Friday, November 14, 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها(3) - محورية (التبصر) الشيوعي ونظرية (حكم الشعب) // محمد علي العلوي


 
قال البيان:
"والهدفُ الأوَّلُ للشيوعيين هو الهدف نفسه لِكُلِّ الأحزاب البروليتارية الأخرى: تَشَكُّلُ البروليتاريا في طبقة، إسقاط هيمنة البرجوازية، واستيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية".

وتظهر بوضوح سخرية المُنَظِّرُون الأوائل للشيوعية من حركات التثقيف والتوعية؛ ففي نظرهم وبحسب بناءاتهم الفكرية، إنَّه لا يمكن لشيءٍ أنْ يصمد أمام قوة الصراع الجوهري الذي تقوم عليه كُلُّ مفردة من مفردات هذا الوجود، وهنا يحتاج المقام إلى توضيح مهم، وهو كالتالي:

• لا يطالب الشيوعيون بالشيوعية، فهم يرونها الحتمية الاستراتيجية الكبرى على طريق مجموعةٍ من الحتميات، ويقوم هذا البناءُ الفكريُّ على أنَّ الديالكتيك هو الحقيقة الأصيلة في جوهر كُلِّ شيءٍ؛ إذ أنَّ الضدَّ يُوجَدُ بوجود ضِدِّه، وبذلك قالوا بأنَّ التطورات والانقلابات، بل وكُلَّ حركة ذهنية أو خارجية، إنَّما هي ناشئة في أصل وجودها منالصراع الجوهري في صميم مطلق الأشياء، وعليه فإنَّهم يذهبون إلى أنَّ كلَّ شيءٍ لا بُدَّ وأنْ يَمُرَّ بثلاث مراحل، هي:

1- مرحلة الإثبات الذاتي.
2- مرحلة النفي بالضد.
3- مرحلة نفي النفي (الوجود الجديد).

وبالبناء على هذه الأسس، يذهب الشيوعيون إلى أنَّه لا طبقة تعيش حقيقة الثورة غير طبقة البروليتاريا، وأمَّا صغار التجار والكسبة والحرفيين، فحربهم ضد البرجوازية إنَّما هي حرب للمحافظة على الوجود الذاتي الخاص، ولن تتحول إلى حرب ثورية ما لم تسقط هذه الطبقة وتتحول إلى بروليتاريا، وهذا ما تُحتِّمه النظرية بمجرد اكتمال المراحل الثلاث في وجود طبقة صغار التجار والحرفيين وكل متوسط بين البرجوازية والبروليتاريا.

إذا اتضح ذلك، فإنَّه الفلسفة في حركة ما أُشِيرَ له في البيان:
"فالشرط الأساسي لوجود الطبقة البرجوازية ولسيطرتها، هو تكديس الثروة في أيدي خواصِ تكوين رأس المال وإنمائه. وشرط وجود الرأسمال هو العمل المأجور، والعمل المأجور يقوم، حصرًا، على المزاحمة بين العُمَّال. وتَقَدُّمُ الصِنَاعَةِ الذي تُشكِّلُ البرجوازية دعامته بلا إرادة منها وبلا مقاومة، يُحِلُّ وحدة العمَّال الثورية عبر الترابط محل انفرادهم الناتج عن تزاحمهم.
وهكذا فإنَّ تطور الصناعة الكبيرة يُزلزِلُ تحت أقدام البرجوازية، الأساسَ الذي تُنتِجُ عليه وتتملَّكُ المنتجات.
إنَّ البرجوازية تُنْتِّجُ، قبل كُلِّ شيءٍ، حفَّاري قبرها. فانهيارها وانتصار البروليتاريا، أمران حتْمِيَّان".

ثمة لفتة مهمَّة جِدًّا في بيان الحزب الشيوعي. يقول في مقام ردِّ تهمة أنَّ الشيوعيين يريدون إلغاء الملكية المكتسبة شخصيًا بجهد فردي:
"ملكية مكتسبة بالجهد والاستحقاق الشخصيين! فهل تتحدثون عن الملكية البرجوازية الصغيرة، والفلَّاحية الصغيرة، التي سبقتْالملكية البرجوازية؟ إنَّنا لسنا بحاجة إلى إلغائِها؛ فإنَّ تطور الصناعة قضى ويقضي عليها يوميًّا.
أم أنَّكم تتحدثون عن الملكية الخاصة للبرجوازية الحديثية؟
ولكن، هل يَخْلُقُ العملُ المأجورُ، أي عملُ البروليتاري، ملكيةً له؟
قطعًا لا.
إنَّه يخلُقُ رأسَ المال، أي الملكية التي تَستَغلُّ العملَ المأجورَ، والتي لا يسعها أن تنمو إلَّا شرط أن تنتج عملًا مأجورًا جديدًا، لتستغله مرةً ثانية".

