Friday, November 28, 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها(5) - "النظرة الشيوعية للعائلة والروابط الاجتماعية" // محمد علي العلوي

 
 
إلى أي مدى وإلى متى تؤثر (الفطرة) في أقرب العلاقات (الإنسانية)؟
على ماذا تقوم العلاقات في المجتمع؟ وحتى علاقة الأم مع ابنها؟
هل يُمَثِّلُ الأبوان البعد البرجوازي في العائلة، والأبناء البروليتاريا؟
 
يقول الحزبُ الشيوعيُّ في بيانه: "أتأخذون علينا أنَّنا نُرِيدُ إلغاء استغلال الآباء لأبنائهم؟ هذه جريمة نعترف بها، لكن تقولون إنَّنا، بإحلال التربية المجتمعية محلّ التربية البيتية، نقضي على أكثر العلاقات حميمية".
 
ثم يقول: "أليس المجتمع هو الذي يحدِّدُ تربيتكم أنتُّم أيضًا؟ ألا تحدِّدُها العلاقات المجتمعية التي تُرَبَّونَ في إطارها؟ ألا يُحَدِّدُها تدخل المجتمع المباشر وغير المباشر بواسطة المدرسة، إلخ..؟ فالشيوعيون لا يبتدعون فعل المجتمع في التربية. إنَّهم فقط يُغَيِّرُون خاصيَّتَه وينتزعون التربية من تأثير الطبقة السائدة".
 
ثَمَّة خيوط غاية في الدِقَّة تفصل بين مفاهيم غاية في الخطورة، ونحن في حاجة بالفعل إلى المبالغة في مراعاة الموازين العلمية في تحليل الرؤية الشيوعية.
 
ترى الشيوعية أنَّ الأسرة انعكاس طبيعي لا بُدِّي لِقِيَمِ وسُلوك المجتمع، ومن هنا فإنَّ الطبقيَّة في الخارج هي هي في الأسرة ولكن بقالب يناسبها، فالعلاقات الأسرية موجهة بحسب موازين التسلط واستغلال الأقوى للأصغر، ولا دخل للطبيعة أو الفطرة أو أيِّ شيء آخر في تحديد وتوجيه هذه المعادلة، فهي وبِكُلِّ بساطة، المجتمع في صورة من صوره التحليلية، وعندما يبدي البرجوازيون انزعاجهم من حديث الشيوعيين عن الأسرة بشكل عام والمرأة بشكل خاص، فليس ذاك إلَّا لاستشعارهم خطر انهيارهم الذي تلوِّح به الشيوعية بالحديث حول الأسرة.
 
عندَّما تتحدث الشيوعيَّةُ عن (إشاعة المرأة)، فهي في الواقع غير ناظرة إلى أصل قضية البغاء، فالأمر لا يهُمُّها على الإطلاق، ولكِنَّ المهم في الأمر أن لا تكون (إشاعة المرأة) نتاجًا للبرجوازية؛ فاتِّهام البرجوازية للشيوعية بأنَّ هذه الأخيرة تدعو لـ(إشاعة المرأة)، اتِّهام يثير سخرية الشيوعية؛ إذ أنَّ المرأة في المجتمع البرجوازي (مشاعة) بالفعل، ولكنَّهم (البرجوازيون) يريدونها هكذا تحت تروس الآلة البرجوازية؛ ولذلك فإنَّ الموقف المعارض للبرجوازيين من (إشاعة المرأة) هو كسابقه في قضية (إلغاء الأسرة).. إنَّه الخوف على البرجوازية من الانهيار!
 
أنقل إلى القارئ الكريم مقتبسًا مهِمًّا جِدًّا من كتاب (الشيوعية والأسرة) للشيوعيَّةِ الروسيَّةِ الثائِرَةِ: ألكسندرا كولونتاي (1872-1952)، وأرجو قراءته بدقة تحليلية فاحصة:
 
"إلغاء البغاء:
 
إنَّ البغاء هو ابن النظام الاقتصادي السائد وابن مؤسسة الملكية الفردية. وما أن تلغى هذه المؤسسة، حتى تزول تجارة النساء من تلقاء نفسها.
 
