Friday, April 18, 2014

ستون ثانية لتحديد مصيرك..

من الكتب التي استفدت منها كثيرا في حياتي العملية كتاب "60 seconds and you're hired" لمؤلفته روبن راين.. وهو بالأحرى كتيب صغير يعني بالمقابلة التي يقوم بها طالب العمل للتوظيف في شركة أو مؤسسة ما.. يحتوي الكتاب على الكثير من المعلومات الهامة في هذا المجال، لكن أهميته تتجاوز الحياة العملية فهو يتضمن دروسا مهمة تفيد الإنسان في حياته بصورة عامة.. أطرح في هذه المقالة بعض الأمور التي استفدتها من هذا الكتاب:

ما السر في الثلاثين ثانية؟

أولا: طبيعة المقابلة أنها تحوي الكثير من الأسئلة التي تتطلب إجابات من المتقدم للوظيفة.. والإجابات ليست إلا وسيلة لمعرفة شخصية ومؤهلات وكفاءة الفرد.. الكثير منا تستغرق إجاباته الوقت الطويل لأسباب أهمها أننا نريد أن نبرز كفاءتنا لهذه الوظيفة.. في حين أن مؤلفة الكتاب تشير إلى أن السائل في العادة يفقد اهتمامه بعد ستون ثانية، خصوصا لمن يقوم بهذا العمل من ممارسة طرح الأسئلة على الكثير من المتقدمين للوظائف.

ليس الأمر مقتصر فقط على هذا المجال، بل حتى في تعاملاتنا الشخصية والمجتمعية، هناك من الأفراد من لا يتوقف عن الكلام، فتراه يتكلم ويتكلم وعلى الآخر فقط أن ينصت له من دون اعتبار أن الآخر له حق الكلام أيضا..

ثانيا: في المقابلات تحتاج أن تكون مستعدا لطبيعة الأسئلة التي تطرح عليك.. وبالتالي لابد من الإعداد والتركيز على طبيعة إجاباتك وكيفية تحديد المهم والأهم.. هناك أسئلة عامة عن المتقدم للوظيفة يطرحها الكتاب ويطرح إجاباتها، وهناك أسئلة خاصة تتعلق بطبيعة الوظيفة.. الإجابة على هذه الأسئلة تحتاج إلى إعداد من قبل دخول المقابلة.. طريقة الإعداد تركز على وضع نقاط رئيسية مهمة من ثلاث إلى خمس مع توضيح مختصر عن كل نقطة.

في حياتنا العامة ندخل في حوارات ومناقشات بدون إعداد وتحضير فتتحول حواراتنا إلى مناكفات.. عملية الإعداد والتحضير تتطلب جهدا يوفره الفرد في القراءة والبحث والإطلاع.. فليس من العيب أن تتوقف عن النقاش أو تقول لا أعلم أو أمهلني فترة أقوم بها في البحث والإطلاع.. ولكن العيب كل العيب أن تدخل نقاش وحوار وأنت غير مستعد وتواصل مناكفة محاورك وتضييع وقتيكما معا. وأمر الإستعداد والتهيؤ ليس فقط مقتصر على الحوارات والنقاشات بل يتجاوز جميع أبعاد الحياة.. فحتى الصلاة اليومية تحتاج إلى تهيؤ وإعداد واستعداد لتحقق مردودها الإيجابي عند المصلي..

ثالثا: يركز الكتاب على أن المقابلة ليست إلا كشفا عن شخصيتك.. لاحظ أنك لم تصل إلى موعد المقابلة إلا بعد أن تم التحقق من مؤهلاتك العلمية والعملية من قبل الشركة.. وجاء وقت اختبارك كشخص.. لذلك يتم التركيز على طريقة لبسك، حديثك، حركاتك، أسلوبك.. إلخ.

