Friday, November 28, 2014

الحبر الأسود في الجمعة السوداء // ز.كاظم


 
بسم الله الرحمن الرحيم

 
في صباح يوم الأمس الجمعة فتحتُ التلفاز على قناة الأخبار لأشاهد أخبار هذا اليوم الذي يُعد أكثر الأيام شراءً في أيام السنة نظرًا للتخفيضات الهائلة التي تحدث فيه وهو ما يُسمى بـ الجمعة السوداء - Black Friday - اليوم التالي ليوم عيد الشكر الموافق آخر يوم خميس من شهر نوفمبر. الكثير من المحلات تفتح من الساعة الثانية عشرًا في منتصف الليل، وقبل ذلك بساعات ترى طوابيرًا طويلة واقفة انتظارًا لهذه اللحظة الحاسمة. تصدّر في نشرة الأخبار خبران أثارا انتباهي وأعادا عليّ حادثة مرّت قبل عدة سنوات أذكرها لاحقًا.
 
الخبر الأول كان لأحد الزبائن يهجم على أحد التلفزيونات المعروضة للبيع بتخفيض باهض جدًا مما استدعى رجل الأمن أن يطرحه أرضًا، في وجود حالة من الهستيريا التي تصيب الزبائن في اللحظة الحاسمة من فتح المحلات إذ أن بعض العروض المخفضة تكون من نصيب الأسرع والأسبق وربما الأشرس، في مشهد آخر لأحد الزبائن وهو يستلب بضاعة من يد زبون آخر. بعض المحلات تضع سلعًا مخفضة بدرجة كبيرة وبعدد محدود، فمثلًا عدد خمسين جهازًا من التلفزيونات بقيمة منخفضة جدًا، فالخمسون الأوائل من الزبائن السابقين الأولين هم المحظوظون من تلك التسعيرة.
 
أما الخبر الثاني فكان لامرأة لكمت رجلًا على وجهه عراكًا على دمية قيمتها المخفضة خمسة دولارات.. إضافة إلى هذين الخبرين هناك عدة مشاهد لحالة الفوضى والهمجية التي تصاحب هذا اليوم المميز خصوصًا في المحلات التي تكون عروض التخفيضات لديها مغرية جدًا.

ربما من أجل هذه السلوكيات السوداء سُمي هذا اليوم بالجمعة السوداء.. لا كما هو مُشاع بأنه اليوم الأول الذي يبدأ فيه الباعة باستخدام الحبر الأسود المعبّر عن الربح من المبيعات عوضًا عن الحبر الأحمر المعبّر عن الخسارة طوال أيام السنة، إذ في هذا اليوم يبدأ الباعة بتحقيق الأرباح من مبيعاتهم نظرًا لارتفاع معدل المبيعات بسبب قدوم أيام أعياد الميلاد.
 
هذان الخبران أعادا عليّ ذكرى إعصار "ريتا" في عام 2005 في ولاية تكساس. قبل أن يحلّ هذا الإعصار بعدة أيام، كنتُ مع أحد الزملاء في رحلة عمل في ولاية نيويورك، وقبل يومين من حلول الإعصار اتصل فينا رئيس العمل وطلب منا قطع الرحلة والرجوع فورًا لاتخاذ الاحترازات المطلوبة من ذلك الإعصار. هذا الإعصار جاء بعد شهر واحد من إعصار كاترينا (ولاية لويزيانا) والذي يُعدّ أكثر الأعاصير تدميرًا ودموية في تاريخ أمريكا. عند رجوعنا في المطار وحتى خروجنا إلى شوارع المدينة، كانت مدينة هيوستن كمدينة أشباح، ولكن ما إن وصلنا إلى الهاي وي الذي يأخذنا إلى مدينتنا إلا والسيارات -الخارجة من المدينة- لا تكاد تتحرك من شدة الزحمة.. تخيّل خمسة ملايين شخص خرجوا في وقت واحد هربًا من هذا الإعصار..
 
