في الأرياف يكسب في هذه المرحلة أهمية رئيسية ويجب أن يقوم به العمال الشيوعيون الذين لهم صلة بالأرياف. إن رفض القيام بهذا العمل أو إسناده إلى أنصاف إصلاحيين مشكوك فيهم، يعني التخلي عن الثورة الاشتراكية."

(أقترح على القارئ الكريم الاستفادة من قراءة المقرر كاملًا على موقع (الماركسيون): https://www.marxists.org/arabic/marxism/politics/international/congress_2.htm#09)

ليس من الوارد أن نرى الراية الشيوعيَّة مرفوعة على طاولات النقابيين، فهذا أمر بعيد في هذا الطور بحسب الرؤيَّة الشيوعيَّة، ولكنَّ الذي ينبغي التركيز عليه، هو تفحُّص الشعارات والنظريات التي ينطلق منها العمل النقابي، ثم العودة للبحث في النظريات السياسية والاجتماعية التي عصف بالمجتمعات البشريَّة، وخصوصًا في عصر التنوير.

* نظرية المؤامرة:
سمعتُ كثيرًا عن من يؤيد نظرية المؤامرة، ومن يُنكِرها، وفي الواقع ليس هناك ما يسمى بنظريَّة المؤامرة، ولكن هناك من يُخطِّط عن دراسة ووعي، ثُمَّ يُنفِّذ، وإن راق للبعض تسميتها بالمؤامرة، فهي كذلك، وعلى أيَّة حال، فإنَّني لم أجد من يتحرك خارج إطار المخطط العالمي، ولك أن تسمِّي ذلك مؤامرة، وإن شئت فسمِّه صدفة، فإنَّ ذلك لن يغير من الواقع شيئًا.

ويبقى سؤالان أطرحهُما الآن وفي خاتِمَة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:
بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَ المعصومين (عليهم السلام)؟
هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟
نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى..
7 فبراير 2015

Friday, February 6, 2015

كوني أُنثى// أم حسين

 
 
لأنَّها امرأةٌ.. لأنَّها أنثى..
 
تفنَّنت ريشة المِفَنِّ الإيطالي  المشهور ليوناردو دافنشي فأبدعتْ لوحةً اعتُبِرتْ من أروع اللوحات على مر التاريخ؛ جسَّد فيها تقاطيع  وجه امرأة تدعى موناليزا، وقد أخذت من سنين التاريخ مسحة من سبعٍ حتى تكتمل في ملامحها النهائية (منذ عام 1503 إلى عام 1510مـ).
 
نظرتها الغامضة.. ابتسامتها الساحرة..
أصبحت محطَّ اهتمام الكثير من الدراسات، وسببًا في اشتهارها على مر التاريخ.
 
إنَّه جمال المرأة الأنثوي.. إنَّه الأسطورة التاريخية التي تغنَّى بها الكثير من الشعراء، وتفنَّن برسمها ونحتها الفنَّانون، ولطالما كانت ملهمةً للروائيين.
 
يُعرَّفُ الجمال بأنَّه «صفة تلحظ في الأشياء فتبعث في النفس سرورًا ورضًا»
 
والجمال الأنثوي له مقاييس خاصة عرفها الشاعر امرئ القيس بقوله:
مهفهفة بيضاء غير مفاضة
ترائبها مصقولة كالسجنجل
 
وصفٌ جماليٌّ عام يقدِّمه امرئ القيس..
"امرأة دقيقة الخصر ضامرة البطن غير عظيمة البطن ولا مسترخية، وصدرها برَّاق اللون متلألئ الصفاء كتلألؤ المرآة" (1)
 
إنَّه من الطبيعيِّ إذن، أن تنمو مشاعر الاهتمام بالمظهر الخارجي لدى الفتاة بالتزامن مع بلوغها وتغير ملامح جسمها، فيتولَّد شغفٌ يدفعها للوقوف أوقات طويلة أمام المرآة، تتجمَّل معجبةً بنفسها وبجمالها الذي بدأ بالتشكُّل والبروز، وهكذا تبدأ الأحلام والأماني بالانتشار في مخيلتها، فتمضي سنوات مراهقتها تخطُّ حروفَ الجمال، وكيف تكون أكثر جمالًا، بل (الأجمل)؟!
 
تغير تارةً تسريحة شعرها، فتأتي مساحيق التجميل لتأخذ محلَّها في هذه المرحلة الجديدة، ثمَّ شراء الملابس، وقد تكون تلك (...)..
 
