Friday, November 21, 2014

لقاء على هامش (الحج) // إيمان الحبيشي

 
 
28/9/2014
 
لم يكن زحام الحج يترك لنا الفرص متاحة للتوجه للحرم المكي كلما رغبنا بذلك.. وكلما مضت الأيام زاد زحام الحجاج وتقلصت معه فرص التواجد بالحرم، فرحلة الذهاب التي يجب أن لا تستغرق أكثر من نصف ساعه للذهاب وأخرى للإياب كانت تحتاج منا للكثير من الجهد والكثير من ساعات الانتظار مع تحمل مشقة التنقل.
 
كانت الناس تتقاطر على أرض مكة من كل حدب وصوب.. جماعات من أفريقيا وشرق آسيا، جماعات من كندا وتركيا، وطبعًا من كل البلاد العربية.. مزيج هائل من الثقافات والحضارات يجمعها الله لتوحيده هناك حيث كعبته المشرفة، معجزة يكررها الله كل عام.
 
كنت أتمنى لو سمحت لنا الفرص لتبادل أطراف الحديث مع كل حضارة تمر علينا هناك، إلى أن شاء الله أن ألتقي بثلاث شقيقات يمنيات، تعمل إحداهن كممرضة بينما الاثنتان الأخريتان معلمتان.. تجاذبنا أطراف الحديث حول بلدنا البحرين وبلدهم اليمن وكان المدخل لنقاشنا (اللكنة العربية)، ففي حين اعتقدت الأخوات أني وزميلتي في الرحلة أردنيات، كنا نعتقد أنهن سعوديات.. تحدثنا معهن حول طبيعة بلدنا الزراعي البحري والذي لم يعد موجودًا بفعل الطمع الرسمي وعدم الاكتراث لطبيعة الشعب الساحلية، وحدثونا عن اليمن ذات الطبيعة الخلابة التي لا زالت تحوي مناطق فائقة الجمال (جنة من جنان الله على الأرض).
 
تحدثنا عن طبيعة شعب البحرين الأعزل وكيف تستحوذ السلطة على عملية التسليح وتوظف مرتزقة في سلك العسكر بمن فيهم اليمنيين لأهداف واضحة بينما أخبرتنا الأخوات أن شعب اليمن شعب مسلح بامتياز فمنازلهم تحوي صواريخ سكود أحيانا! بينما مناطقهم الجبلية ملئى بالقنابل. وتفاجأنا حين أخبرتنا اليمنيات بمعرفتهن عن تجنيس العرب بما فيهم اليمنيين وأنهن يدركن أسبابه تمامًا ويرفضونها، حتى أنهن ذكرن كيف رفض الجيش اليمني قتل الشعب ذلك أنه منهم.
 
جميل كان حديثهن المفعم بالأمل حول بلدهن بعد الثورة وأملهن في أنه يسير بخطى صعبة نحو الكمال، وكان لهن شاهد إذ كانت العوائل المتنفذة تقتل المختلفين معها دون قصاص، ذلك أن الحكومة ستقف معهم بالمرصاد دون أن تنتصر للفقير الذي قتل بينما صارت تخشى من تفشي شعار (ارحل) فبدأت بمحاسبة المتنفذين وانتصرت في كثير من الأحيان لأصحاب الحق.
 
موضوع البطالة أخذ حقه من النقاش إذ تشابهت ظروف الخريجين العاطلين مع اختلاف أسباب عدم التوظف. أما الغريب في حديثنا فكان حول القات اليمني، إذ نفت الأخوات أن يكون للقات اليمني أي أثر مسكر أو مخدر وقلن إن أحد أنواع القات يشبه الحشيش وهو النوع الممنوع تمامًا في بلدهن. أما القات المتداول فيقوم الشاب اليمني بتخزينه في فمه ليمضغه كالعلكة طمعًا في قدرته المنشطة، إذ أنه يعطيهم -بحسب كلامها- طاقة كبيرة ذهنيًا وجسديًا. سألناهن إن كن قد جربن تخزين القات فنفين، ذلك إذ قليل ما تستخدمه النساء. قد يكون هذا الموضوع من أغرب المواضيع التي لم أتوقع ان أتلاقها بصدر رحب وعقل منفتح، ورغم أني أدرك في قرارة نفسي أن للقات مساوئه التي يجب أن تبعد الإنسان عنه إلا أني وجدت الاحترام لنظرتهن أمرًا ماثلًا أمامي. ختام حديثنا كان حول الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف.. أخبرناهن أن روايات أهل البيت (ع) أخبرتنا أن كثيرًا من أنصار المهدي من أرض اليمن فسألنا الله أن يكن ونكون منهم.
 
قد يكون مجرد لقاء، وقد يكون الحديث الذي تبادلناه مجرد حديث بسيط، لكنه فتح الآفاق كثيرًا عندي. لماذا لا يكون موسم الحج موسم تلاقح الأدمغة وانفتاح القلوب؟ ولماذا يقتصر على أداء المناسك؟ فرغم جمالها وجمال الانشغال بها إلا أن هناك متسع قبل بدء أعمال الحج وبعد الانتهاء منها، لافتتاح بوابة كبيرة جدًا لتتعرف الشعوب على بعضها، ولتتفتح الأذهان حول الآخرين بشكل ودي وصحيح قد يبعد شبح التعصب والحقد الأعمى عن قلوب من اجتمعوا إرضاءً لله، ذلك أن مناسبة اللقاء ستلقي بظلالها على أجواء التعارف، فيكون منطلقه توحيد الله والإقرار بالعبودية له، مترفعين عن كل الفوارق الطبقية والمذهبية والجغرافية والمادية، عائدين لأراضيهم وبيئاتهم محملين بالحب والمعرفة بالشعوب الأخرى.
بكل أمانه ترك حديثي مع الشقيقات اليمنيات لفتتة طيبة بعمق نفسي ذلك أني ربما تحاشيت أهل تلك الحضارة على أرضي رفضًا لوجودهم واشمئزازًا من موقفهم، لكن هناك تفتحت لنا آفاق من المحبة والتسامح لن تتفتح مثلها إلا على تلك الأرض التي حباها الله كثيرًا من الامتيازات.
 
يقول رب العزة (وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا) وقطعًا ما جعل الله ذلك التعارف.. عبثًا.
 
 
22 نوفمبر 2014

No comments:

Post a Comment