وهكذا نحن في تعاملاتنا وتحدثنا مع الآخرين إنما نكشف عن شخصياتنا.. فالآخرون يستطيعون قرائتك من طريقة كلامك، أسلوبك، ابتسامتك، حديتك في الكلام، أخلاقك.. ودائما ما نحرص أن نظهر أنفسنا بمظهر جميل ولائق.. ولا أفضل من الصدق مظهرا لشخصية الفرد.

ختاما، ولعل أهم ما في الكتاب هو الثلاثين ثانية.. ثلاثون ثانية قد تكون الفيصل في تحديد مصيرك.. فلا تستهن بها.. أرجو أن وفقت لطرح بعض النقاط الجميلة والهامة في هذا الكتاب..

ز.كاظم
19 إبريل 2014

الفرصة الوحيدة

إن لكل إنسان عمرا مقدرا له، فالبعض يعيش عمرا مديدا، والبعض قد لا يصل لسن البلوغ، هكذا قدرت أعمارنا، ويتفق أننا جميعا لا نعلم متى تحين المنية، ويسد باب العمل، ويحين وقت الحساب، فاليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل.

إذا كانت هذه هي الحال، فنحن أمام فرصة واحدة لا أكثر، وهذه الفرصة لا تتكرر أبدا، وهي فرصة العمر، الواقعة ما بين الولادة والوفاة، فالعاقل لا بد أن يتأمل هذا الأمر جيدا.

في هذه الفرصة لدينا معطيات كثيرة تؤثر علينا، فما قبل الولادة، ونفس الولادة، والتربية، والمجتمع، وغيرها من معطيات تترك أثرها فينا، شئنا أم أبينا.

في الحقيقة لدينا طرق عديدة للتعامل مع هذه الفرصة، فيمكننا أن نسعى لنيل رضا الله تعالى، ويمكننا أن نسعى من أجل الدنيا وما فيها، وهذان هما الطريقان الرئيسيان من هذه الطرق.

قبل كل شيء اجلس مع نفسك، وفكر في هذا العمر - رأس مالك - أين يجب أن تصرفه؟ وفكر في هذه الدنيا، لما خلقت فيها؟ وفكر بما بعد الموت، ماذا ينتظرك هناك؟ ورحم الله امرئ عرف من أين، وفي أين، وإلى أين.

بعد التفكر في حالك ورأس مالك، حدد الهدف، وارسم الطريق، وتزود بما تحتاج، وهيئ الراحلة، ثم انطلق إلى حيث تريد، فإذا اخترت الطريق الصحيح، تكون قد استثمرت هذا العمر، وهنيئا لك النجاة بإذن الله، وإذا اخترت الطريق المقابل، فأنت في خسران مبين، ولن تضر الله تعالى شيئا.

فيا أيها العزيز، تفكر في أمرك وأحوالك، ولا تضيع هذه الفرصة التي لا تتكرر، لنيل رضا الله، وتحقيق السعادة الأبدية، فهل يصح من عاقل تضييع السعادة الأبدية، من أجل لذة زائلة في بضع سنين؟

محمود سهلان
17 إبريل 2014

عندما يكون الإستبداد إرثًا والإستعباد تَرِكَةً

بنظرة فاحصة لما حولنا، نجد الكثير من الأمور تحاك وتدار بحسب الأهواء وما تشتهيه الأنفس وبحسب ما تحمل من خير أو شر، وهناك محترفون يجيدون تجيير وتحويل وقلب الأمور لصالح أمانيهم وأحلامهم وطموحاتهم في مختلف المجالات سياسية كانت أم اجتماعية أم غير ذلك..

والأمَرُّ من هذا أنهم يتقنون فن قطف الثمرة التي حرث أرضها وبذر روحها وصب عرقه ليرويها أيُّ أحد إلا هم المتصدرون الحمالون لمناجلهم إذا ما قَرُبَ موسم الحصاد ليطمسوا بتلبيساتهم جهودًا كبيره بذلها آخرون فيخيل للدهماء أنهم الفُلَّاح!!