لم تكن أمِّي تسمح لي بوضع مساحيق التجميل، ولكن شغفي كان كبيرًا، فكنتُ أستغل دخولي للحمام فأحمل معي علبة الألوان المائية، ثمَّ أقفل الباب وتبدأ المتعة الحقيقيَّة  بمزج الألوان على وجهي..
لحظات جميلة سرعان ما تنتهي بطرق الباب!!
 
هذا الولع بإبراز الفتاة مواطن جمالها، يسكن داخلها بقوَّة يصعب إنكارها، ولذلك تراها لا تفوِّت فرصة واحدة لصقلها، وتحاول جاهدةً للمحافظة عليها.
 
هنا موقف..
تقدم العمر بعمَّتي ولم تسعفها قوتها في ذلك الحين على الاهتمام بمظهرها، فكانت لا تطيق النظر إلى المرآة، وعادة ما تردد: "لا أحبُّ أن أرى وجهي في المرآة، فأنا أرى امرأة أخرى)!
 
كانت تغضب عندما ترى إحدى فتيات العائلة غير مرتَّبة ومتزيِّنة، فكُنَّا نحرص على ذلك عند زيارتها تجنُّبًا للتوبيخ.
 
حقَّ لي أن أستغرب، ولغيري أيضًا..
 
لماذا نرى نساء لا يبدين اهتمامًا بما وهبهن الله تعالى من نِعم؟
ألا يعلمن بأنَّ الأنوثة نعمة من أعظم النِعم؟
 
للأسف، نرى خمولًا عند بعضهن، وبحسب تصوري هو نتيجة لربط خاطئ بين طبيعة الاهتمام من المرأة بأنوثتها وبين الزواج، ولذلك نلحظ بعض النساء بعد مرور سنوات قليلة من الزواج وقد نسيِنَ أنفسهنَّ، فيكون كلُّ شيءٍ مقدَّمًا عدا نعمة الأنوثة!
 
(مشغولة، تعبانه، ماليي مزاج، كبرنا على هسوالف) ومن رحم هذه المبررات الواهية تولد امرأة بمظهر آخر لا شبه بينها وبين تلك الفتاة الجميلة.
 
فذاك الخصر الجميل أصبح في خبر كان، واختفى مع الكان شعرٌ مسدول، وتلاشى بريق العيون، وشحبت الوجنات..
 
يقول أحد الأزواج: "إنَّه لا يريد من زوجته أن تكون نجمة تلفزيون، لكنَّه يريد منها أن تهتمَّ بمظهرها تمامًا كما تهتم بطعامها وشرابها وباقي شؤون بيتها"..
 
ويسرد أخر معاناته: "إنَّه يراها في اليوم ساعة واحدة، بحكم عمله، وفي هذه الساعة تسرد له تفاصيل يومها والمشاكل التي واجهتها ولا يجد متَّسعًا من الوقت للحديث معها في أموره الشخصية التي يعتبرها الأهم من شكلها وجمالها"
 
تجمَّلي لنفسكِ أولاً، ولزوجك ثانيًا، ولحياتك ثالثًا، وابحثي بداخلك عن تلك الفتاة ذات الشغف الذي يدعمها بالقوَّة لتقف أوقات طويلة أمام المرآة لتتجمل، وعندَّما تجدينه حافظي عليه، وأضيفي احترامكِ لزوجك، فعدمه تقليل لشأنك وليس شأنه..
 
اختاري الوقت المناسب للحديث معه، لا تنغِّصي عليه يومه بكثرة الشكوى والتذمر، واحذري الإثقال عليه بالمبالغة في احتياجات المنزل..
 
استقبليه بابتسامة و(قبلة)..
دلِّليه كطفل صغير، واحتويه بالاستماع إلى مكنونات صدره، واحتضنيه  كما أمِّه.
أولم تكن سيِّدتنا الزهراء أمَّ أبيها!!؟
 
لا تقبلي أبدًا بغير التميُّز في عينيِّ فارسكِ..
كوني أميرته الجميلة، وإلا سيبحث عن الجمال عند غيرك، فالنفس تصبو دائمًا للأجمل، ولن تهدأ نفسه، وسيبحث عنه في الشارع، المجلات، العمل وكلِّ مكان حتى يجده، فالجمال والرشاقة والأناقة عنوان لا ينبغي الاستهانة به.
 
فكوني أُنثاه دائمًا..
 
أما (أنت) فلي معك وقفة أخرى..
 