من هنا، فلا يُخِيفَنَّ المرأة العاملة أنَّ الأسرة، في شكلها الراهن، سائرة إلى زوال، لا محالة. فالأحرى بها أن تحيي انبلاج فجر مجتمع جديد، يحرِّر المرأة من العبودية المنزلية، ويخفِّف عنها أعباء الأمومة، ويمهد السبيل أخيرًا أمام إلغاء البغاء – أبشع النكبات التي بليت بها النساء.
 
إنَّ المرأة المدعوة للنضال من أجل القضية الكبرى – قضية تحرُّر البروليتاريا – ينبغي أن تدرك أنَّ الدولة الجديدة لن تقبل بالانقسامات السخيفة من النمط الذي كان سائِدًا من قبل: (هؤلاء أطفالي أنا. وأولئك أطفالك أنت أو أطفال الجيران. وأنا لست معنية بهم. تكفيني مصائبي).
 
إنَّ الأمَّ العاملة، الواعية لدورها الاجتماعي، سوف ترتفع من الآن فصاعِدًا إلى مستوى لا فارق فيه بين ما هو لها وما هو ليس لها، فتُدرِك أنَّ الأطفال هم أطفالنا نحن، أطفال الدولة الشيوعية، وأنَّهم ملك مشترك لجميع الكادحين.
 
تحقيق المساواة الاجتماعية بين الرجال والنساء:
 
لا بُدَّ للدولة العمَّالية من أنَّ توفر شكلًا جديدًا للعلاقات بين الجنسين.
 
إنَّ العاطفة الأنانية الضيقة التي تكنُّها الأمُّ لأطفالها يجب أن تتسع لتشمل جميع أطفال الأسرة البروليتارية الواسعة.
وعلى أنقاض (الزواج الذي لا ينفصم)، القائم على استعباد المرأة، سوف يقوم الاتِّحاد الحُرُّ بين الرجل والمرأة، يعزِّزُه الحُبُّ والاحترام المتبادلان بين مواطنين من مواطني الدولة العُمَّالية، متساويين في الحقوق والواجبات. ومكان الأسرة الفردية الأنانية، سوف تقوم أسرة العمال الكبيرة الشاملة حيث الشِغِّيلة، رجالًا ونساءًا، هم فوق كُلِّ شيءٍ أخوة ورفاق.
 
هكذا ستكون العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمع الغد الشيوعي، وهي علاقة ستضمن للإنسانية كافة المباهج التي يوفرها ما يسمى (الحب الحر)، عبر تحقيق المساواة الاجتماعية الحقيقية بين المرأة والرجل، وهي مباهج يعجز عن توفيرها المجتمع التجاري في ظل الرأسمالية.
 
افسحوا المجال أمام الأطفال المترعرعين، المتفجرين صحة وعافية!
افسحوا المجال أمام شبيبة ممتلئة حيوية ونشاط، متعلقة بالحياة ومباهجها، حرة في مشاعرها وعواطفها!
 
تلك هي شعارات المجتمع الشيوعي..
 
فباسم المساواة والحرية والحبِّ نهيب بكافة العاملات والعمَّال والفلَّاحات والفلَّاحين أن يضطلعوا، بجرأة وإيمان، بمهمَّة إعادة بناء المجتمع البشري باتجاه مزيد من الكمال والعدالة، وزيادة قدرته على أن يؤمِّنَ للأفراد السعادة التي يستحقون.
 
إنَّ راية الثورة الاجتماعية الحمراء، التي تنطلق من روسيا لترفرف على بلدان أخرى في العالم، إيذانًا لنا باقتراب (الجنة على الأرض) التي تحلم بها البشرية منذ قرون".
للمراجعة:https://www.marxists.org/arabic/archive/kollontai/1920/communism_and_the_family.htm#16
 
لا زلت أمسك نفسي عن التدخل بما من شأنه توجيه الأفهام لهذه النصوص الشيوعية، ولكنَّني وبكل صدق أدعو لقراءتها قراءة دقيقة ثمَّ النظر إلى واقعنا الثقافي ومشاربه، وإلى أين نتَّجه بحسب ما هو قائم فعلًا من مقدمات..
 
ويبقى سؤالان أطرحهما الآن وفي خاتمة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:
 
بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَ المعصومين (عليهم السلام)؟
 
هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟
 
 
29 نوفمبر 2014

No comments:

Post a Comment