Friday, June 19, 2015

على ضفاف الذكريات (21) // ز.كاظم

 
 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
تمر الأيام والسنوات وها هو شهر رمضان يعود علينا من جديد في بلاد الغربة حيث الأجواء مختلفة تمامًا عن أجواء بلادي، ومع ذلك حافظنا على أن تكون أجواء الغربة رمضانية خصوصًا للعزاب من أمثالي أو لمتزوج لم يحظ بزوجة تطبخ له إفطارًا جيدًا في ليالي شهر رمضان، فكان المركز محل إفطارنا اليومي.. بدأت فكرة الإفطار الجماعي للعزاب في المركز الإسلامي بأن يقوم أحد المتزوجين بإعداد وجبة الإفطار للصائمين العزاب، لكن لم تلبث أن تغيّرت الحالة في قيام العزاب بتوزيع الليالي على أنفسهم لإعداد وجبات الإفطار.. كان برنامج الإفطار عبارة عن قراءة القرآن قبل أذان المغرب، ثم الإفطار على بضع تمرات، فصلاة الجماعة.. بعدها توضع وجبة الإفطار فنتناولها بكل سرور.. كان الحاج أبو حيدر يحضر الإفطار الجماعي ويشرف عليه، وكنّا نستاء من إشرافه كونه يدّخر الأكل الطازج لليالي اللاحقة، في حين نُحرم من الطبخة الطازجة حتى تصبح بائتة إذا ما كان إفطار الليلة السابقة باقيًا.. ومع ذلك لا نجرؤ أن نكلمه في هذا الأمر، إلا من وراء حجاب!!!
  
قبل شهر رمضان من عام 1992 جاءني يومًا أخٌ عماني - أبو ميثم - بفكرة إصدار نشرة تخاطب الجالية الإسلامية في المنطقة التي كنّا ندرس فيها.. كانت الفكرة أن تكون هذه النشرة باللغتين: العربية والإنجليزية إذ كانت الجالية الإسلامية خليطًا من العرب والإيرانيين والهنود والأفغان وغيرهم. أبدى العماني استعداده الكامل في توفير مواد النشرة من مقالات ومعلومات ومواضيع، والمطلوب مني أن أقوم بخط مواضيع اللغة العربية إذ لم تكن برامج الكمبيوتر في اللغة العربية منتشرة حينها كما هي الآن، وهو سيقوم بطباعة اللغة الإنجليزية. وافقتُ على الفكرة وبادرنا على عجل بالعمل عليها. أطلقنا على النشرة اسم نشرة "الانتظار" تيمنًا بالإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف آملين أن يكون انتظارنا انتظارٌ إيجابي يُعدّنا ويُهيؤنا لمقدمه الشريف.
 
كانت نشرة بسيطة جدًا.. بضع صفحات باللغة العربية يقابلها بضع صفحات باللغة الإنجليزية.. أتذكر أحد مواضيعها عن استشهاد السيد عباس الموسوي رحمه الله إذ كان استشهاده قبل أسبوعين من إصدار النشرة.. حوت النشرة على بعض المواضيع عن شهر رمضان مع بعض المعلومات.. أردناها أن تكون نشرة خفيفة يسهل قراءتها.. صدرت بخط اليد باللغة العربية وبخط الكمبيوتر (ماكنتوش) باللغة الإنجليزية.. كان لون غلافها أحمرًا (لا أعلم لماذا اخترنا هذا اللون إذ لم يكن جميلًا، وكان عليها شعار اسم النشرة بشكل بهيّ، ورسم لصورة المسجد الأقصى). بدأنا العمل على النشرة بهمة ونشاط، فكانت صورة القدس الشريف على الغلاف، وكلمة الانتظار جدران المسجد الشريف وعلى القدس راية مكتوب عليها الآية الشريفة: "ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين".