 
7 فبراير 2015
_______________________________________________
(1) من شرح معلقة امرئ القيس

كَمْ مِنْ فِكْرَةٍ تُحْرَقُ لِبِنَاءِ مَقَالٍ وَاحِد؟! // أم علي

 
 
أودع الله في كلِّ البشر موطنًا فريدًا، أثبتت الدراسات الحديثة قدرته على منح الإنسان ستِّين ألف فكرة في اليوم.
سبحان الله العظيم، تخيلوا هذا الكم الهائل من الأفكار الذي يستطيع العقل إنجابها في اليوم الواحد، وتخيَّلوا كم من هذه الأفكار نستطيع استثمارها!
 
أحيانًا تراودنا الفكرة يومًا.. فنحتفظ بها على أمل إلمامٍ أكبر بها، فنكتب أو نتحدَّث عنها، ومن اليوم الأوَّل وحتى العودة لطرحها، تخيَّل كم من فكرة زاحمتها، وكم من فكرة ضاعت خوفًا من ضياعها!
 
يُعبِّرون دائمًا عن الأفكار بالبنات فيقال: (بنات أفكاري)، لذا، حريٌّ بنا أن نراعي (بناتنا) ونحسن رعايتهن؛ فعقولنا هي من أنجَّبت، ثمَّ تركت على عواتقنا مسؤولية التربية..
تبدأ الفكرة بريئةً كبراءة الطفولة، ونبدأ في رعايتها ونتذكر دائمًا بأنَّ "كلُّكم راع وكلُّكم مسؤول عن رعيته"، فَنَجِدُّ في البحث ونُحسِن التحليل إلى أن تشبَّ وتبلغ أشدَّها، وتبرز مواطن جمالها..
حينها سوف يأتي من يظهرها، فتكون مشهودةً للعيان..
 
زحمة الأفكار تلاحِقنا..
قضايا اجتماعيَّة.. سياسيَّة.. معضلات أدبيَّة..
خيالات وكتابات عاطفية..
أفكار كثيرة تراودنا..
 
انتقِ من هذا التزاحم فكرةً واحدةً، وأحسن التعبير عنها بدلًا من أن تُزحِم الستِّين ألف فكرة في موضوع واحد يبدو مثقلًا بالفراغ، فيغيب عنه جمال الشكل وروعة الأسلوب وروح المعنى.
 
ليس من الضروري أن تكتب كثيرًا لتثبت قدرتك على العطاء، ولكنَّ المهم وما يراه العقلاء مهمًّا هو نوعية عطائك وكيفية طرحك ومناقشتك له.
 
لا تحسب أنَّ كثرة ألفاظك وثراءك اللغوي إذا ما كان حشوًا دليل ثقافةٍ وفهم!
مخطئ/مخطئة إن اعتقدَّت ذلك..
كلُّ ما عليك هو انتقاء أطيب الأفكار، ثمَّ الوفاء بحقِّها، وسيكون لديك بلا شك مزيدًا من الوقت لمناقشة البقية.. كل على حدة..
 
لا زلت أحفظ بيتا أو لأقل شطرًا لشاعر لا اتذكر اسمه..
 
"أحرق مية فكرة على شان فكرة"..
 
 
7 فبراير 2015

فـــي بيتنا عـــزباء // أبو مقداد

 

تبدأُ بسلوكٍ مُخَتَلفٍ عَمَّا يَعَتادهُ النَّاسُ فِي المُجْتَمَع، بالطَّبعِ ستكونُ شاذًّا عنهُم، فَيُستَهجنُ السُّلوك، وبِما أنَّ مجتمعاتنا تُحبُّ تِكرارَ المَورُوثَاتِ، والالتزَامُ بِما تَنُصُّ عليهِ قُيودُ العَاداتِ والتَّقالِيد بِحذافِيرِها، وأيَّ مُحاولةٍ لمناقشتها / تغييرها / تقييمها يُعتَبرُ تَجاوُزًا للخُطوطِ الحمْرَاء، فإنَّهُ – على الأغلبِ – سَيُرفَضُ هذا السلوك الجديد لأنهُ مُنحَرِفٌ دخيلٌ. مُقاومَةٌ شرِسَةٌ قَد يُواجِهها أي سلوكٍ طارئٍ على المُجتمع، بغض النَّظرِ إن كانَ صحيحًا في أَصلِهِ أم فاسدًا، فالمعيارُ لِمُحاربتهِ هوَ أن يكونَ لا يتَماشَى مَعَ ما نملكُهُ من مَوروثَات، كـ أن ترفضَ سُلوكًا اعتَادَ الآباءُ على تَربيةِ أَبنَائِهِمْ عَلَيه، أو أن تبتكِرَ طَرِيقَةً بَدِيلَةً عَما اعتَادَت عليهِ الأُمَّهات في تَرْبيةِ الأَبنَاء، فَمَن يَجرُؤ - مَثلًا - على رَفضِ القِماطِ كـَ ثابتٍ يُعتقَلُ فيهِ الطفلُ من أول يومٍ في حياتِهِ بِحُجَّةِ تقوِيَةِ عِظامِ الطِّفل؟!
 