فن قطف الثمرة وفن التدخل في الوقت المناسب هو في الواقع خبث الضحك على الذقون، وهذا لا ينطلي على غير (ضعاف أو مهزوزي الشخصية)، وهي في العادة شخصية متأثره ومنقادة لغيرها بقوة وبدون وعي أو تفكير، بل بتبعية عمياء واضحة، وكأن التفكير قد شُل عن سبق إصرار وترصد حتى جرى ذلك في مختلف أمور (المعوق فكريًا)، فغيره يضع الخطط والرسومات وهو مجرد أداة تنفيذية لا أكثر.. قد يقدم ما يملك وربما ما لا يملك أيضًا وبكل إخلاص وتضحية لإنجاح هذه الفكرة أو تلك مانعًا نفسه من الوعي بما يفعل!!

هؤلاء (السلبيون) يمتلكون أحيانًا طاقات كبرى لو أنها (تعي نفسها) لغيرت الكثير، ولكنها -ويا للأسف- طاقات مهدورة تُحرق لتسير قوافل الآخرين.

وفي رأيي الشخصي، ليست المشكلة في أن ينقاد الناس لمن يرسم الخطط والبرامج واﻷفكار الجيدة، بل المشكلة أن هناك من الناس من قد سخروا أنفسهم للقائد أخطأ أم أصاب.. والمصيبة أن يكون ذلك بإسم (المبدأ).

لا أقول أن نكون جميعنا قادة ورؤوس، بل المهم أن نشكل في مجموعنا منظومة فكرية متكاملة، لا منظومة (عمَّالِيةً)!

ألا ترون أن مقولة (يابني لا تكن رأسًا) هي تكريس للدونية والرضى بأن نكون أتباعًا دائمًا؟

والأعجب أن هذه الثقافة قد كرست لأخرى، وهي ثقافة توارث القيادة في طرف، وتوارث (الإمعية) في الطرف الآخر..

ما نحتاجه اليوم هو أن نكون جميعنا صنَّاع قرار مع المحافظة على الرمزية وعموم المنظومة الإدارية في العمل، وهذا ما يحتاج منَّا إلى تأسيسات جديدة تمامًا بعد أن (شوهتنا) ثقافات (توارث الإستبداد والإستعباد).

أم علي
16 إبريل 2014

هل يكون (الإنتحار القيمي) ضريبة!؟

بعد أن كان عالمنا محصور بين البيت، المدرسة والحي أصبحنا نحمل جهازاً صغيراً بين أيدينا يحوي العالم بكل نماذجه الطيبة والخبيثة، يسمى الهاتف النقال بتقنية الإنترنت، وقليلاً ما نبتعد عنه لتبقى أعيننا مشغولة بصورة أكبر، بثقافة أدهى وأمر، تقنية معدة لبرمجة حياتنا من خلال قنوات تبث برامج متسلسلة تنوعت أشكالها واشتركت في ثقافتها التي تحاكي غرائز الإنسان لتشغله وتبعده عن التفكر والتدبر  ليكون بعيداً كل البعد عن الهدف من الخلقة.

والمؤسف أننا نقدم هذه النماذج لأبنائنا على هيئة هدايا قيمة لنساهم في حصار فكرهم في دائرة معينة من دون أن نشعر.

قضاء ساعة واحدة في أحد المجمعات التجارية كفيلة بأن تعطيك صورة عن مستوى الفساد الأخلاقي المتفشي في مجتمعنا الصغير. أسباب كثيرة تصطف مجتمعة كانت علة إلى تفشي الفساد إحداها ما سبق ذكره، لذلك لم آئلف أجواء تلك المجمعات فكل الصور المنتشرة هناك تزيد من توتري النفسي وخوفي على أبنائي من التواجد في مثل هذه البيئة.