استطاع زميلي أن يخرج من تلك الزحمة ويأخذ شوارع داخلية توصلنا إلى مدينتنا، إلا أن هذه الشوارع لم تخلو أيضًا من الزحمة القاتلة.. مسافة ساعة واحدة في الأيام العادية أخذت منا تقريبًا خمس إلى ست ساعات.. الملفت للأمر أننا وقفنا عند محطة بنزين لتزويد السيارة بالبنزين، وهالنا منظر القذارة في تلك المحطة من فعل الناس الخارجة من المدينة هربًا من الإعصار.. حتى الحمام - أعزكم الله - تم تخريبه وقد تم خلع المناشف وتكسيرها.. تكلمتُ مع عامل المحطة فكان مذهولًا من طبيعة الناس الغير طبيعية في ذلك الظرف من سوء معاملة وتخريب وهمجية وفوضى.
 
ماذا يحدث للإنسان في تلك اللحظات التي يواجه فيها ظرفًا غير طبيعي؟
 
الأخلاقيات التي يمارسها الفرد إنما يتم ممارستها لوجود نظام خارجي وداخلي يُفرض تطبيقه على الإنسان. فالنظام الخارجي يتمثل في الأسرة، المجتمع، أو الدولة.. إلخ. فالإنسان لا يسرق خوفًا من عقاب السجن، والسائق لا يتعدى السرعة المحددة خوفًا من المخالفة المادية. الإنسان يمارس تلك الأخلاقيات لوجود نظام خارجي (قانون أو عُرف) يحدد ويقنن تلك الممارسات الأخلاقية. أما النظام الداخلي فهو القناعة والإيمان بمجموعة من القيم والمُثل التي يؤمن بها الإنسان فتصبح قناعات تنعكس أخلاقيًا على سلوكياته. فالإنسان المؤمن بأهمية النظام كنظام داخلي نابع من داخله يقف عند الإشارة الحمراء ولا يتعداها حتى لو لم يجد سيارة أخرى في الطريق وحتى لو لم تكن هناك كاميرا تصوّر حركة سيارته، أما الإنسان الذي يؤمن بالنظام الخارجي فهو يقف عند الإشارة الحمراء، وبمجرد غياب النظام الخارجي من كاميرا أو شرطي فإنه يقوم بقطع الإشارة الحمراء.
 
في أحد المحادثات مع إحدى الزميلات في المصنع كنّا نتحدث عن مسألة العثور على مبلغ من المال ليس له مالك كأن تعثر على مبلغ من المال في الشارع مثلًا. كانت قناعتها أنه من حقها أن تحوز على هذا المال نظرًا لأن المال ليس له مالك، ولأن القانون لا يجرّم هذا الفعل. أما رأيي فكان أن هذا المال ليس لي، وبالتالي لا حق لي فيه، سواء كان له مالكًا أم لم يكن، وسواء أقرّ ذلك الفعل قانون أم لا، إذ أن المال ما لم يكن عن طريق شرعي كأجرة على عمل أو أرث، فإنه لا حق لي في أخذه والاستحواذ عليه.
 
لا جدال حول أهمية وجود النظام الداخلي والخارجي لتنظيم علاقات وسلوكيات البشر، فكلاهما ضروريان إلا أنه كما يبدو أن أغلب أخلاقياتنا منتظمة بسبب قوة نفوذ النظام الخارجي فما أن يضعف هذا النظام -الخارجي- حتى يتجلى ضعف النظام الداخلي وقلة تأثيره على سلوكياتنا، كما حدث في تلك الأحداث السابقة.. فنظرًا للظرف الغير طبيعي من الحالة التي خلفها الإعصار وانشغال النظام الخارجي وضعفه عن ممارسة دوره بشكل طبيعي، ظهر ضعف النظام الداخلي عند الناس فقامت تتصرف بسلوكيات لا تقوم بها في ظل وضعها العادي عندما يكون النظام الخارجي قويًا وحاضرًا. تلك الحالة أيضًا كان بارزة في يوم الأمس لكثرة الناس وزحمتها وقلة وجود نظام خارجي ينظّم حركة الزبائن الكثيرة المزدحمة على البضائع. أضف إلى ذلك وجود عوامل أخرى من الانتظار والتعب والخوف التي تسيطر على الناس في الظروف الغير طبيعية تساهم في إضعاف النظام الداخلي أو على الأقل تبرير ضعفه.
 
تُرى، هل اختبرنا النظام الداخلي لدينا قبل أن نتعرض لظرف غير طبيعي فينكشف لنا ضعفه أو حتى انعدامه!
 
 
29 نوفمبر 2014

No comments:

Post a Comment