وبِطَبِيعةِ الحَالِ فإنَّ هناكَ بعضُ السُّلوكِيَّاتِ الجديدِة التِّي قَد تَمرُّ دونَ أن تُجمرك اجتماعِيًّا، رُبما لأنَّها قَرِيبةٌ من ثقافةِ المُجتمع، أو لا تتعارضُ معها، أو رُبما لأنه كانَ يتمنَّاها.. فبادرَ بها أحد.
 
الانغلاقُ هذا على ما ورِثناهُ من الجيلِ السّابِق، وتورِيثهُ للجيلِ الَّلاحق، سَيجعَلنا أمّةً جامِدة، وفي تكرارِ نفسها رائِدة، ومياهُ تطوُّرها وتقدُّمها راكِدَة، فالبَحرُ الرَّهو يَحتاجُ لعاصِفةٍ تُنعِشه، والتربُ الخَصبُ يحتاجُ لِحارثٍ يقلّبُه، كذلكَ المُجتمعُ يَحتاجُ لعقولٍ تُنيرُه، وأفكارٍ تُثيرَه، ليستمرَّ في الحياةِ والازدهارِ والارتقاء.
 
أنْ نقبلَ ما وجَدنا عليهِ آباءنا الأوّلينَ (فقط) لأنَّا وجدناهُم عليه، يعنِي أن نَستنسِخَ كلَّ تجربتهِم، وحياتهِم، بنجاحِها وفشلِها، بمميِّزاتها ونواقِصِها، وأن نَعيشَ في عامٍ مُتقدِّمٍ بالطريقةِ الّتي عاشوا فيها فِي زمنٍ قديم!
 
طبعًا السُّؤالُ القَافِزُ فَورَ الحَدِيثِ عن هّذهِ المواضيع هوَ: هَل نَنوِي القضَاءَ على كلِّ الموروثَاتِ والعادات والتَّقاليد والأعراف التي تربَّينها عليها؟ والتي تُشكّل أصالتنا وهويَّتنا وكياننا الاجتماعي؟
 
والإجابةُ بضرسِ قاطعِ هِي (لا).
 
فأنا أكتبُ مَقالِي هذا وأنا أؤمنُ بضرورةِ التمسُّكِ بأصَالتِنا وكلّ ما يُشكلُ هَويتَنَا ونَحَافِظُ عَليهَا من لهجةٍ ولباسٍ وسًلوكٍ وغيره، إنَّما دَعوَتِي من خلال هذا المقال هي: أن نُخضِعَ ما نَرثُهُ لآلةِ التقييمِ والمُراجعة ونعرضها عليه، فإن احتجنا لتصحيحهِ صحَّحناه، وإن احتجنا لتغييرهِ غيَّرناه، وإن كانَ صالحًا للاستمرارِ.. يستمر.
 
المغالطةُ الّتي نعاني منها فِي الكَثِيرِ مِن مُجتَمَعاتِنَا، هِي أننا نرفضُ الكثِيرَ منَ السُّلوكِيَّاتِ والأفكار التَّصحيحيَّةِ لِتغييرِ الظواهِر الاجتِماعيّة غيرِ الصحِيحة ونُحارِبُها، ونزعمُ بأنَّ تطبيقَها غير مُمكِن، فِي الوَقتِ الذي نَسْمحُ فيهِ لأدواتِ الغَزوِ الثقَافِي أن تَختَرِقنا، بدرجةٍ قَد تغيِّرُ ما نخشى من تغييرهِ بصورةٍ تدريجية بطيئة، فنَكونُ قد سمحنَا للإفسادِ في الوقت الذي عطَّلنا فيهِ مساعِي التصحيح!
 
وأطرَحُ مِثالًا - وليسمح لي القارِئ - اخترتُ أن أطرحهُ في سياقِ المقالِ عوضًا عن طرحهِ في موضوعٍ منفصلٍ، و لأركِّزَ عليه هنا لما أرى فيه من ضرورةٍ ومشكلةٍ حقيقيةٍ نحتَاجُ لأنْ نُعالِجها.
 
في مسألة الخِطبةِ والزَّواج، المُتعارفُ عليهِ فِي مُجتمعاتنا، هوَ أن تبحَثَ الأمُّ لابنِها عن البنتِ المناسبة التِي تجدُ فيها أفضلَ المواصفاتِ والتي تَصلحُ لأن تكونَ زوجَةً لابنها وتختارُها بِعنايةٍ وحذر، فهذا ابنُها وفلذة كبِدها التي تعِبت في تربيتِه.. لن تُفرِّطَ فيه.
 