الخوف والقلق على الأبناء أمر طبيعي جداً بل هو الدافع لإيجاد أفضل الوسائل الضامنة لتربية سليمة، ولكن أصبحت إمكانية التوفيق بين حماية الأبناء وتربيتهم كأفراد أسوياء من الناحية النفسية تحدياً يعيشه جميع الآباء والأمهات، فإنجاح هذه المعادلة يحتاج إلى وعي، مرونة، تفهم، وتقييم للمواقف.

تحدثني إحدى الأمهات وتقول:

أخاف على أبنائي كثيراً.. أحاول جاهدة أن أحميهم من التعرض لسوء حتى وإن كان صغيراً.. أمنعهم من الخروج مع أصدقائهم لكي لا يكتسبوا سلوكيات خاطئة.. أحيط بهم لأحميهم.. أختار معهم ملابسهم لأضمن لهم صورة لائقة فهم لا يستطيعون التمييز.. كما وأني أراقب هواتفهم بين فنية وأخرى خوفا عليهم من الإنحراف.
 
قد تكون هذه الأم وفرت الحماية لأبنائها، لكنها في ذات الوقت قيدتهم فأفقدتهم الإنطلاق، الثقة بالنفس، حس المغامرة، التجربة والشجاعة، وزرعت الخوف، الإتكالية والضعف في مواجهة المشاكل البسيطة فكيف بمواجهة مجتمع!! متناسية بأن الإنفصال عنها مصير محتم.

لإنجاح معادلة حماية أبنائنا وتنشئتهم بنفسيات سوية وإعدادهم بأساسيات قوية لبناء حياة مستقلة يواجهون بها المجتمع، يتوجب علينا كآباء وأمهات أن نوطد الثقة بيننا وبينهم من خلال تعزيز لغة التواصل والتحاور معهم، والمحاولة في تأسيس هذه العلاقة منذ الصغر.. علاقة الصداقة والمحبة وليس السيطرة والتحكم. فلنقربهم بدل أن ننفرهم فتستقطبهم الأجواء الخارجية بكل تأثيراتها، ولنعلمهم معاني المفاهيم ومعايير الأمور بطريقة صحيحة، ولنبتعد كل البعد عن استنساخ أنفسنا من جديد من خلالهم. لنطرح لهم كل الخيارات ونترك لهم الإختيار والقرار وتحمل مسئولية قراراتهم وإن كانت خاطئة.. نوضح لهم إيجابياتها كتجربة تجعلهم يتجنبون سلبياتها في المستقبل.

فلنحاول صناعة جيل  نقي من كل ما نحمله من ثقافات خاطئة، وندعمه بما يضمن للأجيال اللاحقة التقدم والتطور.. بهكذا وعي وثقة نستطيع أن نطلق لأبنائنا العنان لخوض تجاربهم الخاصة.. حينها فقط نكون وفرنا لهم الحماية وأنشأناهم بنفسيات سليمة.. وبعدها سنجدهم يلجئون لنا ويحيطون بنا ﻻ نحيط بهم.

أم حسين
3 إبريل 2014

Friday, April 11, 2014

ليكن مشروعاً وجوديا

الكثيرُ منا يتحدثُ اليوم عن ضرورةِ التأسيسِ لمشروعٍ متكاملٍ ينهضُ بالشعبِ، في مقابلِ خصمٍ متمكنٍ، نافذٍ يملكُ السلطةَ والنفوذَ والمال والسلاحَ والدعمِ الدوليِ اللا متناهي، مشروعٌ ينطلقُ من هويتنا وتاريخنا وثقافتنا، مُعززٌ بالجوانبِ الاقتصاديةِ والإجتماعية، يُلقي بقوتهِ على الجانبِ السياسي، وربما العسكري لاحقاً، لنَتحول من أُمَّة مُستضعفة يَسهلُ استهدافها وحصارها، لأُمةٍ قادرة على أن تَدفعَ الأذى عن نفسها، على أقل تقدير لتَمضي قُدما في بناءِ مستقبلٍ أفضلَ لها ولأجيالها.