أما كلمة العدد فجاء فيها: "بسمه تعالى.. أعزائي القراء: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. فكرنا مرارًا في إصدار نشرة يصدرها الشباب في مدينة بورتلاند، ولكن كلما جاء الحديث عنها لم يتواجد الأشخاص المؤهلين لذلك. إن فكرة طرح مقال عن الإمام المهدي "عج" كانت نقطة لإصدار نشرة نبذل فيها قصار جهودنا ونصدرها حتى وإن كانت بسيطة وغير مليئة بالصفحات. وها نحن قد شرعنا في العمل على إصدار نشرة شهرية يعمل على إصدارها الشباب. إن إصدار نشرة هو عمل ليس بهين خصوصًا على شباب مشغولين بالدراسة ويعانون من مشاكل الغربة. ولكن هنا يأتي دور التضحية التي لا تأتي من عوامل خارجية ولكن تنشأ في الناس التي تهيأ وتقوم على زرع التضحية فيها.. أعزائي: فلننظر إلى أنفسنا وأعمالنا وشخصياتنا ونحاول مقارنتها بنفس وأعمال وشخصية الرسول الأعظم (ص) أو شخصيات الأئمة الأطهار (ع)، هل نحن بمستوى ذرة مما كان عليه السابق ذكرهم؟!! فإن كنا كذلك فالحمد لله، وإلا فإن علينا أن نجهد أنفسنا ونقدم كل ما لدينا من طاقات لكي نصل إلى المستوى الذي لا يأتي إلا بتقديم التضحيات، ولننظر حوالينا ونرى أين وما هو المجال الذي نستطيع أن نعمل فيه حتى نكون في الطريق الحق والنهج الإسلامي. وفقنا الله إلى ما يريد ويرضى وجعلنا من العاملين على خطى الأنبياء والصالحين، وفي انتظار واستعداد لدولة القائم المهدي (عج)."




كان التركيز في كلمة العدد على عدة أمور أولها، أن هذه النشرة عمل من انتاج الشباب لما للشباب من طاقة وحماس في القيام بتفعيل الأفكار ومع ذلك فإن الجو العام عادة ما يكون عقبة نظرًا لغياب الإرادة وانعدام الإصرار أو تضخيم الأعمال بما يكون رادعًا عن التنفيذ، فكم من أفكارٍ ترى اندفاعًا وإقبالًا عليها، لكن لا تكاد تجد من يقوم بها، ومن هنا جاء التركيز على أولئك الذين هم مستعدون للتضحية.. التضحية بالوقت، بالمال، بالجهد لتحويل الفكرة إلى عمل واقع قائم.. من الأمور التي ركزت عليها كلمة العدد التفكير في ذواتنا ومقارنة وضعها بالقدوة من الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهار عليهم السلام. كما أن لفكرة الإمام المهدي (عج) الفضل في تحويل الفكرة إلى واقع.





ضم العدد الأول من النشرة باب عن شهر رمضان: أهداف الصيام (الصوم عبادة، الصوم تربية وإعداد، أحكام الصوم، شرائط صحة الصوم، المفطرات، القضاء والكفارة)، وكذلك احتوى العدد على شخصية العدد فكانت شخصية السيد عباس الموسوي رحمه الله إذ كان اغتياله في نفس الفترة بتاريخ 16 فبراير 1992 أي قبل إصدار النشرة بأسبوعين.