حسَنًا أيتها الأمّ الحنُون.. لِمَ لا تحاولينَ الاجتهادَ في البحثِ أيضًا عن زوجٍ لابنتكِ المصُون، والتي تعبتِ في تربيتها أيضًا وبالتأكيدِ تتمنَّين لها الخير؟ وتكتفينَ بانتظارِ خاطبٍ يتقدَّمُ لها، لا تعرفونَه في الغالِب، وتقبلونَ الخطبةَ متمنينَ أن يكونَ هذا الرَّجل صالحًا كما قالَ عنهُ الناس حينَ سألتم عنه، وأن يطابقَ فعلُهُ قولَه في المقابلةِ التي لم تستغرق نصف ساعة بينه وبين ابنتك!!
 
هنا ندخلُ في جدلياتِ عديدةُ فالأمُّ تخجلُ من أن تُصرِّحَ بأن لديها في البيتِ ابنةٌ في عمرِ الزواجِ، حتى لو جاءت (فلانةٌ) وسألتها عن إن كانت تعرفُ بنتًا تصلحُ لابنها ليتزوجها، فهي لَن تُشيرُ لابنتها أبدًا، حتى لا يُقال بأنَّ الأم تُروِّجُ لابنتها كسلعةٍ رخيصة،ٍ وبالفعلِ لو فعلت، لقيلَ عنها: "عفر إلا بتها طايحه في حظها وتبي تمشِّيها"، وأبوها يخشى من المجتمع من أن يشيرَ لابنتِهِ وكذلكَ الأخ والأخت، ولنفس السبب.
والمصيبةُ الأكبر في نظرِي، أن ترفضَ البنت أن يشيرَ لها أيَّ فردٍ من أسرتها ولنفس الأسباب السَّمِجة والتافهة.
 
السؤالُ هنا: ماذا لو تقدَّم لخطبةِ الفتاةِ، عددٌ من الشَّباب، - على سبيل الاحتمال - جميعهم لم يصلُحوا لها لِعيبٍ فيهم؟ طبعًا ستكونُ البنتُ بينَ خيارين:

1- إمَّا أنْ تقبلَ واحدًا منهُم، وهي تعلمُ بأنَّهُ لا يصلُح أن يكونَ زوجًا لها، فتصبر عليه أو تفقدُ صبرَها وتعودُ لمنزل والدها مُطلَّقة.
2- أو أنها سترفضهم جميعهم، فينظر لها المجتمع بتلك النظرةِ المشفقة (مسكينة عنست)!!
 
سواء أعادت مُطلَّقةً أم ظلّت بِلا زواج، سأسألكم: مَن السَّبب؟!
 
طبعًا هنا ستُفعّلُ إجاباتُ الشفقة والمواساة، بأنَّهُ "قضاء وقدر، وكل وحده ما تاخذ إلا زرقها، وعسى عن صلاح يا بنتي" ويتحملُ (اللهَ) عزَّ وجلَّ المسؤوليةَ الكاملةَ حينَ أخلى الأهلُ مسؤوليتَهم لما صنعُوهُ في البنتِ أو ما صنعتهُ هيَ في نفسها، بالرغمِ من أنَّه ليسَ من ضمن تشريعات السماء، أنه يُحرَمُ أو يُكرَه، أن تطلبَ البنتُ زوجًا لها، فضلًا عن أن يطلبهُ لها أبوها، أو أن تطلبهُ أمها.
 
إلاّ أن الأهالي يرفضونَ الحديث في موضوعٍ كهذا، وقد يُعتبرُ قلَّة أدب؛ إذًا فهذهِ تشريعاتُ المجتمعِ وعُرْفه، والموروثاتُ التي تربينا عليها، لا يمكن أن نعبث فيها!!
 
في زمنِ الانفتاحِ الأخير، صار مقبولًا إلى حدٍّ ما أن يأتي الولدُ لأهلهِ، ويخبرهم عن الفتاةِ التي ينوي أن يتزوَّجها، دُونَ أن يُسأل حتَّى عن علاقتهِ بها أو مِن أينَ يعرفها، وإن رُفضَ هذا الأُسلوبُ في بدايتِهِ؛ إلا أنه سرعانَ ما صار أمرًا طبيعيًّا ومقبولًا، وهو الذي يُعدُّ انحرافًا وتجاوزًا كبيرًا في عُرفِ الجيلِ السابقِ وما قبله، ولكن حينَ نتحدثُ عن محاولةِ تصحيحِ قضيةَ الخطبةِ التي ذكرناها في المثال السابِقِ، فإننا سنصطدمُ بجُدُرِ المُستحيلات التي لا يمكن ممارستها، وسيقفُ المجتمعُ بالمرصادِ لتشويهِ سمعةِ من يحاول، وينعتهُ بالسوء!!
 