لكنَّ مشروعنا هذا مُحاصر بِكمٍ من الأسئلةِ أولها وأكثرها أهمية هي (ماهيةِ هذا المشروع)؟!

تُرى، ما هو المشروع الذي يجبُ أن نطرحهُ نحنُ الجيلَ الذي يقع على كاهله عبئ التغيير؟ مشروعٌ ذو هدفٍ سياسي؟ أم اقتصادي؟ أم كما نُردد أن يكونَ مشروعاً متكاملاً ؟! وحتى المشروع المتكامل، تُرى ما منطلقاته، من أين يبدأ؟ ماهي أهدافه قريبة، وبعيدة المدى؟

أولًا، لنُحاول الإجابةَ عن سؤالٍ غايةٍ في الأهميةِ هو؛

اليوم، مَن المُحارب على أرض أوال؟
كُل مُعارض لسياسات السلطةِ؟ أم كُل شيعي؟ أم الإثنان معاً؟

رُبما يُجيب كثيرون؛ أن المُحاربُ هُوَ (كُل) مَن يَتَجرأُ على السلطةِ بكلمةِ حق، سنياً كانَ أم شيعياً، وأزيدُكم، بل المُحارب كُل مَن يَتَجرأُ على السلطةِ أكانَ مِن أهلِ البلد أم من خارجِها، حكومةً أم شعباً، مُنَظمة أهليةٍ، دوليةٍ أو إذاعةٍ أخبارية.. فقدْ بَلَغَ الغُرور والتجبرُ عِندَ هذهِ السلطةُ مَبالغَ مُتقدمةٍ جداً.

لكن نحتاجُ للتركيزِ على المحارَبين من أبناءِ البلد، أتفق مع كثيرين يُؤمنون بأنَّ السُلطة تُعاقِبُ وتُحارب (كُل)َ مَن يقفُ بِوجهها أياً كانَ مذهبهُ وانتمائُه، إلا أنها تسيرُ بخطىً واضحةٍ لإبادةِ ومحاربةِ ابن البلد الأصلي (الشيعي طبعاً) وأجدُ أن من يكتفي بالقول أنَّ جميعَ المعارضين محاربون، يُساهم عن درايةٍ أو جهلٍ - مع كامل الإحترام- في بترِ الحقيقة المُرَّة؛ (أنَّ السُلطة مَشروعٌ قائِم على إبادة المواطنين الشيعة ويعنى التوقفُ عن إبادتنا -طوعاً أو كرهاً- فشلُ مشروعِ السلطة!) والشواهدُ على ذلك كثيرةً أكثرُ من أن أُحصيها، فحينَ يتجرأُ مُواطن من المذهب السِّني ليُعلن كلمةَ إعتراضٍ بوجه السلطة، فإنه قد يُحارب حقاً لكن، بعدَ عَزلهِ عن مجتمعهِ، فلا يُمسُ مسجده، ولا تُهانُ عقيدتُه، ولا يُأخذُ بذنبهِ أبٌ له، أو إبن، بل قد تُطوِع السلطة كل ذلك لتنتقم منه، ولتُحاربه مُنفرداً ليكونَ عِبرة لمن يعتبر، بمجتمعه وخارج مجتمعه، فلا يتجرأُ غيره بذاتِ جُرأته.

ماذا عن ابن البلد من المذهب الشيعي؟ واقعاً هو لا يحتاجُ ليُجاهِرَ بكلمةِ حق أصلاً، حتى تتم مُعاقبته، إذ أن عِقابنا بَدَأَ مُنذُ ما قَبل ولادتنا أي قبل حتى أن نَنَوي أن نكونَ في القِسمِ المُعارض للسلطة!!

