Friday, January 2, 2015

الشُيُوعِيَّةُ، وإنْ غَابَ أو (غُيِّبَ) رَسْمُها(10) - "مناقشات وردود (1) / طبيعة الصراع" // محمد علي العلوي

 
 
يتَّخِذ عنوانُ (الحقوق) موقِعَ المحور في عموم الصراعات البشرية، وكُلَّما حقَّق الإنسانُ شيئًا من مطالبه (الحقوقية) فإنَّه يبدأ التخطيط لخوض صراعٍ (حقوقي) جديد يليق بموقعه الجديد، فالعامل يطالب بتحسين أوضاعه الوظيفية من رئيس العمَّال، ورؤساء العمَّال يطالبون بميِّزات إضافية من المشرف العام، والمشرفون يصارعون من أجل أن تُخَصَّص مواقف لسياراتهم..، وفي حركة شاملة يخوض الجميع صراعات مع الدولة من أجل حياة سياسية عادلة تنعكس حلولًا على الصراعات الجزئية السابقة!
 
ولأنَّ خضوع الدولة لمطالب الشعب يُعَدُّ في عرف الحُكْمِ ضعفًا، فإنَّها تلجأ للضرب بيد من حديد كمقدمة لاستقرار الحياة ومواصلة الإنتاج و(الحُكم).
 
من وسط هذه الصراعات تنشأ جماعات تتبنى مشاريع المطالبة بـ (حقوق الإنسان)، وحتى تقوم بدورها وتحمي نفسها من ضربات متوقعة، فإنَّها تتواصل (عضويًّا) مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتَّحِدة!
 
عندما نحاول تحليل الصراعات البشرية في ظل هذا الجو المشهود، فإنَّنا لا نجد توجيهًا غير الذي تذهب إليه النظرية الشيوعية، وهو: حتمية صراع الطبقات.
 
وحتى تنتهي هذه الصراعات، فلا مفَرَّ من الدفع نحو تلاشي كل الطبقات في طبقة واحدة يتحقَّق فيها شيوع رأس المال، فتنعم البشرية بالاستقرار والنعيم.. أمَّا الطريق إلى ذلك فهو رفع وتيرة الصراعات!
 
مما ينبغي الالتفات إليه، إنَّ مجرد الحديث عن الحقوق والمطالبة بها تنظيرًا وعملًا، يُكَرِّسُ وبشكل مباشر لواقع الصراع الطبقي الذي اتخذ منذ الحرب العالمية الثانية عنوان الصراع (الحقوقي) الذي يأتي في ضمنه الصراع (السياسي)؛ فالمطالبة بـ (الحقوق) تعني الذهاب في مواجهة مخرجات جديدة تقابل تلكم المطالبات، مستقوية بالعقلية السياسية الجدلية.
 
• حلقةٌ مفقودة:
تبتني النظرية الشيوعية على حتمية صراع الطبقات، إلا الذي نراه هو أنَّ هذا الصراع الطبقي نتيجة وليس أصلًا، فالأصل هو الصراع النفسي الذاتي بين قُوَّتِي الخير والشر؛ إذ إنَّه (الصراع الطبقي) معلولٌ قبل أن يكون عِلَّة، وعِلَّته هي الصراع النفسي الذاتي بين قوَّتي الخير والشر، والدليل على ما نَدَّعيه هو كون (الصراع الطبقي) سلوكًا بشريًّا، ولا يمكن للسلوك إلَّا أن يكون نتيجة لواقع نفسي معيَّن.
 
ولذلك، فإنَّ النظرية الشيوعية تفقد محورها الأصل وركنها الركين بنفي العِلِّية الأولى عن الواقع الطبقي، وبإرجاعه لِعلَّة سابقة هي الصراع النفسي الذاتي بين قُوَّتي الخير والشر.
 
