Friday, December 12, 2014

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها (7) - "سيادة البروليتاريا" // محمد علي العلوي

 
بداية أُنبِّهُ على أمورٍ ثلاثة:
 
الأول: لا يستدل على حُسْنِ الغايةِ بِحُسْنِ الطريق، فقد يكون هذا الأخير حَسَنًا، مثل أن يُقَدِّمَ أحدُههم يد العون والمساعدة لمحتاج من الناس، غير أنَّ الغاية ليس بالضرورة أن تكون إنسانية إيمانية، فاحتمال كون المساعدة مقدمة للسيطرة والاستعباد احتمالٌ قائمٌ بلا شك.
 
هذه مسألة مُهِمَّةٌ ينبغي التَنَبُّهُ إليها جَيِّدًا، ولنكن على حذر من العسل أن يكون قد دُسَّ فيه السُمُّ.
 
الثاني: هناك (صِورٌ) يظهر منها الاشتراك بينها وبين بعض المفاهيم الإسلامية بشكل عام، والشيعية على وجه الخصوص، ورجائي من المتابع الكريم تجنب الاستعجال حتى يأتي الدور لمقالات التحليل والمقابلة، وهي - إن شاء الله تعالى - بعد الفراغ من التقاط المهم من بيان الحزب الشيوعي.
 
الثالث: ليس بالضرورة أن يكونَ الشيوعيُّ منكرًا لوجود خالق لهذا الكون - كما هو مشتهِرٌ بين عامة الناس -، فالشيوعيَّةُ فلسفةٌ قبل أن تكون عقيدة دينية (لا دينية).
_____________________________
 
أقتبس من البيان الخلاصة الاستراتيجية للرؤية الشيوعية، وللقارئ الانفتاح على تدبرها كيفما شاء، ولي أنْ أُذكِّر الآن بضرورة اعتبار الأمور الثلاثة المذكورة أعلاه.
 
قال البيان:
"فقبلًا رأينا أنّ الخطوة الأولى في ثورة العمّال هي ترفيع البروليتاريا إلى طبقة سائدة والفوز بالديمقراطية.
 
فالبروليتاريا ستستخدم سلطتها السياسية لتَنتَزع من البرجوازية تدريجيًا، رأس المال كله، ولِـتُمركز أدوات الإنتاج كلّها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظَّمة في طبقة سائدة، و لتزيد حجم القوى المنتجة بأقصى سرعة ممكنة.
 
وفي البداية، لا يمكن حدوث ذلك طبعًا، إلاّ بالانتهاك الاستبدادي لحقّ الملكية ولعلاقات الإنتاج البرجوازية، أي بتدابير تبدو، اقتصاديًا ناقصة وغير مأمونة البقاء، لكنّها تتجاوز نفسها في مجرى الحركة، وهي لا غنى عنها كوسيلة لقلب نمط الإنتاج بأسره.
 
وطبعًا تختلف هذه التدابير تبعًا لاختلاف البلدان.
غير أنّ تطبيق التدابير الآتية ممكن، بصورة عامة تقريبًا، بالنسبة إلى البلدان الأكثر تقدمًا:
 
1- نزع الملكية العقارية وتخصيص الريع العقاري لتغطية نفقات الدولة.
2- (فرض) ضريبة تصاعدية مرتفعة.
3- إلغاء قانون الوراثة.
4- مصادرة ملكية جميع المهاجرين والعُصاة.
5- مركزة التسليف في أيدي الدولة بواسطة مصرف وطني رأسماله للدولة والاحتكار له وحده.
6- مركزة وسائل النقل في أيدي الدولة.
7- تكثير الفبارك الوطنية وأدوات الإنتاج، واستصلاح الأراضي الموات وتحسين الأراضي المزروعة، وفق تخطيط عام.
8- عمل إلزامي متكافئ للجميع، وتنظيم جيوش صناعية، لا سيما للزراعة.
9- التوفيق بين العمل الزراعي والصناعي، والعمل تدريجيًا على إزالة الفارق بين المدينة والريف.
10- تربية عامة ومجانية لجميع الأطفال، وإلغاء عمل الأولاد في الفبارك بشكله الراهن، والتوفيق بين التربية والإنتاج المادي، إلخ..
 
