Friday, December 5, 2014

المطر والشجن / أم علي




صنوان هما المطر والشجن، المطر دموع السماء التي تفيض لتغسل أنفسنا، وهدر الرعد الذي يحاول أن يوقظ في دواخلنا صوت الضمائر التي غفا بعضها ومات أكثرها، برد يذكر القلوب التي تناست دفء المشاعر، ويعيدها إلي زوايا الحب التي هجرتها، قطرات مطر تعزف أجمل لحن فوق أسقف البيوت، وعلى أرصفة الشوارع ثم تعانق زجاج النوافذ في ود..

تناغم رائع بين الشجن الذي يعترينا مع هطول المطر، وبين أنفسنا التي تتوق لهذا الشعور الهادئ كما تتوق لممارسة صخب الحياة بعنفوانها، المطر مطر لكنه ليس كذلك لكل البشر فهو لساكني الصحاري خير وبركه تعم وفضل ينتظرونه من موسم لأخر، واذا تأخر ولو قليلا يرفعون أكفهم ضارعين لله عز وجل ان ينعم عليهم بهطوله، 
وهو لقاطني المدن وبخاصة للاهثين وراء المال والمنشغلين بدوامة العمل والساعين إلي تحصيل الأموال وتكديسها لا يعدو ان يكون وبال ومشكلة وتعطيل لمصالحهم، لكنه بالنسبة إلى كثير من الكتاب والفنانيين هو نبع إلهام، هو وقود المشاعر التي يفجرها من رحم الشجن المصاحب للمطر، وحميمية الدفء الذي يدخلنا حين نسعى هربا من برد يصاحب المطر في غالب الأحيان، فنلتف حول جذوة او تحت دثار صوفي، ونتقارب أكثر ونحن نتلمس دفئا نفتقده، وهو غالبا ما يكون دفء مشاعر أكثر منه دفء أجساد.

عن نفسي اعشق الشواطئ شتاء، واعشق موج البحر وهو يعانق المطر بعد طول شوق، فيتطاول ويهدر فرحا بلقاء زخات المطر وغضبا لتأخر هذا اللقاء، وأكاد لا أشعر بالوقت وأنا أنظر لهذا اللقاء الحميم بين موج البحر الذي أعشقه بقدر عشقي لقطرات المطر، وتعتريني موجات من شجن تفجر الأحرف على طرف سن قلمي فتنهمر الكلمات ويتدفق شلال الحس من بين أصابعي التي تبحث عن الدفء وتتوارى في دلال من حبات المطر التي تتناثر في فرح طفولي معلنة عن إنتهاء وقت القحط الفكري وبدء موسم الفيضان ، 
الكثير تأتي روائعهم التي تجود بها قرائحهم عبر مواسم المطر، ربما هذا الطقس الذي يعانق الهدوء ويقترب من جزر الحزن الهادئ ويصاحب تلك المعزوفات السماوية التي تتشكل من زخات المطر وصوت الرعد، مع غياب لوهج الشمس الحارق وسيطرة الغيم على الأجواء كلها أمور تساعد على خلق جو من الرومنسية الناعمة التي تسيطر على الفكر فتنساب الأفكار بيسر ودون جلبة، وتتعانق المشاعر الدفينة مع هذا الهدوء الذي يكتنفه شجن محبب لتخرج أرقي المعاني وأنقي المشاعر.

رغم أن الكثيرين تغنوا بالربيع وكثيرين أيضا يعشقون الصيف بما يحمله في ذاكرتهم من ذكريات طفولية محببة تقترن بالعطلات والمرح واللهو والإنطلاق عبر الشواطئ والمتنزهات وممارسة أقصى درجات الحرية، إلا إنني ارتبط تاريخيا مع الشتاء والمطر واعتبر أن أجمل لحظات حياتي مرت حين كنت أمر بتلك الأوقات التي تصاحبني فيها زخات المطر مع الإحساس بدفء المكان في ليال الشتاء الباردة، بل إنني أكاد أجزم بأن أجمل رحلاتي ومرحي عانق تلك الآونة التي حفرت في الذاكرة بما حملته من وتألق وتفرد.

5 ديسمبر 2014

No comments:

Post a Comment