إنَّ القول بقوَّتي الخير والشر يقتضي الذهاب إلى ما هو أبعد؛ فللخير مصدر وللشر آخر، وكلاهما خارج الإدراك الحِسِّي للإنسان، وهذا ما ترفضه الشيوعيَّة كما يرفضه الكثير من المفكرين، رفضًا يصل إلى حَدِّ الاتهام بالجمود على ثقافة (الموعظة) التي يرونها ضعفًا وتخلُّفًا عن فهم الواقع.
 
إنَّ للصِّرَاع (الطبقي) حركة واقعية سريعة يعيشها الإنسان في كُلِّ لحظة، وفي حال تخلُّفه عن مواكبتها حدثًا بحدث ولحظةً بلحظه، فإنَّه وبشكل تلقائي يخرج من دائرة الواقع تمامًا!
 
• مشكلة (الكرة الأرضية):
ترى الشيوعية أنَّ الصراع ونهايته لا يمكن أن يتعدَّى حدود (الكرة الأرضية)، فالدُّنْيَا أوَّلًا، وهي أخيرًا..
 
أمَّا الحديث عن الآخرة ويوم الفصل الأكبر، فهو في نظرهم حديث الضعفاء قليلي الحيلة، ولذلك فالإنسان عندهم مسؤول عن كُلِّ شيءٍ، وإن لم يتحمَّل المسؤولية بشكل واقعي، فلا أحد يعينه على حَلِّ مشاكله والخروج به من مآزقه.
 
لهذه الثقافة حضور قويٌّ حتى في واقع بعض العقليات الدينية التي تراعي موازين التقوى والورع، فهي وإن تفرَّغت للتَّضرع والدعاء، فهو في الغالب محاكاة لواقعها التَّديني لا أكثر، وربَّما مواساة تخديرية للنفس التي نشأت في أجواء الدين والتدين، ولذلك، فإنَّك وعلى المستوى العملي لا تّجِدُ - غالِبًا - واقعية للآخرة لا في ثقافات الناس ولا في سلوكياتهم (الصراعية).
 
• واقع الصرار:
كان الله تعالى والملائكة و(إبليس)، ثُمَّ آدم وحواء..
أباح الله تعالى الجنة لآدم وحواء، إلَّا شجرة واحدة نهاهما عنها، ولكنَّ الشيطان وسوس لهما أنَّها شجرة الخلد التي ترتقي بهما لمصاف الملائكة في الخلود.
 
إنَّه ومِنَ (النفس) دفعهما الشيطانُ للصراع (الطبقي)، فكانت المعصية والخروج من الدنيا.
 
- هنا آيتان:
الأولى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ).
 
الثانية: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).
 
فالإنسان أمام طريقين: إمَّا الظفر بهُدى الله تعالى، وإلا فالصراع الطبقي (َبَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ).
 
نعم، ليس الصراع الطبقي علة وحيدة للعدواة، ولكِنَّ هذه الأخيرة كذلك، ما لم نجعلها مقودةً لِنُظُمِ الحَقِّ، وما لم نتنزَّه عن الانقياد لِنُظُمِها التي تبني الشيوعيَّةُ عليها نظرياتها.
 
ولكن..
 
• هل تتمكن (المثالية) من مواجهة الواقع القائم بالفعل؟
• هل يمكن التفكير بصورة مغايرة ومنهج مختلف عن معادلات الصراع الدائر بالفعل؟

ويبقى سؤالان أطرحهُما الآن وفي خاتِمَة كل حلقة من حلقات هذه السلسلة:
 
بأيِّ عينٍ وثقافةٍ ونَفْسِيَّةٍ ورُوحيَّةٍ نقرأ كتابَ الله المجيد وأحاديثَ المعصومين (عليهم السلام)؟
 
هل نحن على الطريق الصحيح أو أنَّنا في حاجة إلى مراجعات عاجلة وجادَّة جِدًّا؟
نلتقي في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى..
 
 
3 يناير 2015

No comments:

Post a Comment