فنحنُ محاربون في رِزقنا، مُنذُ أجدادنا حتى أبنائِنا، ذاقَ كثيرٌ مِنا الحِرمانَ مِن أبيهِ أو عائلتهِ مثلاً على فتراتَ مُتقطعةٍ نتيجةَ الزجِ بأبناءِ الشعبِ في السجون أو قذفِهم خارجَ حدودِ أرضهم، وذلك على فترات مُتعاقبة لم تنته حتى اليوم، ومنذ العام ٢٠١١ يُعاقَبُ الشيعةُ على أرض أوال، علناً وبِلا هواده، السابقون منهم واللاحقون، وإلا فما تفسيرُ هدمِ مسجدِ أمير محمد البربغي، الذي يُناهِز عمره ٤٠٠ عام؟!

إنهُ يعني وببساطة، أن الشيعي لا يُحاربُ في شخصهِ فحسب، بل يُحاربُ إنطلاقاً من واقعهِ مهاجِمين إمتداده، ووجوده، وثقافته، وعقيدته وتاريخه !!!

هل نُدرِكُ الفرقَ بينَ الحربين؟!!! **

الخُلاصة، نحنُ لا نحتاجُ لمشروعٍ اقتصادي ليوظف أبناءنا المُحَارَبين في أرزاقهم فحسب ..

نحنُ لا نحتاجُ لمشروعِ بِناءِ مسجدٍ فحسب ..
نحن لا نحتاجُ لِجمعية ترعى الأيتامَ فحسب ..

نحنُ لا نحتاجُ لإحراجهم بعدد ضحايا السكلر (مثلاً) فحسب ..
نحنُ بحاجةٍ لحملةٍ تثقيفيةٍ، اجتماعية، علاجية، وقائية، مادية، معنويةٍ ذاتَ أهدافٍ بعيدةِ المدى، تقضي على توارثِ مرضِ السكلر في ظرفِ عددٍ من السنوات.

بكُلِ وُضوح ، نحنُ لا نحتاجُ لمؤسسساتٍ تُحاول ترقيعَ ما افسدته السلطة، او تواصلُ الصراخ مُطالبةً بالتزامِ السلطة، نحنُ نحتاجُ لمشروعٍ (بهدف بعيدِ المدى جداً) مهما استُهدفت شخوصه، يظلُ مُمتداً في كل الأجيال، مشروع (أن نبقى) لا ( أن نموت)، مشروع (أفكار) لا يمكنُ تقييدِها أو الحدِ منها أو قتلِها.

كذلكَ فإن مساجدنا حينَ هُدمت لم تُهدم انتقاماً وتشفياً فحسب، بل هُدمت لبترِ امتدادنا التاريخي والعقائدي. ولنَتمكن من إفشالِ ذلك المخطط، فإن علينا أن نَمُد جسورنا مع ذلك الإمتداد، ليس عبرَ حِجارةِ المسجد، بل عبر تفعيلِ دوره، وتعميق وجوده، وعلى ذلك قس.

إنني أجد أن انطلاقة مشروعٍ كهذا لا بد أن يرتكز من الأساس، لا على أن يكون (شاملاً) بل على أن يكونَ (وجودياً ).

** همسة: حين أتحدث عن واقع مهاجمة السلطة للشيعة والفرق بين مهاجمتها للشيعي والسني فلستُ أُمارس الفرز الطائفي، بل أُحاول توصيف الواقع لنتمكن من معرفة المشكلة فإيجاد الحل، مع كل الحب لهذه الارض ومن عليها.

إيمان الحبيشي
9 إبريل 2014

أم الديفان

عندما كنت في سن المراهقة كنت أذهب مع صديق الوالد عمي السيد إبراهيم يرحمه الله في بعض أيام الجمعة وقبل أن تشرق الشمس إلى محل الباجه.. كان يمر علي صباحا.. نتمشى بين أزقة المنامة ونتوقف عند الخباز لشراء الخبز الطازج عوضا عن الخبز 'البايت'عند بائع الباجه.. نأكل تلك الوجبة الدسمة وبعدها نتوجه 'للقهوة' لاحتساء كوب من الشاي.. بعدها يتوجه السيد للسوق وأرجع أنا للبيت لإكمال نومتي..