تؤكد النظرة الشيوعية على أنَّ كلَّ ما هو دون الجبهتين (بروليتاريا وبرجوازية) ليس إلَّا توهمات يحاصر بها البرجوازيون الطبقة المتوسطة من الصغار في الصناعة والحرفة وما نحو ذلك، ومن هذا التأكيد تنتج نظريَّةٌ شيوعية أخرى تظهر في تقسيم المجتمع إلى ثلاث طبقات رئيسية، هي:

الطبقة الأولى: البرجوازية.
الطبقة الثانية: البروليتاريا.
الطبقة الثالثة: الشيوعيون الأوصياء على الحراك الثوري للبروليتاريا.

ومن هذا التقسيم، يقول البيان:
"أمَّا اللومبن بروليتريا (Lumpenproletaria) –وهي طبقة دون أو تحت البروليتاريا- هذا النتن المستسلم، حثالة الفئات الدنيا من المجتمع القديم، فإنَّها قد تنجرف هنا وهناك في الحركة بفعل ثورة البروليتاريا، لكنَّها بحكم وضعها الحياتي كُلِّه، تصبح أكثر استعدادًا لبيع نفسها لمكائد الرجعية".

فإمَّا أن تكون برجوازيًا مصيرك إلى السحق تحت أقدام البروليتاريا، وإمَّا أن تكون من الثائرين المُمَهِّدِين لحتمية انتصار البروليتاريا، وإمَّا أن تكون ذا مؤهلات خاصة وتَبَصُّرٍ شيوعي لتصبح في طبقة الأوصياء، وإلَّا فأنت: نتن مستسلم حثالة، ومآلك إلا أن تبيع نفسك لمكائد الرجعية!!

تؤكد الشيوعية على أنَّ (ثورة البروليتاريا) هي رهانها الاستراتيجي الذي أخلصت له في صياغة (تكتيكه النضالي)، ومن هنا قال لينين في (كارل ماركس.. سيرة مختصرة وعرض للماركسية): "أمَّا البيان الشيوعي فقد صاغ لتكتيك النضال السياسي المبدأ الأساسي التالي للماركسية: إنهم (أي الشيوعيون) يكافحون في سبيل مصالح الطبقة العاملة وأهدافها المباشرة، ولكنَّهم يدافعون في الوقت نفسه عن مستقبل الحركة.
ومن أجل هذا، ساند ماركس في 1848 حزب (الثورة الزراعية) –بولونيا- (أي الحزب الذي أثار انتفاضة كراكوفيا في 1846). وفي 1848 – 1849 ساند ماركس في ألمانيا، الديموقراطية الثورية المُتَطَرِّفَةَ، ولم يتراجع قَطُّ عمَّا قاله حينذاك عن التكتيك".

تمتلك الشيوعيةُ قدرةً هائلةً على التبريرات لمصلحة (الثورة)، فكُلُّ شيءٍ يخطيءُ إلا هي، ومن الشواهد، كتب ماركس إلى إنجلز -بحسب لينين، في المصدر السابق-: "إنَّ فشل ثورة 1848 سببه أنَّ البرجوازية كانت قد فضَّلتْ المسالمة مع العبودية على مجرد إمكانية الكفاح في سبيل الحرية"

ثم قال لينين: "وعندما اختتمت مرحلة ثورات 1848-1849، هبَّ ماركس ضد كل محاولة للعب بالثورة (النضال ضد شابر وويليخ) مُصِرًّا على معرفة العمل في المرحلة الجديدة التي تهيء ثورات جديدة تحت ستار (سِلْمٍ) ظاهري".

سؤالان أطرحهما الآن وفي خاتمة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:

بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَالمعصومين (عليهم السلام)؟

هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟

نلتقي في الأسبوع القادم مع الحلقة الرابعة إنْ شاء الله تعالى.


15 نوفمبر 2014

No comments:

Post a Comment