المقبلات على الزواج، قَدْ يَتَمَنَّيْنَ ما أدعُو له الآن من خلالِ هذا المقال، وقد يُؤمِنَّ بِهِ أَكْثَرَ مِنِّي، ولكنهنَّ سَيَحْرِصْنَ على أن تكونَ هذهِ الأُمنِيةُ والإيمانُ سِرًّا بينَهُنَّ وبَينَ أنفَسِهِنَّ فَقَط، فالبَوحُ بهِ، يعني إما أن تكون البنتُ قليلةَ أدبٍ وتربية، أو أنها تعرضَ نفسها كسلعةٍ بثمنٍ بخس، فكل واحدةٍ منهنَّ تنتظِرَ نصيبَها، وتدعو بأن يتغيرُ هذا العرفً البائِسُ سرِيعًا، وأن لا تكونَ هي ضحية تغييره!
 
هذا مثالٌ على صعوبةِ تغييرِ عُرفٍ ما، توارثهُ المجتمعُ، واعتاد عليه، وإن تأثر الجميعُ من سوئهِ، إلا أن هذا ما وجدنا عليه آباءنا الأولين!
 
بالطبعِ هذا التغيِير يحتاجُ لتثقيفٍ خاص، بالإضافةِ لمبادرةٍ فرديةٍ وجماعيَّة، وكعادتهِ المجتمع قد يَستَهجنُ في بادئ الأمرِ أن يتقبَّل أمرًا لم يعتد عليه، ولكن مع التثقيفِ والمبادرة والإصرار، كما أن السلوك هذا -  صالحٌ كان أم فاسِد - و لو لم يُتَقَبَّلُ في بادئ أمره، إلا أنه مع الإصرار عليه وشيوعه قد يتحول لعادةٍ تُمارس، ثم يتحولُ من عادةٍ لِظاهرة، حتى تتحول في نهاية الأمرِ لعرفِ المجتمع الذي سيتربى عليهِ الجيلُ القادِم، ليكونَ بالنسبة لهُم (عادات وتقاليد)!
 
أختمُ بسؤالٍ، هل مثلما نسمحُ للعادات غير الصَّحيحة أن تخترقنَا وتَتَمَكَّن مِنَّا، نفكِّرُ أيضًا أن نُساهم نحنُ في صناعتها ونتحكم فيها لنصيغها بإرادتنا وكما يدعو له الدين وكما نراهُ صحيحًا؟
 
 
7 فبراير 2015

لا شيءَ حرامٌ // محمود سهلان

 

كان مديرُ الحسابات في الشّركة التي أعمل فيها ـ من إحدى الجاليات الآسيوية ـ يتناقشُ مع أحد زملائي في العمل، وممّا كان يقوله أنّه لا يوجدُ شيءٌ حرام، فإذا احتجتَ أنْ تقتلَ ولك في ذلك مصلحة تقتل، وإنْ احتجتَ لأنْ تسرقَ ولك مصلحة تسرق، وكأنّه يقول أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، فبما أنّه يصل لهدفه عن هذا الطّريق، فإنّه يسلكه دون رادع..!
 
مرّت الأيام والشّهور، وتغيّرت إدارة الشّركة، وجاءت إدّارةٌ جديدة تريد إثباتَ نفسها لملّاك الشّركة دون شك، فبعد أنْ كانت الشركة تعاني كثيرًا، لزم التّعامل بحزم في عدّة جوانب، وعلى رأسها الإدارة المالية، فما إنْ هبّت رّياحها، وإذا بها تقتلع الأخضر واليابس، وما إنْ تمّ التّخلص من الكثير من الإداريين، وإذا بالدّور يصل إلى مدير الحسابات، الذي طار مع الرّياح الشّديدة كما طار غيره..
 
فكما أنّه كان يبرّر تصرفاته ويجوزها، فإنّ الإدارةَ الجديدة أيضًا لها غاياتٌ وأهداف، وتبرّر تصرفاتها من أجل الوصول إليها، وقد تكون أصوبُ أحيانًا.
 