في يوم ما سمعت عن فتح مطعم جديد لبيع الباجه والمثير فيه أنه يبيعها ليلا.. قلت للسيد عن هذا المطعم، فلم يتفاعل مع فكرة أكل الباجه ليلا.. عزمته على الوجبة فوافق في الحال..

اتفقنا على موعد للذهاب لهذا المطعم الجديد.. وبينما نتمشى ونتبادل أطراف الحديث سألت السيد إن كان يعرف الأماكن والأحياء التي نمر بها.. فرد علي بلهجة شديدة: شايفني ولد لنكاه ما أعرف هالأماكن! هذا الفريق يسمى كذا.. وكان هنا مزرعة.. وهناك بيت فلان.. ووو..

وصلنا المطعم وطلبنا وجبتنا.. وللأسف لم تكن بالجودة المتعودين عليها.. بعد أن أكلنا أقفلنا راجعين.. في الطريق التقيت بأحد أصدقائي.. فاعتذرت من السيد وقلت له مازحا: تندل بيتكم سيد.. لا أتذكر رده بالضبط، لكنه كان ردا صاحبته بعض الألفاظ الخشنة..

في اليوم التالي التقيت بالسيد فتلقاني بوجه مكفهر قائلا: ولا أمبيك مرة فانية تعزمني على شي.. هالروبيتين طلعوا من جبدي..

ماذا حدث؟

قال السيد: بعد ما هديتني مشيت للبيت.. قمت أمشي أمشي.. ما شفت إلا صوبي بحر.. قلت في نفسي من وين جه هالبحر في فريقنه! كل ما أمشي وهالبحر مو راضي يخلص.. أشرت على سيارة سألته هالشارع يودي وينه؟ قال: هذا الشارع يوديك سترة حجي.. ما صدقت الرجال.. يواصل السيد: هديت الرجال وكملت مشيتي.. بعدين عجزت ووقفت تكسي قلت ليه ودني المنامة..

أوصله صاحب التكسي الى المنامة فأقفل السيد راجعا في اتجاه سترة مرة أخرى لولا أن رآه من يعرفه وقام بتوصيله الى حد باب بيته..

إنها أم الديفان..

هكذا نحن في هذه الحياة.. تصيبنا أم الديفان، ونتصور أننا نتجه نحو أهداف رسمها الله لنا ولكننا في الواقع نسير في الاتجاه المعاكس.. وليس أفضل من كلام الباري عز وجل في وصف هذه الحالة " الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا".

إنها بحق كارثة.. فالإنسان في قرارة نفسه يظن أنه سائر على هدي من أمره ولكنه في الحقيقة ضائع تائه يتباعد تدريجيا عن الوجهة التي يقصدها.

ترى كم من الأحيان تنبري لنا مواقف، أفراد، عبر، أحداث لترشدنا للوجهة الصحيحة ونرفض حتى الالتفات لها مصرين في قرار ذواتنا أننا على الطريق الصحيح؟

ز.كاظم
11 إبريل 2014

صناعة الظواهر

المقدمة ١

أسوأُ من أن تمارسَ معصيةٍ ما، هو أن تُجاهرَ بها، وأفضل من فعل الخيرِ هو إفشاؤه، هذه القاعدة التي أثبتها الإسلام لصلاح المجتمعات وحمايتها من التدهور والإنحراف، فحين يقول الله في محكم كتابه العزيز "إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيع الْفَاحِشَة فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَاب أَلِيم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة  "  ويقول "وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  " لأن إشاعة أمرٍ ما، يحولهُ لأمرٍ سائد بين المجتمع، ويصنع من كل متخلف عنه شاذًا، غير مقبول في هذا المجتمع .. والأمرُ سواءٌ في الخير والشر.. 