وما أن تختفي، في سياق التطور، الفوارق الطبقية، وما أن يتجمع الإنتاج كلّه في أيدي الأفراد المتشاركين، حتى تفقد السلطة العامة طابعها السياسي. فالسلطة العامة طابعها السياسي.
 
فالسلطة السياسية، بمعناها الحقيقي، هي العنف المنظَّم لطبقة في سبيل قمع طبقة أخرى.
فعندما تتوحد البروليتاريا وجوبًا في طبقة إبّان كفاحها ضد البرجوازية، وعندما تـنصّب نفسها بثورة طبقة سائدة، وتلغي علاقات الإنتاج القديمة بالعنف، بصفتها طبقة سائدة، فإنها تلغي أسباب وجود التناحر الطبقي وتلغي بالتالي الطبقات عامة، تلغي سيطرتها الخاصة كطبقة.
 
ومحل المجتمع البرجوازي القديم، بطبقاته وتناحراته الطبقية، يحلّ تجمُّع تشارُكيّ، يكون فيه التبسُّط الحر لكل فرد شرطًا للتبسُّط الحر للجميع".
 
ما ألاحظه في هذا المقطع المقتبس، وفي غيره، تركيز البيان على استراتيجيتين أساسيتين:
 
الأولى: الترويج لفكرة الديموقراطية.
الثانية: التبرير لاستبداد البروليتاريا.
 
تظهرُ في الرؤية الشيوعية طبيعية السلوك العنفي الاستبدادي من البروليتاريا كمقدمة ضرورية للدخول في مرحلة السلام الشامل، وهي مرحلة التلاشي الطبقي الذي يرونه حتميًا، وليس من شيء عليهم اليوم أكثر من الدفع في اتجاه تقوية حركة البروليتاريا، وهنا تلتقي (صِوَرِيًّا) هذه الفكرة مع فكرة (كلمة حقٍّ في وجه سلطان جائر) التي تؤكد عليه النظرية الشيعية في خصوص وظيفة المؤمنين مع سلطات الجور (على تفصيل دقيق سوف يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى). فانتظر.
 
يبدو لي أنَّ الدخول الشيوعي - كما هي نظرتي - على خط الفكرة الديموقراطية، كان غاية في الذكاء والإحكام، فالقضية اليوم ملتبسة تمامًا، إلا على الشيوعيين الذين تمكنوا، وهم بالفعل يتلاعبون اليوم بالعقول الرأسمالية الكبرى، ومن خلال العناوين التي يطرحها الرأسماليون لتأمين رأسماليتهم، من قبيل حقوق الإنسان والديموقراطية والمساواة وما تنتهي إليه منظومة النظريات تلك من ليبرالية وعلمانية وما شابه.
 
عندما نراقب مستوى الانحلال القيمي في الغرب، ثُمَّ ننتقل لتتبع تفاصيل النظرية الشيوعية، نقف على حالة من الاستعمال الاحترافي من الشيوعيَّة كنظرية، لذاك الانحلال كأداة تُمَهِّدُ لمراحل إلغاء كل ما من شأنه أن يميز بين فرد وآخر.. الوراثة مثالًا!
 
هناك تصدير لا يمكنني التغافل عنه أو تجاوزه دون تدقيق، وأقصد تصدير ثقافات متداخلة عبر مختلف وسائل الإعلام، وهذا ما أرجو من المتابع الكريم تدبره بموضوعية تامة، حتى نلتقي في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.
 
 
13 ديسمبر 2014

No comments:

Post a Comment