إنّ منطق الغاية تبرّر الوسيلة، منطقٌ ضعيف، ولا ينبغي انتهاجه أبدًا، فإنّ هناك ضوابط وموازين يجب اقتفاء أثرها، وعدم مخالفتها، وعلى رأسها ضابطة مراعاة المصلحة العامة للإنسان، أمّا منطق (الغاية تبرر الوسيلة) فهو ممّا يؤدي للدّمار والخراب في كلّ مكان، فمن يجد كلّ شيءٍ يقوم به مبرّرًا، فإنّه ينهب، ويزني، ويقتل، ويدمر، ويفعل كل شيء إذا تطلبت مصلحته ذلك، وهذا ما قام به الزّميل سابق الذّكر، فإنّه قام بما قام، من أجل مصلحته الشّخصية، وقد كان يشرّع لنفسه كما رأيت، حتى قال: (لا شيء حرام).
 
القضيةُ ليست منحصرةً في الأشخاص، بل هي أكبر من ذلك، فقد تكون في حزب، أو تيار، أو بلد، أو تحالف، أو غيرها ممّا يكون له مصلحة، ومما يدلّ على ذلك ما ينتهجه الكثير من الأحزاب والجماعات، وليس بأوضحَ مما تقوم به داعش، من قتل وتعذيب ودمار، وهي تبرر لنفسها كل ما تفعل بأجمل المبررات، بينما لا نرى منها إلا وجهًا قبيحًا حاولت أن تلبسه قناعًا يواري سوآتها، ولكنّ وضوحها لا يخفى على أحد..
 
قد يأتي من يقول أنّنا يجب أنْ نسعى لأن نكوِّن أنفسنا، ولأنْ نعيشَ حياة سعيدة، بل ومرفّهة، فأقول له ذلك شأنُك ما لم تتسبّب بالأذى للآخر، الذي هو نظيرٌ لك في الخلق على أقلّ تقدير، فلا أستطيع أنْ أبرِّرَ لك ركوب ظهر غيرك، واستغلاله، واستنزاف طاقاته وحياته، والاعتداء عليه وعلى حقوقه، أو على المجتمع، من أجلِ مصلحتك الشّخصية، وأنانيتك المفرطة.
 
ظاهرًا، قد دار حديثي حول الفرد الواحد غالبًا، لكنك عزيزي القارئ قادر على ملاحظة سعة الدائرة التي أتحدث فيها، وعليك التطبيق.
 
 
١٧ ربيع الثاني ١٤٣٦ هـ

كل الأرض ان شئنا لنا وطنا // إيمان الحبيشي

 
 
لكلٍ منا وطنٌ وُلد به، يعرف تاريخ أبويه وأجداده فيه، ينتمي لِقُراه ويتذّكر أيام طفولته على ثراه، ينتمي له لا لأي أرض سواه، تصاغ هويته من مائه وسماه. يتتبع تاريخه ويفتخر باسمه، ربما ينعم على أديمه بالأمن والأمان، وربما يتجرع عليه الويلات، إلا أنه يبقى وطنه الذي يُعلن كل حين بأنه مستعدٌ للموت دفاعًا عنه، مستعدٌ للفناء من أجل بقائه ونماه.
 
السؤال: ما هو الوطن؟ هل هو الأرض؟ أم جملة مترابطة من العناصر تشكل الأرض عنصرًا مهمًا من عناصره؟
 
استحضرني هذا السؤال كثيرًا بينما كنت أسير في شوارع مدينة "مشهد" الإيرانية التي زرتها لأول مرة في حياتي لعدة أيام.. لن أتحدث عن طبيعتها الخلابة التي صوّرها خالق مبدع، لكني سأتحدث عنها كمدينة ذات شوارع غاية في النظافة، تُنْبِؤُك أن النظافة سلوك وثقافة شائعة هناك.
مدينة متطورة تحوي كل ما تحويه مدننا الخليجية المترفة، إلا أن الفرق أننا نستورد كل أدوات التطور من الخارج، بينما هم قد صنعوا أدوات تطورهم، فالطائرة والسيارة من صنع محلي، وكذلك المشروبات الغازية والعصائر، ومن النادر أن تجد مصنوعًا لم يصنع بأيديهم.
في أحد تنقلاتنا داخل المدينة، وبالتحديد أثناء توجهنا لبحيرة "جالديرا" الجميلة، حدّثنا سائق التاكسي عن بلده.. يقول أن الحصار المفروض عليهم قد أثر سلبًا خصوصًا في السنوات الأخيرة، إذ أنه أضعف قوة عملتهم مثلًا، وهو أمر له تبعاته الاقتصادية قطعًا، لكنه استدرك ذلك حامدًا الله وشاكرًا، ذاكرًا حديث شريف للإمام علي عليه السلام : "نعمتان مجهولتان الصحة والأمان".
 