 بعد الانتهاء من إخراج النشرة جاءتنا فكرة طرح النشرة على رئيس المركز الإسلامي الحاج أبي حيدر - وهو رجل ذو وقار نكنّ له كل الاحترام والتقدير- أملًا في الأخذ بإرشاداته وتوجيهاته. جئنا إليه يملؤنا حماس الدنيا كله ووضعنا النشرة بين يديه إذ لم نكن لنطرح الفكرة فقط بل أردنا تقديم النشرة جاهزة لئلا يكون هناك بعض الشك في القدرة على إخراجها.. جلسنا معه، وقدمنا النشرة له واعطيناه نبذة عن فكرتها وأهدافها.. قال لنا بنبرته الهادئة الخافضة: لا فائدة.. لا تتعبوا أنفسكم ولا تضيعوا أوقاتكم.. نزلت كلماته كالصاعقة علينا وطفقنا ننظر إليه ولا نكاد نبصر.. واصل حديثه: انظروا حواليكم في المركز.. لاحظوا أرشيف المجلات والصحف والنشرات.. كم منها يُقرأ؟ المشكلة ليست في نُدرة مواد القراءة.. المشكلة في عدم وجود حافز عند الناس ليقرؤوا..
 
شعرنا بالإحباط الشديد واظلمّت الدنيا في أعيننا إذ كان لوقع كلماته أقسى الأثر علينا.. لم يرق لنا كلامه، وعلى بوابة المركز حادثنا بعضنا وقررنا المضي قدمًا في إخراج النشرة.. وهكذا كان.. أصدرنا أول عدد من النشرة في شهر رمضان الكريم أملًا في حلول بركة الشهر الفضيل على هذا العمل..
 
على عكس تنبؤ رئيس المركز، استقبل أفراد المركز النشرة بكل سعادة.. الكثير أثنى على المجلة وعلى هذا العمل الرائع، مما أعطانا شحنة ودفعة على مواصلة الدرب في هذا العمل البسيط جدًا والذي كان كبيرًا وعظيمًا في قلوبنا.. صدر العدد الثاني والثالث..  انضم الى طاقم النشرة شبابٌ أكثر وأصبح لها كادر خاص يشرف على مختلف المسؤوليات كالطباعة على الكمبيوتر، الإخراج الفني، الطباعة، جمع المقالات، .. إلخ. كان الكادر يسهر الليالي في الطباعة والإخراج وكانوا يقضون الساعات الطوال حتى الفجر في محل الطباعة لإخراج المجلة بثوب جميل وحلة بهية خصوصًا أن تقنية الإخراج لم تكن سهلة كما هي الآن..
 



هناك بعض الإفادات التي تعلمتها من هذا العمل أطرحها على شكل نقاط:

1. تحقيق الأفكار ممكن جدًا متى ما توافرت الإرادة والإصرار والسعي الحثيث.. أتفهم الآن موقف رئيس المركز، لكني مع احترامي له أختلف معه.. إذ أن الفكرة لم تكن فقط للحث على القراءة، بل إن لهذا العمل آثار وايجابيات كثيرة جدًا أطرحها في النقاط التالية. 

2. قدّم هذا العمل للقائمين عليه الكثير من الخبرة في مجال الإدارة وطوّر من قدراتهم الذاتية.. إذ تشكّل فريقٌ وقُسِّمت المسؤوليات، وحُددت المواعيد، فكانت هناك مواعيد لجهوزية المقالات، ولطباعة النشرة وليوم النشر.. ووضعت آلية لمتابعة أداء العاملين.. أشرف على عمل النشرة طاقم كامل من العاملين لكل فرد منه مسؤوليته المحددة ومع ذلك كانوا يتعاونون مع بعضهم البعض إذا ما دعت الحاجة.
 
3. من إيجابيات هذا العمل أنه شجع الكثيرين على الكتابة وطرح أفكارهم في مقالاتٍ يتم نشرها على صفحات النشرة.. كانت المواضيع بدايةً يتم نقلها من كتب أو مجلات، لكن بعد ذلك تطوّر الأمر وشارك الكثير من الجالية الإسلامية في المنطقة في كتابة المقالات أو الأشعار، ثم تطورّت النشرة بعد أن ذاع صيتها فكانت تستقبل المقالات من كتّابٍ في مدن ومناطق أخرى.. بل تشجع البعض وقام بالبدء في الكتابة وهو ليس بالأمر السهل لمَن لم يكن متعودًا على الكتابة، إلا أن وجود النشرة ساهم في تشجعيهم و دفعهم للكتابة.. فالإحساس بأن هذه النشرة صوتُ الكاتب للمجتمع الذي يعيش فيه ولّد شعورًا بالمسؤولية عند الكاتب في أن يخاطب مجتمعه بعباراته المكتوبة ويساهم في طرح أفكاره على صفحاتها.

