Friday, July 18, 2014

من نكون؟ // إيمان الحبيشي


 

(قتل أشقى الأشقياء أتقى الأتقياء)

هكذا وُصفت فاجعة قتل أمير المؤمنين، الإمام علي عليه السلام، في فجر يوم التاسع عشر من شهر رمضان سنة أربعين للهجرة، بينما كان ساجدًا لله.


وفي تلك الفاجعة، أعطى الإمام علي عليه السلام، أعمق عظة لو خلت حياته إلا منها، لكفته فخرًا، كيف وحياته ملأى بالعظات.

 
نعرف أنَّ أشقى الأشقياء عبدالرحمن ابن ملجم، الذي هوى على رأس الإمام علي عليه السلام بسيفه، كان من الخوارج، وقد قتل الإمام علي (ع) انتقامًا وطمعًا، وهناك روايات تتحدث عن ضلوع بني أمية في قتل الإمام علي (ع) بسيف ابن ملجم، لكن ماذا بعد أن هوى هذا الشقي بسيفه على رأس الإمام علي (ع)؟

تُتداول وصية الإمام علي عليه السلام قبيل انتقال روحه المقدسة لبارئها، يتحدث فيها عن أسس التعامل مع القاتل وليس أي قاتل (قاتله) وهو رئيس الدولة الإسلامية آنذاك!

وصية أمضاها وهو بين موتٍ وحياة، بينما يستشعر ألم الغدر دون ذنب اقترفه، إلا لأنه كان حاكمًا عادلًا إنسانيًا، لم يقبل الرعاع عدله ومساواته.


يقول الإمام سلام الله عليه في وصيته:
(احبسوا الرجل فإن مت فاقتلوه وإن أعش فالجروح قصاص) وفي رواية أخرى قال: (اطعموه واسقوه وأحسنوا إساره)، كما قال (يا بني عبد المطلب لا ألفينَّكم تخوضون في دماء المسلمين خوضًا، تقولون قُتِل أميرُ المؤمنين، ألا لا تقتلنَّ بي إلا قاتلي، انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة ولا تمثِّلوا بالرجل فإني سمعت رسول الله (ص) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور).

إنه نهج أقره الإمام (ع) للتعامل مع القاتل، إطعام وسقي، لا تعذيب ولا تمثيل، بل ضربة بضربة فحسب. لستُ بصددِ الحديث عن إنسانية علي عليه السلام، فإنسانيته أقرها العدو قبل الصديق، أنا أتساءل فقط، أين نحن من قيمه ومبادئه، ليس عند مواجهتنا لقاتل فحسب، بل أيننا من مبادئه ونحن نواجه اختلافات بعضنا؟! فنُشهر سيف التسقيط، ونقابل السقطة بسقطة، والإساءة بألف، فمن طَرد يُطرد على مدى التاريخ، ومن شَتَم يُشتم جيلًا بعد جيل، يقول الإمام علي عليه السلام في ذات الوصية (صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام ، وإن البغضة حالقة الدين وفساد ذات البين ولا قوة إلا بالله)، فمَن قام بإصلاح ذات بيننا بينما تُسن الأقلام للتذكير بالإساءات والهفوات وتبرير الأخطاء والاعتداءات؟ ثم تزيينها بمصطلحات الحق والفضيلة، بل ونُلبسها مواقف الأئمة عليهم السلام التي هي أبعد ما تكون عن الفتنة والتشرذم والإساءة. إنَّ مفردة اسم (علي) لا تتفتق إلا إنسانية وخلقًا ومبادئًا، لذلك رأينا أن أصحاب الباطل أيضًا حين يكونون في المحك فإنهم لا يطلبون سوى (معاملة) علي (ع).

منذ أيام انتشر فيديو لرجل، قيل أنه من جماعة داعش حين وقع في أسر خصومه، كان يطلب فيه ممن أسره أن يعامله كما عامل علي عليه السلام الخوارج؟!

إنه يفتقر للإنسانية، وفجأة صار يطلبها ممن ظن أنه يتبع علي عليه السلام، فلا أجدر بقيم وإنسانية علي إلا أتباعه، فهو إنْ كان وحشًا جزارًا يُجيد قطع الرؤوس وحزَّ النحور، فهو يُمثل فكره وثقافته ويقتدي برجالٍ حملوا خير الرؤوس على أشر الأسنة، فمَن نُمثِّل نحن حين نُسقط المختلفين معنا، مَن نُمثّل حين نتفوه بالبذاءات تحت اسم الحرية الفكرية؟ مَن نكون نحن؟ وما هويتنا؟ أتُرانا ضيعنا مشيتنا ونحن نحاول تَمثّل مشية الآخرين؟ أم تُرانا جاهلين لا نعرف عليًا ولا ابن عمه ولا أهل بيته عليهم السلام. أجدني حينها أتفق وبشدة مع دعوة للكاتب بشار الموسوي يقول فيها:

 
(إن الإنسان اليوم يحتاج إلى (معرفة) علي لا إلى (حبه) فالحب بلا معرفة لا قيمة له و لا وزن بل هو ملهاة مخدرة و مثبِّط يعطِّل الإنسان، والذين يشغلون الناس باسم محبة علي، والعشق للمولى دون معرفة وفهم دقيق و صحيح لأهدافه وأقواله وتعاليمه، فهم لا يدمِّرون الإنسانية و الحرية و العدالة فحسب، و إنّـما يبيدون هذه الشخصيات العظيمة العزيزة أيضًا، حب علي بعد المعرفة يمكن أن يؤدي دوره في إنقاذ البشرية وإسعاد الإنسان.)

اللهم اجعلنا ممن عرف (علي) فأحبه واقتدى به.
 
19 يوليه 2014

2 comments:

  1. تألق مستمر أستاذة إيمان.. بارك الله يراعك ويسر على طريق الخير عطاءك

    ReplyDelete