طافت بمخيلتي شوارع قرانا الممتلئة بالآلات العسكرية، حتى ليظن القادم من البعد أنه يعبر بإحدى المناطق الفلسطينية! طوال فترة تواجدي بتلك المدينة، لم أصادف سيارة أمن واحدة! وحين رأيت عسكريين فقد رأيتهم فرادى وبدون سلاح، بينما يسيرون في الطرقات أو يركبون سيارتهم الخاصة.
 
أتذكر أني قلت في سري، أو ربما همست بها لأحدٍ ما: (لو كانت هذه الأرض وطني لافتخرت بها)!
 
إلا أن تلك الأرض ليست وطني!!! تُرى:
 
ما هو الوطن؟ هل هو الأرض؟ أم جملة مترابطة من العناصر تشكل الأرض عنصرًا مهمًا من عناصره؟
 
يقول رب العزة في محكم كتابه :
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)[النساء:97].
 
في تفسير هذه الآية، معنىً أظنه صار مرفوضًا، وإن كان الناس يمارسونه مضطرين؛ الهجرة من أرض تُخضعك، وتعيش بين جنباتها استضعافًا، لأرض تُشعرك بالقوة والمنعة على كل المستويات، أولها الإيمان والعبادة وليس أدناها الشعور بالأمن والحرية. وأجد الأمر جليًا في حديث للإمام علي عليه السلام: (خير البلاد ما حملك)! أي أن البلد الّذي يملك أن يحمل همّك وقضاياك وعزّتك وكرامتك وحريتك ودينك، هو خير البلاد.. أي بلد كان!
 
لقد كان الإسلام مستضعفًا في مكة، فهاجر سيد الرسالة إلى المدينة ليقيم دولة قوية، شكلت التاريخ ولا زالت تشكله رغم كل إرهاصات أبنائها. ببحث بسيط عن الهجرة في الإسلام ستجد أنه مما حث عليه الشارع المقدس (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)[العنكبوت: 56]
 
وهو ما صاغه الشافعي في أبياته:

عجبت لمن يقيم بدار ذل .. وأرض الله واسعة فضاها
فذاك من الرجال قليل عقل .. بليد ليس يدري ماطحاها
فنفسك فز بها إن خفت ضيمًا .. وخلى الدار تنعى من بناها
فإنك واجد أرضًا بأرض .. ونفسك لا تجد نفسًا سواها
مشيناها خطى كتبت علينا .. ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض .. فليس يموت فى أرض سواها
 
فمن أين جاءت مفردة الوطن؟ ما هو الوطن؟ هل هو الأرض؟ أم جملة مترابطة من العناصر تشكل الأرض عنصرًا مهمًا من عناصره؟!!!
 
يقال أن الإنسان كائنٌ اجتماعي، أي أنه لا يقوى على العيش منفردًا منعزلًا، فيحتاج لبني جلدته، يعيش بينهم، يتزاوج ويتعامل ويتفكر معهم وبهم ومن أجلهم، ولذلك خلق الإنسان سلسلة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية، نظمها الشارع المقدس ليتكون من خلالها (المجتمع).. وأجد أن الوطن هو المجتمع الذي بناه الإنسان، والشعور بالانتماء قد يكون شعور بالانتماء لهذا المجتمع، صاحب العقيدة والعادات والأفكار والتاريخ المشترك، وقد تكون الرقعة الجغرافية التي يقع عليها هذا المجتمع، عنصرًا مهمًا من عناصر الانتماء، لكني بدأت أشك أن يكون هو العنصر الأساسي!
 
ربما تختلفون معي كثيرًا، وربما أختلف اليوم مع نفسي بالأمس بينما أبحث عن مفردة (وطن) لأجده أحيانًا سجن يكبلنا فيه من يريد عبر وثائق تافهه يمنحونا إياها صباحًا ليسلبونا إياها مساءً متى استدعت الحاجة لكسر إرادتنا وعزيمتنا!
 
إنما الوطن هو نحن متى ما بنينا وطنًا قويًا، يتمكن من احتوائنا والانتصار لقيمنا ومبادئنا، كنا وطنًا واحدًا من المحيط إلى الخليج، نشكل ثقافات متعددة، فبحراني وبصراوي وحجازي وشامي، يفخر كل صاحب ثقافة بثقافته على سبيل التعدد والتمايز، دون وثائق تسلبنا الحب لكل الأرض!
 
نعم أحب وطني .. لكن كل الأرض إن شئنا لنا وطنًا!


7 فبراير 2015