المقدمة ٢

كل أمرٍ جديد يطرأ على أي مجتمع، وتكون طبيعته تختلف عن طبيعة هذا المجتمع، من الطبيعي جدا أن يواجه موجة معارضة وعدم تقبلٍ وانتقاد، هذا الأمر نفسه لو استمر، وتكرر، سيتمكن من الحصول على بعض الجماهير المؤيدة - وإن قل عددهم- ، الأمر الذي سيجعل منه لاحقا، أمرا غير مقبول ومرفوض ولكن سيتم الإعتراف بوجوده، واعتبار وجوده حق، ثم لن يلبث حتى يتحولَ لعادةٍ يمارسها الكثير من هذا المجتمع، وبالإستمرار والتكرار، أيضا سينتشر ليصبح ظاهرة يعرفُ بها هذا المجتمع، فيتحول تلقائيًا لعرفٍ بين أفراد المجتمع، ومن يتخلف عن ممارسته - فضلا عن من يعارضه - سيكون شاذًا غير مقبولٌ رأيه، متخلفًا، مرفوضًا بين مجتمعه، قد تستغرق مرحلة التحول من حالة الأمر الطارئ، لأن يصبح عرفا لعشرات السنين، ولكنها تحدث!!!

هذه إحدى أخطر وسائل بث وتمرير الثقافات الفاسدة بين المجتمعات الصالحة، وتحويلها من أفكار مرفوضة إلى ثقافة يساعدُ هذا المجتمع في نشرها بين تلك المجتمعات، ففي رياضة كمال الأجسام - مثلا - بعض الأجسام تحتاج لإعادة بناء كتلك السمينة الممتلئة بالشحوم والدهون، هذه تمارَس عليها خطة حمل الأثقال الخفيفة وزنًا، ولكن بشكل مستمر ومكرر جدا، حتى يتم  التخلص من هذه الشحوم وإزالتها والتعويض مكانها بالعضلات، أما بعض الأجسام المتناسقة والغير ممتلئة بتلك الشحوم، فلا حاجة لازالة شي، فتبدأ مباشرة عملية البناء العضلي عبر حمل أوزان ثقيلة. هذه الفكرة تمامًا تشبهُ فكرة صناعة الظواهر والأعراف، فبعض المجتمعات تكون متمسكةٌ بأعرافٍ قديمة يصعب التخلص منها، فيتم تعريضها لأفكارٍ خفيفة ولكن بشكلٍ مكرر ومستمر عبر آلية ممنهجة، حتى تتحول هذه الأفكار لاحقا إلى ظواهرٍ وأعراف، وبعض المجتمعات التي تكون تربة قبولها للثقافات الفاسدة خصبة، تحتاج لموجة قوية موحدة تعبث بفكرها وثقافتها وتشوهها!! 

حين نهى الإسلام عن إشاعة الفاحشة، كان يريد أن يضع حدًا كي لا تتحول هذه الفاحشة التي مارسها وارتكب ذنبها شخصٌ واحد، إلى ظاهرةٍ وعُرفٍ يمارسه الجميع، ضاربين بالتدين عرض الحائط، فتنشأ هذه المجتمعات على الفواحش التي حرمها الله، كذلك حين أمر بإشاعة الخير، فهذا ما هو إلا إيجاد البديل، وصناعة الثقافة الصالحة التي تبني المجتمع على أفضل عاداته. 

لذلك فالسماح لأي ثقافة دخيلة أن تقتحم المجتمع، وإبقاء حيز من الفراغ في المجتمعات غير مملوءٍ بثقافة الإسلام المحمدي الأصيل، وعدم المساهمة في نشر ثقافة هذا الدين وإفشائه، هو مساهمة ضمنية في إفساده، ونشر ما تيسر من الفساد فيه، وتبقى مسؤولية حماية المجتمع هي مسؤولية كل فردٍ فيه.

أبو مقداد
12 إبريل 2014