4. أعطى هذا العمل حسًا بالمسؤولية عند كادر النشرة وهذا الإحساس تعاظم بالتفاعل مع أفراد الجالية خصوصًا عندما يسألون عن موعد إصدار النشرة ولماذا تأخرت، وما هي الأسباب، وكم وصل عدد توزيع النشرات ووو.. كانت روح المسؤولية تجعل الكادر جليس الحاسوب أو المطبعة لساعاتٍ طوالٍ على التزامًا بأداء مسؤوليته الملقاة على عاتقه.

5. ذاع صيت النشرة حتى قامت الكثير من المراكز الإسلامية بالاشتراك فيها.. كما أن مؤسسة عريقة لها حضور واسع بعثت بمسؤوليها ليتم ضم النشرة إلى الأعمال التي تقوم بها.. طبعًا تم رفض الفكرة إذ كانت النشرة تمثل هوية.. انتماء. ولم يكن ليُسمح أن يتم مصادرتها تحت كيان أو مؤسسة أخرى.. لا أناقش فكرة صحة هذا الموقف من خطئه، إلا أن الجدير بالذكر أن هذا العمل البسيط ولّد عند العاملين شعورًا بالانتماء لهذا العمل.
 
6. أظهر هذا العمل طاقات وكفاءات كانت مدفونة أو غير ظاهرة تمثلت في حسن الإدارة، حسن التعامل، الإصرار، الثبات، القوة في تحمل الضغوط، تنظيم الوقت والعمل، رفع مستوى حس المسؤولية، وغيرها من الأمور المخبئة في العاملين والقارئين والمتابعين.
 
7. أعطى هذا العمل شعورًا بالفخر لأفراد الجالية، إذ كانوا يشعرون أن هذا العمل وليدهم.. كانوا يساهمون في المساعدة ماديًا، لكن العامل المؤثر تفاعلهم الإيجابي الذي كان بمثابة الوقود في قلوب الكادر العامل.. كان احتفاؤهم بالنشرة وانتقاداتهم وتشجيعهم مع المساهمة في الكتابة من أفضل الخدمات التي قدموها لهذا العمل.
 
8. ما كان لله ينمو.. كان هذا الشعار هو الذي يدفع العاملين للتخلي عن الأنانية وحب الذات والظهور كلما أراد الشيطان الوسوسة في صدورهم. هذا الشعار هو الذي جعل الكادر يحاذر من أن يشوب عمله نوع من الرياء والعُجب. 
 
للأسف الشديد لم يقدّر لهذا العمل أن يستمر مع أنه تواصل لعدة سنوات.. توقفت النشرة بعد سنين من العطاء.. كان لرحيل الكثير من العاملين بعد انتهاء فترة دراستهم أكبر الأثر في توقف النشرة، وكذلك عدم العمل على تهيئة كوادر جديدة ساهم أيضًا في القضاء على هذا المشروع الجميل.. من المهم جدًا أن يفكر القائمون على أي مشروع في كيفية استمرار ضخ الحياة فيه ليظل مثمرًا معطاءً.. الكثير من المشاريع البناءة الجميلة تموت بعد فترة وجيزة أو حتى طويلة.. والنظر الجدي إلى الأسباب التي تؤدي إلى توقف هذه المشاريع هو الخطوة الأولى التي يمكن الانطلاق منها في العمل جديًا على إزالة تلك الأسباب لتدوم وتستمر مثل هذه المشاريع المفيدة.


يتبع في الحلقة القادمة..


20 يونيه 2015

No comments:

Post a Comment